منوعات

ذره شك

الكلمة دي كسرت آخر ذرة شك كانت جوايا. “جدو؟” قالها بصوت طفل لسه صاحي من نوم متقطع، طفل كان المفروض يكون في سريره الدافي في بيت عيلته، مش نايم على صدر أمه في مطار وسط الغرباء. مديت إيدي ولمست شعره الصغير، فابتسم ابتسامة ضعيفة أول ما حس بوجودي. — جدو… بابا رجع؟ السؤال وقف الدنيا حواليا للحظة. ماعرفتش أرد. إزاي أقول لطفل عنده أربع سنين إن أبوه مش راجع؟ إزاي أشرح له إن آخر شخص كان بيحميه اختفى، وإن في ناس بدل ما تحتويه قررت تكسره؟

بصيت ناحية لينا، لقيتها بتبصلي وهي بتحاول تمنع دموعها. كانت مش بتطلب فلوس ولا مكان تعيش فيه. كانت بتطلب حاجة واحدة بس… الأمان. قومت وأنا شايل مايلز بين إيديا، لأول مرة من يوم وفاة كالب أحس إن حفيدي رجع لحضني. لف إيده الصغيرة حوالين رقبتي وقال: — جدو أنا زعلان… هما قالوا إننا مش هنرجع البيت تاني. الكلمة الأخيرة خرجت منه ببراءة طفل، لكنها نزلت عليا زي الطعنة. البيت… البيت اللي ابني اختار يعيش فيه مع مراته وابنه.

البيت اللي كنت فاكره حصن لعيلتي. طلع أسهل مكان يتاخد منهم. بصيت للينا وقلت بهدوء: — قومي يا لينا. رفعت عينيها باستغراب. — على فين؟ رديت وأنا ماسك حفيدي: — على البيت. اتوترت وقالت بسرعة: — لا… مينفعش يا أستاذ أدهم. هي هتمنعنا تاني. قربت منها وقلت بصوت ثابت: — اللي خرجك من بيتي ماكانش له الحق يعمل كده. سكت لحظة وبصيت في عينيها. — واسم الهوثورن عمره ما كان باب بيتقفل في وش أم وحفيدها.

ركبت العربية وأنا ساكت، لكن جوايا كان في بركان بيغلي. طول الطريق ماكنتش بفكر غير في سؤال واحد… ليه فيفيان عملت كده؟ أختي كانت عارفة قيمة العيلة أكتر من أي حد. كانت عارفة إن كالب كان بيحب لينا، وإن مايلز هو آخر حاجة باقية من ابني. فليه اختارت تطردهم بعد موته بأسابيع؟ وصلنا البيت الكبير في آخر النهار. بوابة الحديد اتفتحت ببطء، نفس البوابة اللي دخل منها كالب يوم فرحه وهو بيضحك، ونفس المكان اللي شفت فيه حفيدي بيجري لأول مرة.

لكن النهارده كان مختلف. كان فيه حراسة زيادة. واضح إن حد كان مستعد لأي مواجهة. أول ما العربية وقفت، نزلت لينا وهي ماسكة إيد مايلز. وقبل ما نوصل للباب الرئيسي، خرجت فيفيان. كانت واقفة بكامل هدوئها، لابسة ملابس أنيقة، وكأنها مش السبب في تشريد أم وطفل. ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: — أدهم… كنت عارفة إنك هتلاقيهم. نظرت لها وأنا مش مصدق برودها. — كنتي عارفة؟ رفعت كتفها بكل ثقة. — طبعاً. عارفة إنك مش هتسيب حفيدك.

قربت خطوة منها وقلت: — ولا كنتي عارفة إنك غلطانة؟ اختفت ابتسامتها للحظة. — أنا عملت اللي لازم يتعمل. نظرت إلى لينا باحتقار. — دي مش من العيلة يا أدهم. سكت المكان كله. حتى الحراس بقوا باصين للأرض. لكن قبل ما أرد عليها، حصل شيء خلاني أعرف إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي… لأن من داخل البيت خرج شخص لم أتوقع أبداً أن أراه واقفاً بجانب فيفيان… وكان يحمل في يده ملفاً سيغير كل شيء.

خرج الشخص من داخل البيت بخطوات هادية، والملف الأسود في إيده، ولما شوفته حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي. كان “رامي”… محامي العيلة اللي كان ماسك معظم القض\ايا المهمة لشركة الهوثورن. الراجل اللي وثقت فيه سنين. وقف جنب فيفيان وقال بهدوء: — أستاذ أدهم… قبل ما تاخد أي قرار، لازم تسمع الحقيقة كاملة. بصيت له وأنا حاسس إن في حاجة غلط. — الحقيقة؟ ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة. — الحقيقة إن أرملة ابني وحفيدي اتطردوا من بيتهم؟ دي الحقيقة اللي شوفتها بعيني.

فتح رامي الملف ومده قدامي. — أنا فاهم غضبك، لكن في مستندات لازم تشوفها. ماخدتش الملف. قلت له: — أي ورق تقدر تكتبه يا رامي… لكن اللي حصل النهارده مش محتاج ورق عشان يثبت إنه ظلم. فيفيان دخلت في الكلام بسرعة: — أدهم، أنت شايف الموضوع من ناحية واحدة بس. أنا كنت بحاول أحمي العيلة. لفيت لها. — تحمي العيلة بأنك ترمي مرات ابني في الشارع؟ ردت ببرود: — أنا كنت بحمي اسم العيلة من فضيحة.

الجملة دي خلت لينا تبص لها بخوف. أما أنا فثبت عيني عليها. — فضيحة إيه؟ سكتت. ولأول مرة من يوم ما بدأت المواجهة، ظهر التردد على وشها. رامي تدخل وقال: — كالب قبل وفاته كان عنده مشاكل مالية. بصيت له باستغراب. — كالب؟ ابني اللي كان معروف عنه إنه عمره ما مد إيده على حاجة مش بتاعته؟ كمل رامي: — فيه تحويلات مالية خرجت من حساباته قبل الحادث بأيام. ضحكت من الصدمة.

— وأنتوا بدل ما تسألوا وتحققوا… قررتوا تعاقبوا مراته وابنه؟ لينا هزت رأسها بسرعة. — ده مش حقيقي يا أستاذ أدهم. قربت منها. — قوليلي كل اللي تعرفيه يا لينا. بصت لفيفيان لحظة، وكأنها خايفة. قلت لها بهدوء: — محدش هيقدر يأذيكي وإنتِ بتتكلمي. أخدت نفس طويل وقالت: — قبل وفاة كالب بأسبوعين، اكتشف حاجة في الشركة. سكتت. — حاجة كانت تخص حد قريب منه. الهواء تقيل فجأة. سألتها: — مين؟

نزلت عينيها على الأرض وقالت: — ماعرفتش مين بالظبط… لكن كالب كان بيقول إن فيه حد من العيلة بيحاول يسرق الشركة من جوا. اتسعت عيني. بصيت ناحية فيفيان. لكنها ما اتحركتش. ولا حتى اتفاجئت. وده كان أغرب شيء. قلت: — كملي. قالت لينا: — يوم قبل موته، كالب قالي لو حصل له حاجة… ما أثقش في أي حد يقول إنه بيحمي العيلة. الكلمات دخلت جوايا زي السكين. لأن كالب ماكانش من النوع اللي يخاف بسهولة.

لو قال جملة زي دي… يبقى كان شاف حاجة خطيرة. بصيت لرامي. — أنت كنت عارف؟ اتوتر. — عارف إيه؟ قربت منه. — إن كالب كان بيحقق في حاجة. سكت. والسكوت كان إجابة كفاية. في اللحظة دي، سمعت صوت موبايل يرن من داخل جيب رامي. طلع الموبايل وبص للشاشة. لكن قبل ما يقفل المكالمة، لمحت الاسم. اسم الشخص اللي كان بيتصل به. ولأول مرة فهمت إن الخيانة مش بس كانت جوه العيلة…

الخيانة كانت أقرب مما تخيلت. لأن الاسم اللي ظهر على الشاشة كان اسم الشخص اللي كنت بثق فيه أكثر من أي حد… نكمل الجزء الثالث: ثبت عيني على شاشة الموبايل قبل ما رامي يلحق يقفلها. الاسم كان واضح قدامي… “كالب الهوثورن” اتجمدت في مكاني. ابني مات من أسابيع. إزاي موبايله بيتصل برامي دلوقتي؟ بصيت لرامي وقلت بصوت هادي لكنه مليان غضب: — تليفون كالب معاك ليه؟ اتغير لون وشه. لأول مرة أشوفه مش لاقي رد جاهز.

فيفيان اتحركت بسرعة وقالت: — أدهم، الموضوع مش زي ما أنت فاهم. لفيت لها ببطء. — الغريب إن كل مرة حد يقول الجملة دي بيطلع فيه مصيبة أكبر. مديت إيدي لرامي. — هات الموبايل. تردد. قلت بصوت أقوى: — هات الموبايل يا رامي. بص لفيفيان. النظرة اللي بينهم قالت كل حاجة قبل ما أي حد يتكلم. كان فيه اتفاق بينهم. حاجة مخبيينها عني. في النهاية طلع رامي الموبايل ومدهولي. فتحت سجل المكالمات.

آخر اتصال كان من رقم كالب. لكن قبل ما أستوعب، لقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل وفاة ابني بيوم واحد. ضغطت عليها. وصوت كالب خرج من السماعة. — بابا… لو سمعت الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أوصل لك في الوقت المناسب. قلبي وقف. مايلز كان واقف جنب لينا، مش فاهم حاجة، لكن حس بالخوف في صوتي. كمل صوت كالب: — أنا اكتشفت إن فيه حد بيحاول يوقع الشركة… حد قريب مننا. متثقش في أي حد يقولك إنه بيحمي اسم العيلة.

سكت لحظة. وبعدين قال: — أهم حاجة… خلي بالك من لينا ومايلز. هما الهدف الحقيقي. انتهت الرسالة. ولا صوت طلع مني. كنت واقف وسط بيتي، لكن لأول مرة حسيت إني غريب فيه. بصيت لفيفيان.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى