
«السوق مب يخبيش حاجة يا فريدة. والجواب اللي جالك من وزارة التضامن عشان معرض “ديارنا” مر على مكتبي الأول بحكم إني راعي رسمي للمعرض السنة دي. أنا جيت هنا مش بصفتي منافس ليكي في المقاولات، أنا جيت بصفتي مستثمر شاف فكرة عبقرية ووراءها عقل هندسي محترم وعقل إداري ملوش مثيل اللي هو عَقلك.» خالد فتح الملف وقدمه لفريدة وكمل كلامه:
«أنا بقالي سنتين ببني في الكومباوند الجديد بتاعي في الساحل الشمالي، وعندي أكتر من 500 وحدة وفيلًا محتاجين فرش وديكورات “أنتيك” وتصاميم مميزة وليها طابع مصري أصيل. لما شفت صور الشغل اللي سناء بتنزله على صفحتها، وشفت النماذج اللي جهزتوها للمعرض، عرفت إن هو ده اللي بدور عليه. أنا عارض عليكي شراكة كاملة.. مصانع الدمنهوري هتتولى تمويل الورشة دي بالكامل، وهنحولها لمصنع ضخم لـ “إعادة التدوير الفاخر”، وفي المقابل، ورشة الدفا هتبقى هي المسؤول الحصري عن تصميم وفرش كل المشروعات السياحية لشركتي في الخمس سنين الجايين.»
فريدة بصت للعقد، وبصت لسناء اللي عينيها كانت بتلمع برعب وفرحة في نفس الوقت. الصفقة دي معناها ملايين، ومعناها إن الستات دول مش بس حياتهم هتتأمن، دول هيبقوا أصحاب مصنع حقيقي وناجح. بس فريدة، بخبرتها القديمة، قرت بند صغير في آخر العقد، البند ده كان بيقول إن شركة الدمنهوري ليها الحق في إدارة وتوجيه التصاميم واختيار العمالة بناءً على خطة الإنتاج. فريدة قفلت الملف ببطء، وبصت لخالد وقالت بقوة:
«العرض مغري جداً يا خالد بيه.. بس أنا عندي شرط مش هتنازل عنه. الورشة دي مبدأتش عشان تكون ترس في مكنة مصانعك. الورشة دي قايمة على ستات وبنات محتاجين الستر والفرصة، وسناء هي العقل الفني الوحيد اللي يملك حق إدارة المكان ده. لو الشراكة هتحول المكان لبيزنس جاف يطرد الضعيف عشان يجيب صنايعي محترف وجاهز، يبقى العقد ده ملوش مكان عندي.» خالد اتمشى خطوتين، وبص للستات اللي شغالين في الفخار والنحاس، وشاف الشغف والحب اللي بيشتغلوا بيه، والتفاصيل اللي طالعة من إيديهم بكل إتقان. لف لفريدة وقال بنبرة فيها احترام حقيقي:
«أنا موافق يا فريدة. البند ده هيتعدل، والإدارة الفنية والعمالة هتفضل بالكامل تحت إشرافكم، وإحنا لينا الإنتاج والتسويق بس. أنا داخل معاكم عشان الروح اللي في المكان ده، والروح دي هي اللي هتنجّح البيزنس.» سناء مكنتش قادرة تمسك نفسها، ودموعها نزلت وهي بتشكر ربنا. فريدة مدت إيدها وسلمت على خالد وقالت: «اتفقنا يا خالد بيه. نتقابل في معرض القاهرة الأسبوع الجاي، وهناك هنمضي العقد قدام الوزارة والجمهور كله.»
مر الأسبوع زي البرق، وجيه يوم افتتاح المعرض في القاهرة. صالة “ورشة الدفا” كانت أكبر وأجمل صالة في المعرض كله. القطع المعروضة كانت بتخطف العين؛ كراسي خشبية قديمة اتحولت لقطع فنية مودرن، نجف مصنوع من النحاس المعاد تدويره بيعكس إضاءة دافية وساحرة، وفازات فخارية مرسومة بدقة. المعرض اتفتح، والناس بدأت تدخل وتتزاحم على جناحهم بشكل غير مسبوق، وشخصيات عامة ووزراء وقفوا مذهولين قدام قصة الشاليه ومفتاح الصدفة. الصحافة والقنوات التليفزيونية حاصرت فريدة وسناء عشان ياخدوا معاهم لقاءات.
وفي عز الزحمة دي والفرحة اللي مكنتش سايعة حد، فريدة لفت وشها ناحية مدخل القاعة، ولمحت راجل عجوز، ساند على عصاية، ولابس هدوم بسيطة جداً بس ملامحه مألوفة قوي لفريدة.. الراجل ده كان بيبص للوحات وبيرتعش، وفجأة قرب من سناء ونادها باسمها القديم اللي محدش يعرفه هنا! فريدة وسناء اتسمروا في مكانهم، واللحظة دي كانت هي الخيط الأخير اللي هيقلب كل حاجة في اللحظات الجاية! الراجل العجوز قرب بخطوات تقيلة، وكل خطوة كان بيمشيها كأنها بتشيل هم سنين طويلة. عينه مكنتش على المعرض ولا على التحف، عينه كانت مركزة على سناء وبنتها الصغيرة.
سناء أول ما سمعت الصوت، لفت وبصت له، والملف اللي كان في إيدها وقع على الأرض، والورق اتنطور في كل حتة. وشها بقى أبيض زي الورقة، وشفايفها بدأت تترعش وهي مش مصدقة عينيها: «عم مصطفى؟! مش ممكن.. أنت عايش؟!»
الراجل العجوز دمعته نزلت على خده المجعد، وسند على عصايته جامد وقال بصوت مبحوح: «عايش يا بنتي.. عايش بعد ما الدنيا دارت بيا، وبعد ما قعدت شهور في المستشفى بين الحيا والمــ,,ـــــوت بعد الدــ,,ـــــادثة الهدامة اللي حصلت لورشة جوزك الله يرحمه.
لما فقت وملقتكيش في الشقة القديمة، وافتكرت إن الدنيا بلعتكم، فضلت أدور عليكي في كل مكان، لحد ما شفت صورتك وصورة البنت في التلفزيون امبارح بيتكلموا عن معرض القاهرة.» فريدة قربت بسرعة، وعلامات الاستفهام مالية وشها: «سناء، مين ده؟ وفين المفاجأة؟» سناء مسكت إيد الراجل العجوز وهي بتعيط بحــ,,ـــــرقة وقالت لفريدة: «ده عم مصطفى يا هانم.. ده مكنش مجرد عامل في ورشة جوزك، ده كان الشريك المستتر والأسطى الكبير اللي علم جوزي الصنعة كلها. عم مصطفى هو اللي كان معاه الأسرار والخرائط القديمة والتصاميم النادرة لقطع الأثاث الملكي اللي جوزي كان شغال عليها قبل ما يمــ,,ـــــوت والورشة تتحــ,,ـــــرق!»
عم مصطفى ابتسم وثبت نظارته القديمة، وطلع من جيب جلبابه البسيط لفة ورق قديمة ومتهالكة بس متسستمة بعناية، وقدمها لفريدة وسناء وهو بيقول: «الورق ده فيه تصاميم “الأنتيكات السيادية” اللي كنا بنعملها لقصور قديمة زمان، وتوليفة خلطات دهان الخشب اللي بتمنع الرطوبة وبتعيش مئات السنين ومحدش في مصر كلها يعرف سرها غيري. أنا جيت عشان أديكوا الكنز ده.. وجيت عشان أقولكم إن ورشة جوزك القديمة في الإسكندرية، الأرض بتاعتها لسه مسجلة باسمك يا سناء، والمحضر بتاع الحــ,,ـــــريق ثبت إنه كان قضاء وقدر، يعني تقدري تفتحيها تاني وتكبري اسم جوزك من جديد.»
فريدة حست إن دايرة القدر اكتملت بشكل إعجازي. البداية كانت مجرد لحظة عطف وكسرة قلب على ست وبنتها في مطار القاهرة، والنهيرة بقت إمبراطورية كاملة بتتولد! في نفس اللحظة، جيه خالد الدمنهوري وهو شايل القلم الفخم بتاعه، ومعه وفد من وزارة التضامن والمسؤولين. خالد قال بحماس: «يلا يا فريدة هانم، يلا يا بشمهندسة سناء، الكاميرات جاهزة والوزيرة مستنية عشان نمضي عقد الشراكة الأكبر في تاريخ إعادة التدوير والديكور، والكل عايز يسمع قصة النجاح دي.»
فريدة بصت لسناء، وسناء بصت لعم مصطفى وللبنات والستات اللي واقفين وراهم وعينيهم مليانة فخر وأمل في بكرة. فريدة مسكت القلم، وبصت للكاميرات وللناس وقالت بصوت قوي وثابت هز القاعة كلها: «المشروع ده مش قصة نجاح بزنس، ده قصة ستر. وإحنا بنمضي العقد ده النهاردة، بنعلن إن ورشة الدفا مش بس هتوفر فرش لـ 500 فيلا، إحنا هنفتح فرعنا التاني في ورشة سناء القديمة، وعم مصطفى هيكون هو كبير الخبراء والمشرف الفني لينا. الدنيا ساعات بتقفل أبوابها في وشنا عشان تفتح لنا باب واحد، بس الباب ده بيكون وراه حياة كاملة لو بس امتلكنا الشجاعة والرحمة إننا نفتح قفله.»
مضت فريدة، ومضت سناء، وانطلقت الزغاريد والتصفيق في كل مكان بالمعرض، والفلاشات نورت وشوشهم اللي تعبت وشافت الشقا، بس حصدت في الآخر دفا الأمان والنجاح. فريدة حطت إيدها في جيبها، ولمست ميدالية المفاتيح القديمة اللي بدأت منها كل حاجة، وابتسمت وهي عارفة إن ده كان أعظم وأغلى استثمار عملته في حياتها كلها.




