
فريدة مشيت ورا سناء وهي حاسة إنها في حلم مش عايزة تصحى منه. سناء خدتها وخرجوا تاني للجنينة، بس المرة دي مشيوا في ممر جانبي ضيق ورا الشاليه، ممر فريدة نفسها مكنتش بتمشي فيه زمان لأنه كان مجرد مساحة مهملة ومليانة رطوبة ومواسير قديمة. لما وصلوا لآخر الممر، فريدة اتفاجئت بإن سناء هدت السور الطوب القديم اللي كان بيفصل الشاليه عن حتة أرض فضاء ومهجورة ورا البيت، وبنت مكان السور ده بوابة خشبية واسعة ومزخرفة بشكل مبهر. ورا البوابة دي، كانت الصدمة الكبيرة!
الأرض الفضاء الكبيرة دي، اللي كانت عبارة عن مقلب للقمامة وبقايا المباني، اتحولت لورشة عمل مفتوحة على أعلى مستوى، بس متقسمة بشكل منظم وجميل جداً. الجزء الأول منها كان عبارة عن مشتل ورد ونباتات نادرة تفوح منها روايح تجنن، والجزء الثاني كان عبارة عن ورشة نجارة ومصنع صغير متغطي بتندات خشبية لحماية العمال، وكان فيه حوالي عشر ستات وبنات من الأعمار الصغيرة، شغالين بحماس؛ اللي بتدهن خشب، واللي بتنسق ورد، واللي بتصنع فخار.
فريدة وقفت مكانها مش قادرة تنطق، وسناء بصت للأرض وقالت بصوت متهدج: «الأرض دي يا هانم كانت ملك للحكومة ومهجورة ومسببة أذى للحي كله، ولما المشروع بتاعي وبتاعك بدأ يكبر في الأوضة الجوانية، وبدأ يجيلي طلبات كتير، فكرت إن الستر اللي ربنا سترهوني لازم يوصل لغيري. سألت وعرفت إن الأرض دي معروضة للإيجار أو حق الانتفاع من الحي بقالها سنين ومحدش راضي ياخدها. رحت للمجلس وعملت عقد إيجار رسمي باسم شركتنا.. أيوه، أنا كتبت العقد باسمي وباسمك كشريكة بالنصف، ودفعت مقدم الإيجار من أرباح القطع الأولى اللي بعناها.»
سناء شاورت على البنات والستات اللي شغالين وكملت: «الستات دول كلهم زيي يا فريدة هانم. منهم الأرملة، ومنهم اللي جوزها سابها وعيالها رقبتها، ومنهم البنات اليتامى اللي ملقوش لقمة عيش. أنا جمعتهم وعلمتهم الصنعة اللي ربنا وهبهالي، وبقينا نشتري الكراكيب والخشب القديم من بيوت العجمي كلها ونعيد تدويرها هنا. المكان ده بقا اسمه “ورشة الدفا”.. وبقى بيأكل عيش لأكتر من عشر بيوت كانت ه تتخرب.»
واحدة من الستات الشغالين لمحت فريدة وسناء، سابت اللي في إيدها وقربت منهم وهي بتمسح إيدها في المريلة وبتقول بصوت كله فرحة: «أنتِ فريدة هانم صح؟ سناء متبطليش كلام عنك! ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا بنتي، المفتاح اللي سيبتيه للست سناء في المطار أحيا بيوتنا كلنا، إحنا كنا بنمــ,,ـــــوت من الجوع والبرد، ودلوقتي بقينا صنايعية وبناكل من عرق جبيننا وبكرامتنا.»
فريدة حست برعشة في جسمها كله، الأرقام والملايين والبورصة اللي كانت بتجري وراهم طول حياتها مكنوش يساووا لحظة واحدة من الدعوة اللي سمعتها من الست دي. بصت لسناء وللبنات اللي بيبتسموا لها بامتنان، وللأرض الواسعة اللي بقت تضج بالحياة والأمل.
سناء طلعت ملف أزرق كبير من شنطتها وقدمته لفريدة وقالت: «ده عقد الشراكة الرسمي، ودي الرخص القانونية للمشروع، وكل حاجة متسجلة بنسب متساوية عشان يرضي ربنا. أنا كنت مستنياكي ترجعي عشان أوريكي الأمانة وتستلمي شغلك ومكانك.. وعشان أقولك كمان إن المفاجأة الكبيرة لسه مخلصتش، لأن في جواب جه هنا من أسبوع من جهة رسمية كبيرة في القاهرة، والجواب ده هو اللي هيحدد مصير المكان ده ومصيرنا كلنا، ومكنش ينفع أفتحه من غيرك!»
فريدة حطت إيدها على قلبها، والتوتر رجع يسيطر عليها تاني بعد ما كانت غرقانة في مشاعر الفرحة والذهول. بصت للجواب الرسمي اللي سناء كانت ماسكاه، وكان عليه ختم بارز لوزارة التضامن الاجتماعي وهيئة التنمية الصناعية. أخدت فريدة الجواب وبدأت تفتحه بصوابع بترتعش، وعينيها بتتحرك بسرعة بين السطور، وسناء واقفة جنبها حابسة أنفاسها، والستات في الورشة سابوا الأدوات من إيديهم وبقوا يتابعوا الموقف من بعيد بقلق وخوف؛ لأن الجواب ده ببساطة ممكن يكون قرار إزالة للورشة، أو غرامة تهد كل اللي بنوه في الست شهور اللي فاتوا.
فريدة قرت الجواب مرة واتنين، وفجأة ملامح وشها الصارمة والجادة اختفت تماما، وحلت مكانها ابتسامة عريضة وعينيها لمعت بالدموع. بصت لسناء وقالت بصوت متهدج من التأثر: «سناء.. أنتِ مش عارفة الجواب ده فيه إيه؟»
سناء سألتها بلهفة وخوف: «خير يا فندم؟ طمنيني استرها معانا يارب.. هل هيقفلوا المكان؟»
فريدة هزت راسها بالنفي وقالت: «يقفلوه؟ ده الجواب ده دعوة رسمية من الوزارة للمشاركة في معرض “ديارنا” للحرف اليدوية والتراثية اللي هيتعمل في القاهرة الشهر الجاي! مش بس كده.. الجواب مكتوب فيه إن الهيئة شافت تقرير عن الورشة هنا وصنفوها كـ “نموذج رائد للمشروعات المتناهية الصغر في تمكين المرأة”، وإنهم عارضين علينا تمويل وقرض حسن بدون فوائد عشان نتوسع ونفتح فروع تانية في المحافظات!»
الصالة والورشة فجأة اتقلبوا لساحة من الفرحة. الستات بره بدأوا يزغردوا، وسناء قعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط من الفرحة ومش مصدقة إن حلمها الصغير اللي بدأ من كراكيب شاليه مهجور، وصل لصوت المسؤولين في الدولة، وبقى مشروع رسمي معترف بيه وهيتم تكريمه.
فريدة قعدت جنب سناء، ومسكت إيدها بتلقائية وإنسانية عمرها ما عملتها مع أعتى رجال الأعمال في صفقاتها. وقالتلها: «أنا طول عمري بشتري أسهم في البورصة، وبعمل صفقات بملايين، وبكسب وأخسر.. بس دي أول مرة في حياتي أحس بطعم المكسب الحقيقي. المكسب اللي بيغير حياة البني آدمين. سناء.. أنتِ قلتيلي إنك جهزتي نفسك عشان تمشي وتأجري شقة تانية بره الشاليه.. الكلام ده إنسيه تماماً.
الشاليه ده من النهاردة مش بيتي لوحدي، الشاليه ده هيبقى المقر الرئيسي لـ “مؤسسة الدفا للأعمال اليدوية”، وأنتِ وبنتك مكانكم هنا، والنسبة اللي في العقود دي أنا مش هاخد منها مليم، دي كلها هترجع تاني لتطوير الورشة وزيادة أجور الستات اللي شغالين.» سناء بصت لفريدة بامتنان وقالت: «ربنا يكرمك يا هانم، بس الشغل اللي جاي كبير قوي، ومعرض القاهرة محتاج تجهيزات وقطع ديكور متميزة جداً وبأعداد ضخمة في وقت قصير، وإحنا إمكانياتنا اليدوية هنا مش هتلاحق على المعرض ده لوحدنا، والوقت بيجري بجد!»
فريدة وقفت بكل حماسها القديم كسيدة أعمال، بس بروح جديدة تماماً، وقالت: «ومين قال إننا هنشتغل لوحدنا؟ أنا هسخر كل علاقاتي وشركاتي اللوجستية عشان نجهز للمعرض ده. هجيب خامات، وهنظم خطوط الإنتاج، وهنشرف أنا وأنتِ على كل قطعة تطلع من هنا عشان تليق باسمنا. إحنا قدامنا تحدي كبير قوي يا سناء، ولازم نثبت إن “مفتاح الصدفة” ده هيفتح أبواب الرزق لمئات البيوت مش بس لعشرة.»
وبالفعل، اتحول الشاليه والورشة لخلايا نحل مابتنامش. فريدة ألغت نص اجتماعاتها في القاهرة، وبقت تقضي معظم أيام الأسبوع في العجمي، تتابع الورشة، وتتناقش مع سناء في التصاميم الهندسية، وتتعلم من الستات تفاصيل الصنعة. وبدأوا يجهزوا لقطع فنية وتصاميم أثاث غير مسبوقة، مدموج فيها الخشب القديم مع النحاس المودرن. وقبل المعرض بأسبوع واحد، وفي عز ضغط الشغل والتحضيرات، وصلت عربية سوداء فخمة جداً ووقفت قدام باب الشاليه، ونزل منها شخص فريدة مكنتش تتوقع أبداً إنه يعرف المكان ده، أو إنه يجي هنا بالذات، وشايل في إيده ملف وهيفتح قصة تانية خالص مكنتش في الحسبان!
الشخص اللي نزل من العربية الفخمة كان «خالد الدمنهوري»، واحد من أكبر المطورين العقاريين في مصر، ورئيس مجلس إدارة الشركة اللي فريدة كانت بتنافسها بقالها سنين في القاهرة. فريدة وقفت مكانها، ونظرة سيدة الأعمال الحذرة رجعت لعينيها تاني. سناء والستات حسوا بالتوتر اللي ملى المكان فجأة، فانسحبوا خطوتين لورا وسابوا فريدة تواجه الضيف غير المتوقع. خالد قرب بخطوات واثقة، والابتسامة مش مفارقة وشه، وبص حواليه على الورشة والورد والشاليه المتجدد، وبعدين بص لفريدة وقال:
«أهلاً يا فريدة هانم. عاش من شافك! بقالك شهور مختفية من السوق وبورصة العقارات في القاهرة، والكل بيدور عليكي وبيقول إنك سيبتي البيزنس الكبير وقعدتي هنا في العجمي.. بصراحة لما جيت وشفت بنفسي، عذرتك.» فريدة ربّعت إيدها وقالت بنبرة جادة: «أهلاً يا خالد بيه. أظن مش متعودين نشوفك بره مكتبك في التجمع، وإسكندرية منورة بيك. بس إيه اللي جابك لورشة بسيطة زي دي؟ ومين اللي دلك على مكاني؟» خالد ضحك ورفع الملف اللي في إيده وقال:


