
الأسانسير القادم من الدور الأرضي كان بيصدر صوت صفير منتظم، وفي اللحظة اللي دخل فيها العامل الأخير وشايل معاه آخر أبجورة كريسيل كانت معلقة في الصالة، اتفرض على المكان سكوت يقطع النفس. الشقة اللي كانت من ساعات بتبرق بالأناقة والدفء، اتحولت في ثواني لخرابة واسعة. جدران عريانة من اللوحات، آثام مسامير بارزة في كل حتة، وأرضية الباركيه مرايا فاضية بتعكس وجوه أربعة واقفين في دهشة شلت حركتهم.
سعاد كانت واقفة بروبها الستان الكحلي، إيدها بتمسك في أكرة الباب كأنها خايفة تقع، وشها اتخطف منه كل لون الدم، والغرور اللي كان مالي عينها إمبارح اتمسح وحل محله ذهول أرعن. أحمد، ابنها، كان واقف بالترينج، إيديه في جيوبه، بيهز دماغه بقلة حيلة وكأنه مش مستوعب إن مراته -الست الهادية اللي كانت بتستحمل نغزاته وبخله تحت مسمى “المشاركة”- قدرت تعمل كل ده في ليلة واحدة. ووراهم إسلام وميار.. إسلام بيبص حوليه بزهول، وميار حاطة إيدها على بطنها المنتفخة وبتبص لمريم بنظرات مليانة خوف ورعب من اللي جاي.
مريم كانت واقفة عند عتبة الباب، لابسة نظارتها الشمسية السودا رغم إن الشمس يادوب بتبدأ تشرق من شباك الصالة الفاضي. بصلتهم واحد واحد، وفي عينيها هدوء يخوف.. الهدوء اللي بيجي بعد العاصفة لما الميه تصفى وترسى. نزلت النظارة شوية على مناخيرها، وبصت في عين سعاد مباشرة وقالت بصوت واطي بس يرن في كل أركان الشقة العريانة:
“أنا كده نفذت الأوامر يا طنط.. خرجت. بس عشان نكون على نور، الشقة دي إيجارها 185 ألف جنيه في الشهر، والعقد باسمي أنا بس. العقد بيخلص كمان أسبوعين.. لو حابين تجددوا وتفضلوا قاعدين هنا عشان ‘الطفل اللي من دمكم ولحمكم’ يتربى في الزمالك، الإيجار ينزل في حساب صاحب العمارة يوم واحد في الشهر. غير كده.. المحامي بتاعي هيسلمكم إخطار الإخلاء يوم الأحد الصبح.” سعاد شفتها اتهزت، وحاولت تسترجع نبرة التحكم والتكبر اللي متعودة تداري بيها ضعفها، فزعقت وصوتها طلع مبشوح:
“إنتي بتخرفي بتقولي إيه يا بت إنتي؟! إيجار إيه 185 ألف؟! أحمد هو اللي بيدفع كل حاجة هنا! أحمد هو صاحب البيت!” مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كمية وجع وسخرية تكفي عيلة كاملة، وبصت لأحمد: “قولها يا أحمد.. قول لأمك مين اللي كان بيدفع الإيجار كل يوم 25 في الشهر من حسابه في بنك مصر. قولها مين اللي كان بيكتب شيكات التأمين، ومين اللي اترجاك ما تقولش عشان ‘كرامتك ورجولتك’ قدام عيلتك.”
سعاد لفت لأحمد بسرعة المرعوب، مسكت في دراعه وهزته بقوة: “أحمد! رد عليها! قولها إنها كدابة! قولها إنك إنت اللي بتصرف على البيت ده من خيرك!” أحمد نزل عينه في الأرض، وما قدرش يرفع عينيه في عين أمه ولا في عين مريم. شفايفه كانت بترتعش وهو بيمتم بصوت طالع بالعافية: “يا أمي.. أصل.. أصل الظروف كانت ضيقة شوية و…” “ضيقة؟!” سعاد صرخت والدموية بدأت ترجع لوشها بس بشكل هستيري. “يعني إيه ضيقة؟! يعني الشقة دي مش ملكك؟ يعني إيجارها المبلغ ده كُله؟! يعني إحنا قاعدين في ملكها هي؟!”
مريم رفعت نظارتها تاني، وسحبت شنطتها الجلد السودا على كتفها وقالت بكل برود: “كنتم قاعدين في خيري يا طنط.. الخير اللي كنتم بتسموه ‘قلة أصل’ و’عقم’. أستأذنكم بقى، عشان نبطشيتي في المستشفى كمان ساعة، ومش فاضية لدراما الصبح.” ولفت ظهرها، ومشت بخطوات ثابته وواثقة ناحية الأسانسير، وسبت وراها جبل من الثلج بيسيح فوق رؤوسهم. على مدار الأيام الخمسة اللي جُم بعد اليوم ده، الشقة تحولت لساحة حرب نفسية.
سعاد، أحمد، إسلام، وميار كانوا عايشين في البلاط. ما فيش غير أربع كراسي بلاستيك جابهم إسلام من القهوة اللي تحت البيت، ومرتبة رياضية قديمة تسلفوها من الجيران عشان ميار تنام عليها في آخر شهر من حملها. البيت اللي كان مالي الدنيا هيصة وفشخرة، بقى عبارة عن صدى صوت للزعاق والخناق. “إنت مش راجل?!” سعاد كانت بتصرخ في أحمد وهي قاعدة على كرسى البلاستيك، رابطة راسها بطرحة من كتر الصداع. “تسيب مراتك تكسر كلمتي وتعرّينا بالشكل ده؟! تطلعنا قدام البواب والعمارة شحاتين؟! تجرجرنا في الشوارع وإحنا عيلة الكيلاني?!”
أحمد كان قاعد على الأرض، ساند ظهره على الحيطة العريانة، وشكله بقى بهتان وعينيه غاطسة من كتر قلة النوم: “أعمل إيه يا أمي؟! إنتي اللي استعجلتي وطردتيها! أنا قلتلك بلاش.. قلتلك مريم هي اللي شايلة البيت كُله! إنتي فاكرة مرتب دكتور في جامعة الميرغني بيعمل إيه في الزمن ده؟! إنتي فاكرة السفرة والصالون اللي كنتي بتتفاخري بيهم قدام صاحباتك جُم منين؟! جُم من نبطشيات مريم في المستشفيات الخاصة!” إسلام اتدخل بصوت عالي وهو متوتر:
“يعني إيه يا بابا؟! يعني أنا وميار هنروح فين؟! ميار فاضلها أيام وتولد! ينفع ابنك تولد في شقة عريانة كدة؟! الناس في العيلة هيقولوا علينا إيه لما يعرفوا إننا مش عارفين ندفع الإيجار?!” ميار قعدت تعيط بحرقة، وهي حاطة إيدها على بطنها المكبوسة: “أنا قلتلكم من الأول يا طنط سعاد بلاش.. طنط مريم عمرها ما أذت حد، كانت بتعاملني زي أختها الصغيرة، وإنتوا اللي قسيتم عليها! دلوقتي أنا هولد فين؟! في الشارع?!”
سعاد قامت وقفت بالعافية، وعينها بتملاها شرارة انتقام: “لا يا حبيبتي.. مش هنولد في الشارع! أحمد هيروح لها.. هيروح لها ويترجاها وترجع زي الكلبة، وتدفع الإيجار ورجلها فوق رقبتها! هي ملهاش حد غيرنا، دي ست عاقر ومش هتلاقي راجل يرضى بيها بعد أحمد!” في نفس الوقت، في شقة الدقي الهادية، كانت مريم قاعدة مع أختها نهى وشاهيناز المحامية.
الشقة كانت دافية، ريحة القهوة بالحبهان مالية المكان، ومريم كانت قاعدة على الكنبة، لافة نفسها ببطانية خفيفة، قدامها أوراق وقضايا ومستندات. ما كانش في وشها نقطة ندم ولا ضعف.. بالعكس، كان في تحول غريب في ملاقح وشها، كأن السنين اللي ضاعت من عمرها كانت غشاوة وانزاحت. شاهيناز سحبت ملف أزرق من شنطتها وحطته على الترابيزة: “بصي يا مريم.. العقد هيخلص رسمي يوم 31 الشركاتي. صاحب العمارة، حاج متولي، كلمني بنفسه. هو راجل طيب وبيحترمك جداً عشان عارف إنك دكتورة محترمة، وقال إنه مش عايز مشاكل.. لو مش هتيجي تجددي، هو بنفسه هيطلب الشرطة عشان يخليهم يخلوا الشقة.”
نهى أختها بصلتها بابتسامة: “والتحويشة اللي كانت مع أحمد يا مريم؟ الشيكات المؤجلة اللي كان كاتبها لكي لما استلف منك فلوس العيادة بتاعته؟” مريم سحبت فنجان القهوة، وخدت منه بق، وقالت بصوت هادي ومترتب: “كل إيميل، كل إيصال أمانة، كل تحويل بنكي بيثبت إنه استلف مني مليون و200 ألف جنيه عشان يفتح عيادته في التجمع، شاهيناز جهزت بيه رفع دعوى قضائية. أنا ما ظلمتوش.. أنا اديته الملايين دي وهو شايفني ‘زوجة مضحية’، بس لما قرر يبيعني عشان يرضي غرور أمه، لازم يدفع التمن بالقرش.”
شاهيناز ضحكت: “والأحلى من كدة بقى.. إن إحنا رفعنا دعوى تمكين ودعوى استرداد أموال، وفي نفس الوقت بعتنا إنذار رسمي للجامعة اللي هو بيدي فيها محاضرات، بنخطرهم إن فيه قضايا خيانة أمانة مرفوعة عليه. الجامعة دي بالذات بتخاف على سمعتها جداً يا مريم.” مريم بصلت لشباك الصالة اللي بيبص على الشارع، وقالت في سرها: *”اللي بيفتكر إن السكوت ضعف.. بيبقى عبيط لما يستوعب إن السكوت ده كان مجرد استراحة محارب.”*
في يوم الجمعة الصبح، القنبلة انفجرت في وش أحمد. تليفونه رن وهو قاعد في الشقة الفاضية بالتحرير. كان عميد الكلية في الجامعة الخاصة. “دكتور أحمد الكيلاني؟” “أيوه يا دكتور.. أهلاً بحضرتك.” “دكتور أحمد.. وصلتنا الشكوى والإنذار القانوني اللي المتر شاهيناز بعتاه باسم دكتورة مريم، غير المحاضر المرفوعة ضدك بتهمة خيانة الأمانة واسترداد مبالغ مالية ضخمة. الجامعة قررت إيقافك عن العمل لحين البت في القضايا دي. سمعة الكلية خط أحمر يا دكتور.”
السماعة اتقفلت في وشه. أحمد حس إن الدنيا بتدور بيه. التليفون وقع من إيده على الأرض الباركيه العريانة. في نفس اللحظة، جرس الباب رن بصوت عالي ومستمر. إسلام قام فتح الباب، وجد قدامه حاج متولي صاحب العمارة، ووراه اثنين محاميين ومعاهم أمين شرطة. سعاد طلعت وهي بتتحزم بوشاحها: “إيه ده؟! فيه إيه؟! إنت مين يا راجل إنت عشان تخبط كده?!” الحاج متولي بصلها بقرف، وقال بصوت جهوري هز العمارة:
“أنا صاحب الملك يا هانم! العقد اللي بيني وبين الدكتورة مريم انتهى النهاردة! والدكتورة جبلتلي إخطار رسمي بعدم التجديد، وسلمتني المفاتيح الأصلية في مكتبي من ساعة! اتفضلوا معززين مكرمين إطلعوا بره الشقة، عشان معايا أمر إخلاء فوراً!” سعاد صرخت: “إخلاء إيه؟! إنت مش عارف إحنا مين؟! إحنا عيلة الكيلاني! إحنا بندفع الإيجار ده جزمة فوق رقبة أي حد!” الحاج متولي ضحك بسخرية:
“عيلة الكيلاني؟! أه.. قصدك العيلة اللي كانت عايشة على قفا الدكتورة مريم؟! الدكتورة هي اللي كانت بتدفع 185 ألف جنيه كل شهر من عرقها ونبطشياتها! إنتوا مفيش فيكم حد حيلته يدفع إيجار أوضة وصالة في العشوائيات! يالله يا أستاذه منك له.. ربع ساعة ولو الشقة ما أخلتش، العفش اللي فاضل والهدوم هتترمى في الشارع والمحضر هيتحرر!” ميار بدأت تصرخ وتتوجع:


