منوعات

ثلاث بنات

كان المخطط يقوم على طرد مريم، وإحداث انتكاسة عاطفية لدى الأطفال، وإلقاء اللوم على زياد، واستغلال فوزية كواجهة راقية ومحترمة للسيطرة على الأموال. انهارت فوزية على الكرسي وقالت: —«هذا غير معقول!». فرد زياد: —«بل معقول جداً.. لأنكِ سلمتِ له سلطة التحكم بعائلتي». تذكرت مريم كل مرة عاملتها فيها فوزية بفوقية، وكل وردة أمرتها بإزالتها من أمام صورة ليلى، فقالت لها: —«أنتِ أردتِ طردي حتى قبل أن تعرفي بمخططه.. ليس لأنني أؤذيهم، بل لأنهم وجدوا السعادة معي».

نظرت إليها فوزية بعينين محمرتين وقالت: —«كلما رأيتهم يعانقونكِ، شعرتُ أنهم ينسون ابنتي!». فردت مريم: —«الأطفال لا ينسون أمهاتهم لمجرد أنهم أحبوا شخصاً آخر». كانت هذه الكلمات كفيلة بهدم آخر حصون الجدة. طلب زياد رؤية دفتر ملاحظات مريم. كان مليئاً بالتواريخ، والرسومات، والملاحظات التي لم يلتفت إليها أحد: * «رائد يسأل إن كانت أمه تعرف أين تعيش روحها الآن». * «راشد يغضب عندما تُخفى صور أمه». * «ركان ينام بشكل أعمق بعد سماع أغنيتها».

وبين الصفحات، كانت مريم تحتفظ بصورة وجدتها في غرفة الغسيل: تظهر فيها ليلى وهي حامل وتسحب حبلاً برفقة زياد، وكُتب على ظهرها بخط يدها: > «عندما يكبرون ويطؤون الأرض، سنلعب نحن الخمسة معاً.. وستكون الغلبة لهم دائماً». لم يكن زياد قد رأى هذه الصورة من قبل. اعترفت فوزية أنها قامت بإخفاء متعلقات ابنتها بعد الجنازة مباشرة، فلم تكن تحتمل رؤية أحلامها التي لم تكتمل. ظنت أن الحفاظ على الصورة المثالية للبيت سيحمي أحفادها من الألم، لكنها في الحقيقة حرمتهم من حق الحزن، واللعب، والتذكر.

قالت لزياد: —«لم أكن أريد سلبك أطفالك.. أردت فقط حمايتهم من الضياع بسبب غيابك». فرد زياد: —«لكنكِ وافقتِ على خطة تتطلب سحق مشاعرهم وتدهور حالتهم أولاً!». أطرقت فوزية رأسها خجلاً. واستمرت التحقيقات حتى الفجر. حاول رمزي الهرب عبر المرآب وبحوزته وحدة ذاكرة (USB) مخبأة في كتف سترة. كانت تحتوي على عقود مزورة، وحسابات بنكية، وعرض تقديمي بعنوان “مشروع البعث”. وفي الشريحة الأخيرة، كانت هناك صورة للتوأم الثلاثي مع عبارة: «عدم الاستقرار العاطفي يسهل التدخل والسيطرة».

لم يكن الأطفال بالنسبة لرمزي سوى فرصة مالية. فتحت النيابة العامة تحقيقاً موسعاً بتهم التزوير والاحتيال المالي. واعترف الدكتور هشام بأنه وقّع التقارير دون معاينة الأطفال. وتم القبض على رمزي بعد يومين. ورغم أن فوزية لم تجنِ مالاً، إلا أن مسؤوليتها الأخلاقية لم تزل. جردها زياد من أي سلطة لإصدار القرارات الخاصة بالتعليم أو العلاج، واقتصرت رؤيتها لأحفادها على زيارات محددة وبعد خضوعها لجلسات علاج نفسي للتعامل مع الحزن. قال لها:

—«أنا لا أحرمكِ من أحفادك.. بل أمنعكِ من الخلط مجدداً بين الحب والسيطرة». وقبل مغادرتها، اقتربت فوزية من مريم وقالت: —«عاملتكِ وكأن عاطفتكِ تهديد لنا». فردت مريم: —«التهديد الحقيقي كان ظنكم أن المال يمنحكم حق تحديد من يحق له أن يُسمع». في الصباح التالي، وضعت مريم حقائبها للمغادرة؛ فبالرغم من أن الفصل كان مزوراً، إلا أنها لم تكن ترغب بالبقاء تحت رحمة توقيع قد يمحوها بلمحة عين. لكن زياد اعترض طريقها في البهو، ووضع عقداً جديداً على الطاولة: راتب مجزٍ، وتأمين صحي، وإجازات مدفوعة، ومشاركة حقيقية في القرارات التربوية.

وقال لها: —«لا أطلب منكِ أخذ مكان ليلى.. بل أطلب منكِ الاستمرار في رؤية أبنائي كـ 3 أفراد مستقلين، في وقت لا يرى الجميع فيه سوى “التوأم الثلاثي”». اشترطت مريم تخصيص وقت لزيارة والدتها في قريتها، وحضور مناسبات عائلتها، ورفض أي منهج علاجي لا يتسم بالشفافية، فوافق زياد دون تردد. بل إنه غير نمط حياته هو الآخر؛ فألغى السفريات غير الضرورية، وخصص أيام العطلات لأطفاله، وبدأ بدوره رحلة التعافي النفسي. في البداية، كان يجلس على الأرض معهم دون أن يدري كيف يتصرف: كان رائد يوجه له الأوامر، وراشد يفكك ألعابه، بينما يراقبه ركان من بعيد.

كانت مريم تتمتم له: —«تمهل.. سيركض ركان إليك عندما يثق أنك لن تتركه وتغادر». وهذا ما حدث بالفعل. بعد أشهر، عادت فوزية محملة بصور ليلى ودفاترها. جلست بجوار أحفادها وأرتهم صورة لأمهم وهي صغيرة والتراب يملأ ملابسها، وقالت والدموع تنهمر من عينها: —«كانت شقية جداً.. تفر إلى الحديقة فور أن أنتهي من غسل وجهها!». ضحك الأطفال.. وشاركتهم الجدة الضحك لأول مرة.

وبعد مرور عام، أسس زياد مركزاً لدعم الأسر التي تعاني من فتيان يتامى ولتدريب المربيات. وتولت مريم إدارة الورش العملية فيه. وفي حفل الافتتاح، اعترف زياد أمام الجميع بأنه خلط لسنوات بين تأمين المعيشة وبين التواجد الحقيقي، وأن مربية مؤقتة كانت أعرف بأبنائه منه، وكادت عائلته تنتهك بسبب الكبر والتجاهل. وكانت الجدة فوزية تجلس في الصف الأول تصفق باعتزاز.

وحين لمح التوأم حبلاً ملقى على خشب المسرح، ركضوا نحو مريم. نظم رائد الفريقين، وتأكد راشد من متانة العقدة، بينما أمسك ركان بيد أبيه. شدوا الحبل بكل قوتهم حتى سقط زياد ومريم على الأرض معاً، فانطلقت صيحات الفرح وضجت القاعة بالضحكات، بينما تقدمت الجدة لتساعدهما على النهوض. وفي تلك الليلة، تركوا الحبل ملقى في الحديقة؛ ليظل شاهداً على اليوم الذي كشفت فيه توقيعة مزورة عن خيانة غادرة، لكنها أجبرت عائلة بأكملها على مواجهة ما تهربت منه طويلاً.

ظل القصر كبيراً وفخماً، لكنه لم يعد يشبه المتحف قط.. فالأطفال لا يحتاجون إلى كبار كاملين ولا إلى ألقاب براقة، بل يحتاجون إلى من يستطيع البقاء، والاعتذار، والنزول إلى مستواهم واللعب معهم في التراب. فالعائلات لا تُنقَذ بطرد من يجلب البهجة، بل بمواجهة من يستغلون الخوف للسيطرة على الحب. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى