
“آآآه! الحقني يا إسلام! بطني! أنا بطلق! أنا بطلق يا إسلام!” المكان تحول لمهزلة.. ميار بتصرخ على الأرض، إسلام بيحاول يشيلها ومش عارف، أحمد قاعد مصدوم ومش ناطق، وسعاد واقفة بتصرخ في أمين الشرطة والحاج متولي. بعد ثلاث ساعات، في مستشفى جلاء الطبية الحكومية.. سعاد كانت قاعد على دكة خشب الممر، هدومها متبهدلة، وشها أصفر كأنها طالعة من تربة. أحمد قاعد جنبها، ماسك ورقة الإنذار القضائي اللي بتطالبه بدفع المليون و200 ألف جنيه خلال أسبوعين، يا إما الحبس.
إسلام كان واقف جنب باب العمليات، بيعيط من كتر العجز. مراته ولدت طفل صغير بوزن ضعيف محتاج حضّانة فوراً، والمستشفى بتتطلب مصاريف مبدئية وشيكات ضمان، وهما معهمش حتى حق تاكسي يرجعهم. في اللحظة دي، المشهد كان درامي لأقصى درجة. باب الممر اتفتح، ودخلت مريم. كانت لابسة البالطو الأبيض بتاعها، تحتيه طقم أسود أنيق، شعرها مرفوع بثقة، ومعاها دكتور ثاني كبير في المستشفى. سعاد أول ما شافتها، قامت وقفت بالعافية، ولأول مرة في حياتها.. عينها ما كانش فيها غرور ولا كبرياء. كان فيها انكسار وشحاتة.
جرت على مريم ومسكت في إيدها: “مريم! يا مريم يا بنتي! الحقينيا! ميار جوة والولد محتاج حضانة والمستشفى عاوزة فلوس وأحمد اتوقف عن الشغل والشقة طردونا منها! الحقينيا يا مريم.. إحنا ملناش غيرك!” أحمد قام هو كمان، عينه بتبكي بحرقة، وقرب منها وقال بصوت مكسور: “مريم.. أنا آسف. أنا كنت نذل.. بس أرجوكي، عشان خاطر العيل الصغير ده، سامحينا.. ارجعيلي وأنا هبقى تحت رجليكي.” مريم وقفت.. بصت لإيد سعاد اللي بتمسك في بالطوها، وبصت لعين أحمد المكسورة.
ما كانش في عينها كره، ولا انتقام.. كان فيه حاجة أصعب بكثير: “الاستغناء الكامل”. سحبت إيدها بهدوء شديد من بين إيدين سعاد، ومسحت مكانها بمنديل معقم كان في جيبها. وبصت للدكتور اللي معاها وقالت: “دكتور سامح.. حالة المدام ميار والطفل تحت رعايتي الشخصية. الحضانة تتفتح فوراً وتكاليف الولادة والحضانة كُلها تسجل على حسابي الخاص في المستشفى. العيل ده ملوش ذنب في غباء وكبر أهله.” ميار اللي كانت طالعة على ترولي الولادة، بصلت لمريم بعيون مليانة دموع وقالت بصوت ضعيف:
“شكراً يا طنط مريم.. شكراً إنك أنقذتيني أنا وابني.” مريم ابتسمت لها ابتسامة حنونة: “حمد الله على سلامتك يا ميار.. كبري ابنك وعلّميه إن الرجولة مش كلمة، ولا بالدم.. الرجولة بالعدل والموقف.” ولفت لأحمد وسعاد.. أحمد مسك إيدها تاني بلهفة: “يعني إنتي سامحتينا يا مريم؟ هترجعي معايا؟” مريم بصتله بنظرة أبرد من التلج، وسحبت إيدها بقوة المرة دي، وقالت كلماتها الأخيرة اللي نزلت عليهم زي الساطور:
“أنا دفعت مصاريف المستشفى والحضانة عشان ده أصل وديني.. لكن بالنسبة للفلوس اللي عليك، المليون و200 ألف، المحامية بتاعتي هتكمل في القضايا، ومش هتنازل عن قرش واحد. الشقة اللي طردتوني منها عشان ‘الدم الحقيقي’.. خلاص راحت، وحياتك اللي كنت عايشها على حسابي انتهت.” سعاد بصلتها بذهول: “يعني إيه؟! هتسيب ابننا يروح السجن?!” مريم سكتت لحظة.. وقربت من أذن سعاد وقالت بفرملة نفس هادية: “ابنك هو اللي اختار يروح السجن يوم ما سابك تطرديني ووقف يتفرج. إنتوا اللي قلتم ‘هنا محدش محتاجلك’.. وأنا دلوقتي بقلكم: ‘أنا اللي مش محتاجة وجودكم في حياتي كلها’.”
ولفت مريم مشت في الممر الطويل، وصوت جزمتها بيرن في الأركان بثقة وحرية، وسبتهم وراها في الانهيار الكامل. بعد ستة أشهر.. في واحدة من أكبر المستشفيات الخاصة في الشيخ زايد، كانت الدكتورة مريم قاعدة في مكتبها الجديد الفخم، اللي بيبص على جنينة خضراء واسعة. قدامها كانت أختها نهى وشاهيناز المحامية بيحتفلوا بافتتاح مركزها الطبي الجديد للأمومة والأجنة. شاهيناز فتحت الملف وقالت بابتسامة نصر: “المحكمة أصدرت حكم نهائي بحبس أحمد ثلاث سنين مع الشغل بتهمة تبديد أموال وخيانة أمانة، وتم التحفظ على عيادته التجمع للوفاء بالدين.”
نهى كملت: “وسعاد بعتت أثاث بيتها القديم كله عشان تدفع جزء من المصاريف، وحالياً عايشين في شقة إيجار قديم في منطقة شعبية جداً.. وأحمد خسارة كل حاجة: شغل الجامعة، سمعته، ومستقبله.” مريم ابتسمت.. ابتسامة صافية، ما فيهاش أي شماتة، بس فيها سلام داخلي عظيم. سحبت كارت معايدة كان محطوط على مكتبها من الحاج متولي بيبركلها على المركز الجديد، وسرحت لثواني. وفجأة.. تليفونها الشخصي رن برقم غير معروف. مريم رفعت السماعة:
“ألو؟” صوت أنثوي متوتر ومرعوب جاء من الناحية الثانية، صوت مألوف جداً بس كان بيرتعش: “دكتورة مريم؟! ارجوكي الحقيني! أنا ميار.. أنا هربت بالولد من عند طنط سعاد! إسلام وأمه عاوزين يبيعوا الولد أو ياخدوا عليه قرض، وأحمد خرج بكفالة مؤقتة ودلوقتي يدوروا عليا بالسلا..ح! مفيش حد في الدنيا أترجاه غيرك.. ارجوكي أنقذيني!” صوت صريخ قوي اتقال ورا ميار في التليفون، وصوت باب بيتكسر، وقبل ما التليفون يتقفل فجأة، سمعت مريم صوت سعاد وهي بتصرخ بصوت جنوني:
“هات الولد ده هنا! ده الدم الحقيقي اللي هيطلعنا من الفقر ده يا غبية!” التليفون اتقطع.. وشاشة الموبايل جابت “تم قطع المكالمة”. مريم وقفت من على كرسيها بسرعة، عينها اتسعت في ذهول، وشاهيناز ونهى بصلوها برعب: “فيه إيه يا مريم؟! مين كان بيكلمك?!” مريم بصلتهم وشفايفها بتمتم بذهول: “سعاد اتجننت رسمي.. وميار في خطر هي والطفل!”
