منوعات

اليوم اخترت نفسي

في المطار، قبل ما نسافر هاواي على طول، أختي ادّتني بالقلم قدام كل الركاب. أهلي طبعًا وقفوا في صفّها فورًا، عشان هي دايمًا المفضلة عندهم. بس اللي ما كانوش يعرفوه إني أنا اللي كنت دافعة تمن الرحلة كلها. ساعتها، لغيت تذاكرهم في هدوء ومشيت. واللي حصل بعد كده صدم الكل… اليوم اللي اخترت فيه نفسي

أختي ض,,ربتني قدام الناس كلها وإحنا مسافرين هاواي، وأهلي زعقولي أنا عشان هي دايمًا المدللة. وهم مش عارفين إني أنا اللي دافعة كل حاجة. فقمت وأنا واقفة في المطار، وسط صوتهم العالي، لغيت تذاكرهم من غير ما أقول كلمة ومشيت. السكون اللي جه بعد كده كان أقوى رد عملته في حياتي، واللي حصل بعدها كان فعلًا غير متوقع. الفصل الأول: البنت اللي محدش شايفها

اسمي سيليا راشيل، عندي 27 سنة. من وأنا صغيرة، وأنا دايمًا الهادية، اللي بترضى، اللي تقول “ماشي” حتى لو قلبي بيقول العكس. أهلي، ربنا يهديهم، عمرهم ما شافوني بجد… مش زي ما كانوا شايفين كارا أختي. كارا كانت دايمًا المفضلة من غير نقاش. شخصية صاخبة، درامية، ومدللة من وهي صغيرة. لو عايزة حاجة، بتاخدها فورًا، من غير سؤال ولا تعب. إنما أنا؟ كنت لازم أتعب عشان أي حاجة، وأوقات أترجّى، وأغلب الوقت بسيبها وخلاص. كان فيه قانون ساكت في البيت: طلبات كارا أهم من أي حد، خصوصًا أنا.

من كام شهر، جزء غبي شوية وجواه أمل جوايا قرر يجرب يك.سر الدائرة دي. كنت عايزة أعمل حاجة كبيرة تخليهم أخيرًا يقدّروني. كنت بوفّر بقالي سنين، باشتغل شيفتات زيادة، بسيب خروجاتي، وبحسب كل جنيه. فلوسي كبرت لحد ما بقت مبلغ محترم. بيه حجزت رحلة مفاجأة لينا كلنا على هاواي. دفعت كل حاجة: الطيران، الفندق الفخم، الرحلات، حتى فلوس الأكل والترفيه. وخبيت إني أنا اللي دافعة، يمكن الكرم ده يخليهم يشوفوني… يمكن بس مرة يبصوا لي ويشوفوا إني مش مجرد الأخت اللي في الضل. بس كنت غلطانة.

يوم السفر جه، وكارا طبعًا كانت أكتر واحدة متحمسة. كنا في المطار، زحمة وصوت ناس في كل حتة. وهي كالعادة بتأمرني كأني شغالة عندها. “يا سيليا، شيّلي الشنطة بتاعتي! إيدي وجعتني!” قالتها وهي حتى مش باصة لي، ولابسة نظارة شمس غالية. بصيتلها وابتسمت ابتسامة هادية مخبية جواها سنين من الغل. قلت بهدوء: “لا يا كارا، شيليها إنتي.” سكتت لحظة، وشالت النظارة وبصتلي باستغراب: “نعم؟!” قلت تاني بثبات: “لا.” وفجأة… إيديها اتحركت بسرعة، وقلم نزل على وشي صوتُه كان عالي وسط المطار. خدي ولع، والناس كلها بصت. وقفت مكاني مش مصدقة، وقلبي بيدق جامد.

أول حاجة فكرت فيها إن أهلي ييجوا يدافعوا عني… يسألوا حصل إيه. بس لأ. أمي قربت وقالت بضيق: “يا سيليا، بطّلي تعملي دراما… أختك تعبانة كفاية.” وأبويا قال: “إنتي دايمًا بتكبّري الموضوع… عديها وخلاص.” الدموع جت في عيني، بس مسحتها ومخلّتهاش تنزل. مش هنا… مش قدام الناس دي. في اللحظة دي، حاجة جوايا اتك.سرت… أو يمكن اتصلحت. فهمت إنهم عمرهم ما شافوني. كل اللي عملته، كل تعبي… ولا حاجة. أنا كنت بالنسبة لهم مش موجودة.

بس هم ما يعرفوش إني أنا اللي دافعة كل حاجة في الرحلة دي. وأنا خلاص… تعبت. تعبت أبقى اللي بيتداس عليها. تعبت أبقى البنت اللي محدش شايفها. الفصل التاني: الانتقام الهادي وقفت لحظة أراقبهم وهم بيطبطبوا على كارا. كانت بتمثل دور الضحية، شفايفها بتترعش وبتعيّط تمثيل، وبتبص للناس حواليها تشوف تعاطفهم. محدش اهتم إن وشي لسه بيوجعني… ولا إن أختي أهـ,ـانتني قدام الكل. رجعت خطوة لورا… وبعدين خطوة كمان. من غير ما أتكلم. مفيش داعي لكلام كبير. ردي هيكون هادي… بس قاسي.

مدّيت إيدي في الشنطة وطلعت الموبايل. إيدي كانت بتترعش… مش من خوف، لا… من غض,,ب متخزن بقاله سنين، بيتبني حتة حتة لحد ما انفـ,ـجر جوايا بصمت… فتحت الموبايل وأنا واقفة على جنب، وفتحت الإيميل اللي فيه حجز الرحلة. كل حاجة كانت باسمي… أنا اللي دافعة، وأنا اللي عاملة الحجز. من غير ما أبص عليهم حتى… ضغطت على زرار “إلغاء”. تذكرة… واتنين… وتلاتة… كلهم اتلغوا. وصلتلي رسالة تأكيد، وأنا واقفة وسط الزحمة… بس حاسة بسكون غريب.

رفعت عيني عليهم… لقيت أمي وأبويا لسه بيطبطبوا على كارا وكأنها ضحية. ضحكت لنفسي ضحكة خفيفة… وقلت في سري: “خلاص… خلصت.” سحبت شنطتي بهدوء، ولفيت وظهري ليهم، ومشيت ناحية البوابة. ولا حد فيهم خد باله… ولا حتى سأل أنا رايحة فين. بعد شوية… سمعت صوت عالي ورايا: “إزاي التذاكر اتلغت؟!!” كان صوت كارا وهي بتزعق في الموظف. وقفت لحظة… بس ما بصتش. الموظف رد بهدوء: “الحجز اتلغى من صاحب الحساب.” أمي بدأت تتوتر: “مين اللي لغى؟! إزاي يعني؟!”

وقتها بس… ابتدى القلق يظهر عليهم. وأبويا قال: “سيليا فين؟!” ساعتها فهموا. بس كان متأخر. أنا بقى… كنت واقفة عند البوابة، بقدّم الباسبور، وبسمع صوت النداء الأخير. الموظفة ابتسمتلي وقالت: “رحلة سعيدة.” وأنا بابتسم لأول مرة بجد… مش مجاملة. مشيت ناحية الطيارة… وقلبي خفيف بطريقة غريبة. مش عشان هسافر… لكن عشان أخيرًا… اخترت نفسي. الفصل التالت: البداية الجديدة وأنا قاعدة في الطيارة، بصيت من الشباك… والمدينة بتبعد واحدة واحدة. حسيت بحاجة جوايا بتتغير. مش زعل… ولا ندم…

راحة. راحة عمري ما حسّيتها قبل كده. يمكن عشان لأول مرة… ماحاولتش أرضي حد غير نفسي. أول ما الطيارة اتحركت، كان موبايلي على وضع الطيران… بس قبل ما أقفله، شفت سيل مكالم,,ات ورسائل منهم. كارا: “إنتي عملتي إيه؟! رجعي التذاكر فورًا!!” أمي: “سيليا، ده مش وقت هزار! الناس مستنية!” أبويا: “اتصرفي حالًا!” بصيت للرسائل… ومردتش. قفلت الموبايل بهدوء، وسندت راسي على الكرسي. أول مرة… ماحسّتش بالذنب. في المطار… (من بعيد) كارا كانت بتصرخ في الموظفين، وبتقول إن ده “غلط”

وأمي بتحاول تلم الموضوع قدام الناس وأبويا واقف تايه… مش فاهم إزاي ده حصل. بس الحقيقة كانت بسيطة جدًا: هم اتعودوا ياخدوا… وأنا اتعودت أدي. لحد ما بطلت. الفصل الخامس: الحقيقة اللي ظهرت بعد ما وصلت هاواي، فتحت موبايلي. لقيت رسائل كتير… بس المرة دي مختلفة. فيه نبرة خوف… مش أوامر. أمي: “إنتي بجد لغيتي كل حاجة؟!” أبويا: “إحنا مش عارفين نرجع حتى!” كارا… لأول مرة: “ليه عملتي كده؟!” بصيت للرسائل… وفكرت شوية… وبعدين رديت رسالة واحدة بس:

“عشان أخيرًا فهمت إني أستاهل أحسن من كده.” الفصل السادس: المواجهة بعد يومين، كلموني فيديو. وشهم كان مختلف… مش غرور… مش تحكم… فيه صدمة. أمي قالت بصوت واطي: “إحنا زعلناكي؟” سؤال بسيط… بس جه متأخر سنين. بصيت لهم، وقلت بهدوء: “مش مرة… طول عمري.” سكتوا. وأنا كملت: “أنا تعبت وأنا بحاول أرضيكم… وانتوا شايفين غيري.” كارا حاولت تتكلم… بس وقفتها بإيدي: “لأ… المرة دي أنا اللي هتكلم.” الفصل السابع: القرار قضيت الرحلة لوحدي… بس لأول مرة ماحسّتش إني لوحدي.

خرجت، فسحت، ضحكت… وعملت كل حاجة كنت دايمًا بأجلها. ولما رجعت… ما رجعتش لنفس الشخص. النهاية: أنا الأول بعد أسابيع… أهلي حاولوا يقربوا. بس المرة دي… كان فيه حدود. بقيت أقول “لأ”… من غير خوف. وبقيت أختار نفسي… من غير إحساس بالذنب. كارا؟ بقت تحاول تتغير… يمكن عشان لأول مرة، ما بقاش ليها السيطرة. وأنا؟ بقيت البنت اللي أخيرًا… شافِت نفسها. آخر جملة: “مش كل خسارة بتوجع… فيه خسارات بتفوقك… وتخليك تبدأ من جديد.” تمت.. بقلم مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى