منوعات

ثلاث بنات

### الجزء الأول عندما فتح زياد الباب الجانبي لمنزله الفاخر في حي النخيل، كان يتوقع أن يجد نفس الصمت المطبق الذي تركه خلفه قبل 4 أيام. منذ وفـ,ـاة زوجته ليلى، كان ذلك القصر المصنوع من الرخام، والزجاج، والحدائق الخلابة، يشبه المتحف. أما أبناؤه: رائد، راشد، وركان، وهم توأم ثلاثي يبلغون من العمر 3 سنوات، فكانوا يتناولون الطعام في نفس الوقت، ويرتدون نفس الملابس، ويخضعون لجلسات علاجية مختلفة، لكنهم نادرًا ما كانوا يضحكون.

لكن في ذلك المساء، سمع زياد صوت ضحكات عالية. تتبع الصوت حتى وصل إلى الحديقة الخلفية، ووقف صامتاً تحت الشرفة. كان الأطفال الثلاثة حفاة، وقد غطى العشب ملابسهم، وهم يشدون حبلاً بقوة في مواجهة مريم، المربية المؤقتة التي وصلت قبل 5 أشهر. كانت مريم في التاسعة والعشرين من عمرها، وقد عملت كمعلمة مساعدة في إحدى دور الحضانة البسيطة، ولم تكن تتطابق مع فكرة “الموظفة الراقية” التي كانت تدافع عنها السيدة فوزية، والدة زوجته الراحلة.

لم تكن ترتدي زياً رسمياً أنيقاً، بل ارتدت حذاء رياضياً، وبلوزة بسيطة، وحملت دفتر ملاحظات تسجل فيه ما يخيف كل طفل، أو يهدئه، أو يسعده. —«هيا يا رجال، بقوة أكبر!»— هكذا هتفت مريم. ثم تركت نفسها تسقط على ظهرها، فانفجر الصغار ضحكاً كأنهم فازوا ببطولة كبرى. أما ركان، الأكثر هدوءاً بينهم، فقد أطلق ضحكة صافية جعلت زياد يشعر بغصة قوية في قلبه؛ فلم يكد يسمعه يضحك منذ يوم الجنـ,ـازة. لمح رائد والده، فركض نحوه ومد له طرف الحبل. وضع زياد حقيبته، وأخـ,ـلع سترته، وشاركهم اللعب. ولعدة دقائق، ظل الأطفال الثلاثة يشدون الحبل بينما كان هو يتظاهر بالخسارة.

وفي تلك اللحظة، ظهرت السيدة فوزية برفقة رمزي، مدير شؤون القصر ورجل الثقة الأول للعائلة منذ 18 عاماً. —«يا لها من مهزلة»— قالت فوزية باعتراض —«يبدون كأطفال بلا تربية». نهضت مريم على الفور: —«كانوا يلعبون فقط يا خالة». —«أنتِ لستِ من يقرر ما يحتاجه أحفادي». أخرج رمزي ظرفاً بلون كريمي وقدمه لها: —«لقد تم إبلاغ الوكالة. عقدكِ ينتهي اليوم». فتحت مريم الظرف لتجد في نهايته توقيعاً إلكترونياً باسم زياد، مع بند يحظر عليها توديع الأطفال «لتجنب التشوش العاطفي».

تمسك راشد بساقها بقوة: —«مريم لن تذهب». أبعدته فوزية ببرود قائلة: —«لهذا السبب بالذات يجب أن ترحل. لقد ظنوا أنها والدتهم». أخذ زياد الورقة من يدها. لم يصرخ، ولم يناقش أحداً، بل تأمل التوقيع لعدة ثوانٍ ثم رفع بصره إلى رمزي: —«أنا لم أوافق قط على هذا الفصل». شحب وجه المدير، لكن فوزية واجهت نظرته بثبات: —«كنت ستوافق لو أدركت حجم الضرر». دخل زياد إلى المنزل، وفتح حقيبته وأحضر عقد مريم الأصلي. وضعه على طاولة الحديقة، ثم ربط هاتفه بمكبر الصوت الخارجي:

—«إذن، فليفسر لي أحدكم هذه الرسالة». بدأ صوت آلي يقرأ رسالة أُرسلت من هاتف رمزي إلى مكتب استشاري خاص: > «بمجرد خروج المربية، سنبدأ المرحلة الثانية. يجب أن تسوء حالة الأطفال بما يكفي لتبرير تغيير حق الحضانة». > شعرت مريم بأن راشد يرتعش خوفاً وهو متمسك بخصرها. رفع زياد بصره نحو عائلته. وما كان على وشك الاستماع إليه تالياً.. كان أسوأ بكثير. ### الجزء الثاني والاخير استمر التسجيل في ظل صمت طبق على المكان حتى كاد يبتلع ضوضاء المدينة بأكملها:

> «باستخدام التقرير النفسي، سينكشف للجميع أن زياد غير قادر على رعاية الأطفال. وحينها ستتولى السيدة فوزية الحضانة المؤقتة وإدارة الصندوق الاستثماري الخاص بليلى». > أوقف زياد الصوت. فتحت فوزية فمها لتتكلم، لكن الكلمات خـ,ـانتها، في حين خطى رمزي خطوة سريعة نحو الباب. —«لا أحد يتحرك!»— أطلق زياد أمره بحزم. أغلق رئيس حرس القصر المنافذ فوراً، بينما كان زياد يتصل بمحاميته فريدة. أخذت مريم الأطفال إلى غرفة الألعاب، لكن رائد رفض إفلات يدها.

تمتم رائد بخوف: —«أبي غاضب جداً».ـ,ـ فبثت مريم الطمأنينة في قلبه: —«إنه يحميكم فقط.. أنتم لم تفعلوا أي شيء خاطئ». وفي المكتبة، أقسمت فوزية أن الأمر مجرد سوء فهم: —«أنا أردتُ فقط تغيير المربية! فمنذ وصولها والأطفال يوسخـ,ـون ملابسهم، ويعصون الأوامر، ويتحدثون عن ليلى وكأن المـ,ـوت أمر طبيعي!». فرد عليها زياد بنبرة حادة: —«المـ,ـوت جزء من واقعهم.. أما غير الطبيعي فهو إجبارهم على العيش وكأن أمهم لم تكن موجودة قط!».

حاول رمزي التملص مدعياً أن الرسالة كانت مجرد مسودة احترازية. لكن المحامية فريدة وصلت بعد 25 دقيقة وطلبت الاطلاع فوراً على أجهزة الكمبيوتر، وتسجيلات الكاميرات، والملفات الإدارية. وضع زياد عقد مريم الأصلي على الطاولة وقال لرمزي: —«استخدمت توقيعي الرقمي وأضفت بنداً يمنعها من توديع أطفالي.. أنت موقوف عن العمل فوراً». ابتسم رمزي بازدراء وقال: —«يمكنك طـ,ـردي، لكنك لا تستطيع إنكار أنك هجرت هؤلاء الأطفال عاطفياً. السيدة فوزية هي من أبقت هذا البيت قائماً».

كانت هذه التهمة مؤلمة لأنها حملت جزءاً من الحقيقة؛ فبعد الحادث الأليم الذي أودى بحياة ليلى، هرب زياد إلى السفر والاجتماعات المتواصلة. كان يدعي العمل من أجل أطفاله، لكنه في الواقع كان يهرب من بيت يذكره في كل زاوية بما خسره. ولملء هذا الفراغ، أحاطت فوزية الأطفال بالأطباء النفسيين، والجداول الصارمة، والنواهي. أما مريم، فقد أعادت ترتيب أسرتهم لأن ركان كان يعاني من أرق النوم، وسمحت لرائد باختيار ملابسه بنفسه، وعلمت راشد كيف يعبر عن غضبه دون إيذاء الآخرين. وكل ليلة، كانت تتيح لهم المساحة لتذكر شيء زاهٍ عن أمهم.. أمورٌ لم يكن زياد يعلم حتى أنها تحدث.

كشفت المحامية فريدة عن تقارير تتهم مريم بالتسبب في اتكالية الأطفال وتخـ,ـريب جلساتهم العلاجية. كانت التقارير موقعة من الدكتور هشام، رغم أنه لم يرَ الأطفال منذ شهرين! كما عُثر على فواتير وهمية لجلسات لم تحدث أصلاً. ثم ظهر جدول زمني بعنوان “مرحلة الانتقال”: يقتضي خروج مريم، تليها 3 أسابيع من الملاحظة، ثم تقييم نفسي، وأخيراً نقل الأطفال إلى مزرعة فوزية الجبلية. وكانت آخر جولة مخصصة لجلسة استماع قضائية للمطالبة بالحضانة المؤقتة.

قالت فوزية وهي شاحبة الوجه: —«لم أكن أعلم بأمر هذه الجلسة!». عرضت فريدة وثيقة تحمل توقيعها، فتعلثمت فوزية: —«رمزي أخبرني أنني أوقع على تصريح لنقل الجلسات العلاجية إلى بيت الريف!». لم يدرِ زياد هل يصدقها أم لا. حينها تذكرت مريم كيف أجبرها رمزي قبل أسبوعين على أخذ الأطفال إلى الدكتور هشام دون أن تسمح لها بالدخول معه. وعندما خرجوا، كان ركان يبكي بينما كرر رائد: —«أبي يتركنا دائماً ويغادر». أوضحت مريم:

—«كان يريد دفعهم للقول إنهم يشعرون بالإهمال والتخلي». وظهر الدافع الحقيقي جلياً في الكشوفات المالية: تركت ليلى صندوقاً استثمارياً بقيمة 68 مليون ريال لصالح أبنائها. وحصول أي طرف على الحضانة المؤقتة كان يمنحه صلاحية السحب والإنفاق. وتبين أن رمزي أنشأ 4 شركات وهمية بأسماء مستعارة لتغطية مصاريف علاج مزيفة، وصيانة مبالغ فيها، وتجديدات بقيمة 9.6 مليون ريال.. وكلها كانت تصب في جيبه.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى