منوعات

طلقها وسابها٢

بس حاجة نغزته. حركة إيد البنت وهي بتشيل خصلة وهمية من على طرحتها… الحركة دي شافها قبل كده. فاتن كانت بتبص في الموبايل، بترد على إيميل شغل. لما سمعت صوته… الصوت اللي كانت بتسمعه في كوابيسها أول 3 شهور في أمريكا… صوابعها وقفت على الكيبورد. الدم هرب من وشها ثانية واحدة. رفعت عينها ببطء. وشافته. نفس العين السودا، نفس خط الفك، بس البالطو الأبيض مديه هيبة مزيفة. ثانية واحدة رجعت فاتن بتاعة المطار. ثانية واحدة بس.

خدت شهيق عميق، من بطنها، زي ما علمتها مدربة الـ public speaking. الزفير طلع معاه كل الرعشة. ملامحها اتجمدت. برود… برود جبل تلج. قامت وقفت. 170 سم بالتايير والكعب الواطي. وقفت بثبات. دياب لاحظ حركتها، لف ناحيتها بنص ابتسامة مجاملة. “وإنتِ لازم تكوني…” سكت. عينه جات في عينها. عينها ما اتهزتش. مفيهاش دمعة المطار، ولا كسرة الدوار. فيها حاجة جديدة… حاجة اسمها قرف. مد إيده بأدب أوتوماتيكي وقال: “And you are?”

فاتن بصت لإيده الممدودة ثانية. ثانية كاملة. الأوضة كلها ساكتة. بعدين رفعت عينها لعينه مباشرة. مدت إيدها، سلمت سلام بيزنس، ضغطة سريعة، باردة، محترفة. ابتسامة صغيرة، ميتة، طلعت على شفايفها. وبصوت واطي، واضح، طلعت منه حروف صعيدي صافي قاصدة بيه ترميه سنة لورا: “أزيك… يا ابن عمي.” الكلمة ضــ,,ـــــربته في صدـ,,ـــره. إيده اتخشبت في إيدها. الابتسامة المجاملة اتمسحت كأن حد زرار off. وشه جاب ألوان… أحمر، أبيض، أصفر. “إيه؟… إنتِ… فاتن؟!”

قالها بصوت مسموع، وهو بيتراجع خطوة غصب عنه كأنه لمس سلك عريان. عينه بتجري على وشها، على التايير، على الطرحة الستان، على الثقة اللي بتخر من كل حركة. بيدور على فاتن الغلبانة اللي رماها. مش لاقيها. سليم حاجبه اترفع ملي واحد. بص لفاتن، وبعدين نقل عينه لدياب. النظرة الهادية اتحولت لحاجة بتقيم، بتوزن. ساندي شهقت وحطت إيدها على بقها.
فاتن سحبت إيدها بهدوء من إيده اللي لسه متجمدة. نزلت إيدها وعدلت طرف جاكيتة التايير بحركة واحدة. بصت لدياب، وبعدين بصت لسليم وساندي كأنها بتكلمهم هما، وصوتها وصل لكل ركن في الأوضة:

“أيوه يا دكتور دياب. فاتن الهلالي. اللي حضرتك سيبتها قدام مطار جون كينيدي من سنة بالظبط، وقلت لها ورقتك هتوصلك.” الصمت اللي نزل كان تقيل. تقيل لدرجة إن صوت جهاز القلب في الطرقة بقى مسموع. دياب واقف، السماعة هتقع من رقبته، وعرق بارد بدأ يلمع على جبهته. سنة كاملة بيقنع نفسه إنه “عمل الصح”، وإنه “اتخلص من عبء”. ودلوقتي العبء واقف قدامه لابس تايير ماركة، وفي أوضة مستشفى VIP، وجنبها راجل اسمه سليم الصياد.

سليم ساب الحيط وسند ضهره. تكتف تاني. بس المرة دي، عينه على دياب ما كانش فيها برود… كان فيها بداية كشف حساب. الفصل الأخير: المقام الأوضة 712 اتجمد فيها الهوا. مفيش صوت غير صوت جهاز النبض بعيد. دياب واقف متسمر. عينه بتاكل فاتن من فوق لتحت، كأنه بيدور على غلطة، على دليل إن دي تمثيلية. بيدور على البنت اللي قال لها “إنتِ أقل مني”. مش لاقيها. اللي قدامه واحدة تانية خالص… تايير ماركة، وقفة واثقة، وعين باردة ما فيهاش كسرة المطار.

بلع ريقه. بدلة الدكتور الواثق اتكرمشت عليه فجأة. صوته طلع واطي، مهزوز، مش لاقي الكلام اللي حافظه: “فاتن… إنتِ… إزاي؟ إزاي اتغيرتي كده؟” سكت ثانية، وبعدين الكدب طلع لوحده من كتر الصدمة: “أنا… والله كنت بدور عليكي. من ساعة ما سيبتك وأنا ندمان. كنت عايز أرجعك… إنتِ دلوقتي… إنتِ تشرفي أي حد. تشرفيني أنا.” قرب نص خطوة، ووشه كله ندم متأخر سنة: “سامحيني يا فاتن. أنا غلطت… غلطت غلطة عمري.”

فاتن سمعته للآخر. ما قاطعتش. بصت له… نظرة طويلة، فاحصة. مفيهاش كره، مفيهاش حب. فيها حاجة أتقل: شفقة. وبعدين… زاوية بقها اترفعت. ضحكة قصيرة، هادية، من غير صوت. بس كانت أقصى من قلم. هزت راسها ببطء وقالت، وصوتها رايق وموزون: “بتدور عليا؟ دلوقتي يا دكتور؟ بعد ما قلت إني هضيع مستقبلك وإني أقل منك؟” سكتت لحظة، وعينها ما نزلتش من على وشه. قالت الكلمة اللي دفــ,,ـــــنته: “للأسف يا دياب… إنت مبقتش من مقامي.”

“مقامي؟!” الكلمة طلعت منه شهقة. كأنه اتكهرب. فاتن ما ردتش عليه. لفت ببطء ناحية سليم. سليم كان واقف زي الجبل، ساكت، بس كل عضلة في وشه صاحية وبتسمع. فاتن مدت إيدها، من غير تردد، من غير ما تبص وراها. مسكت إيد سليم. شبكت صوابعها في صوابعه قدام عين دياب.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى