منوعات

غويشه دهب١

الممرضة زقت الباب ودخلت، وقطعت حبل أفكاري وهي بتركب لي المحلول في دراعي المربوط بالشاش والدم لسه معلم فيه، وبصت لي بشفقة وقالت: “ألف سلامة عليكي يا مدام.. التقرير الطبي طلع، والبوليس بره مستني كلمتك.” بصيت لدراعي، واجهشت بالبكاء.. بس مش ضعف، دي كانت دموع النيران اللي هتحرق بيت العيلة كله. يا ترى إيه اللي هيحصل لما يرجعوا ويلاقوا الدنيا مقلوبة؟ وهل سمر مرات الابن الغلبان هتقدر تاخد حقها تالت ومتلت بتقرير المستشفى، ولا الفلوس اللي بيبعتها السلف من بره هتعمي عيون الكل وتضيع حقها؟

وخرجوا وقفلوا الباب وراهم، ورزعته الباب رنت في نفوخي كأنها ضربة قلم. سابوني لوحدي. فضلت واقفة بطولي وسط الصالة، السكوت اللي حل على الشقة كان مرعب وله ريحة تشبه ريحة الموت. كنت باصة للأرض ومش مصدقة.. بركة الدم اللي عمالة تزيد وتسيل على البلاط الموزاييك، وشظايا الطبق البورسلين الغالي اللي اتدشدش مية حتة تحت رجليا. الطبق ده اللي حماتي كانت بتعبد ترابه وتنزله بالهداوة لـ شيرين عشان تاكل فيه الفراخ المشوية والكباب الجاهز، اترمى في وشي بكل غل لمجرد إني تعبانة من الحمل!

في اللحظة دي بالذات، في حتة تانية جوايا اتكسرت وطلعت صوت مسموع.. حتة مفيش تسييح زبدة ولا لملمة هتعرف تداويها تاني. كنت لسه خايفة، وجسمي كله بيرتعش، والدوخة وعمايل الشهر الخامس مخلية عيني مغلغلة.. والجرح في دراعي عمال ينقح عليا والوجع بيسري في عضمي زي النار. بس الرعب اتبخر، وحل مكانه غيظ يهد جبال؛ مكنتش مستعدة تانية واحدة أحمي ناس معندهمش مشكلة يأذوني، ويدوسوا على بطني، ويجوا عليا بالشكل ده عشان خاطر الفلوس اللي بيبعتها السلف من الغربة!

سندت على الحيطة، ونضفت الدم السايل من دراعي بالعافية بقماشة بيضاء، وربطته كبس بإيشارب قديم عشان يكتم النزيف. دخلت أوضتي خطفت موبايلي وشنطتي، ونزلت السلم وأنا رجليا بتخبط في بعضها. طلعت على أول الحارة، شاورت لأول تاكسي وقعدت ورا وأنا حاطة إيدي على بطني وبقول له: “على المستشفى العام فوراً يا أسطى، الله يخليك بسرعة.” طول السكة وأنا باصة من الشباك، ومعدتي بتقلب من التعب والروائح، كنت متأكدة من حاجة واحدة بس، حاجة حلفت عليها بدمي الغالي: لما الحاجة رسمية وشيرين يرجعوا من الفسحة والمشوار بتاعهما النهارده، حياتهم النعام وفشخرتهم الكدابة دي هتتغير 180 درجة.

أول ما دخلت المستشفى، أخدوني على طول على أوضة الطوارئ. قعدت على السرير المعدن، وجت الحكيمة (الممرضة) وبدأت تقص كم العباية اللبني المليان دم. كانت بتنضف الجرح بـ القطن والمطهر وأنا بكتم صرختي في سري. شظايا البورسلين كانت غارزة جوه اللحم وعاملة علامات غائرة، والدم كان لسه بيفور وعاصي مش راضي يقف. الممرضة كانت بتبص لي بشك وريبة، عينيها كانت بتقرأ الوجع اللي ورا ملامحي، ولما لقت القطع واصل لعمق اللحم، وقفت إيدها وبصت في عيني وقالت لي بصوت واطي: “إيه اللي عمل فيكي كدة يا مدام؟ قولي الحقيقة وم تخافيش.. دي مش وقعة عادية، ولا كعبلة مطبخ.”

في اللحظة دي بالذات، عقلي لف ودور في طريقين مفيش غيرهم؛ إما إني أكذب وأألف حكاية تافهة وأقول “السكينة فلتت” ولا “الطبق وقع مني وأنا بغسله” زي ما كنت بعمل دايماً عشان أداري على قسوتهم وأحافظ على شكل العيلة ولقمة العيش قدام أهل الحارة، يا إما إني أنطق بالحقيقة المرة وأجيب عاليها واطيها وأهد المعبد على دماغ اللي فيه.

بصيت في عين الممرضة، وبلعت ريقي الناشف، وسحبت نفس طويل وقلت لها بكل هدوء وثبات والدمعة محبوسة في عيني: “سلفتي شيرين رمت الطبق البورسلين في وشي بقصد وغِل عشان م رضيتش أخدمها وأنا بتموت من الحمل، وحماتي الحاجة رسمية كانت واقفة تتفرج عليا ومتحركتلهاش شعرة، ولما لقتني بنزف وبقع من طولي، مكلفتش خاطرها تمد إيدها، وقالت لي كنسي ونضفي الدم ده من الأرض قبل ما نمشي وسابوني غرقانة ونزلوا يتفسحوا.”

الممرضة اتصدمت ووشها جاب ألوان من الذهول، وبصت لزمايلها؛ وفوراً من غير ما تضيع ثانية واحدة بلغت أمن المستشفى العام والخدمة الاجتماعية، والنبطشية بلغت نقطة الشرطة. في دقائق معدودة، بدأت الإجراءات الرسمية تمشي بالمسطرة والقانون؛ جه الدكتور جراح الطوارئ وبدأ يخيط الجرح غرزة ورا غرزة (12 غرزة أكلوا من لحمي)، والمخبرين جم يصوروا الجروح والقطع اللي في دراعي، والنيابة اتثبت لها تقرير طبي مفصل بحالتي: “إثبات حالة اعتداء عمد مع سبق الإصرار على سيدة حامل في الشهر الخامس”.

وأنا بمضي على الأوراق وأبصم بصباعي اللي عليه آثار النزيف، كنت حاسة ببرود غريب بيمشي في عروقي.. الخوف اللي كان مكلبشني منهم بقاله سنتين ومخليني أكل في نفسي عشان جوزي الغلبان اتبخر في الهواء، وحل محله رغبة قوية وناشفة في إني أسترد كرامتي وأكسر مناخير شيرين وجبروتها اللي عمى عين حماتي. طلعت موبايلي من الشنطة بإيد بتترعش، وطلبت رقم جوزي “إبراهيم”. مكنتش عايزة أعيط ولا أبان مكسورة الجناح، كنت عايزة صوتي يطلع قوي وراسي مرفوعة عشان يحس بيا.

أول ما فتح الخط، وجاني صوته الطيب التعبان من شقا المصلحة: “أيوة يا سمر يا حبيبتي، عامله إيه والبيبي عامل إيه؟” قلت له بنبرة حاسمة قطعت المايه والكهربا: “إبراهيم.. أنا في المستشفى العام بطنطا.” رد عليا بفزع، وصوته اتهز واترج في السماعة وسألني واللعثمة واكلاه: “إيه؟! المستشفى؟! البيبي حصله حاجة؟! أنتي جرالك إيه يا سمر؟!”

قلت له ببرود جمد المية في الخط: “البيبي كويس والحمد لله ربنا حماه.. بس أنا لأ. شيرين سلفتك، مرت أخوك المدلع اللي بعنا غويشتي عشان نسفروه، رمت عليا طبق النيش دشدشته على دراعي وقطعتلي لحمي، وأمك الحاجة رسمية كانت واقفة بتبارك الفساد وسابتني بغرق في دمي، وخرجوا يتفسحوا ويشتروا أكل جاهز، وقبل ما تقفل الباب قالت لي كنسي الأرض ولمي الفوضى ونضفي الدم قبل ما نرجع عشان الشقة تبقى بتلمع.”

إبراهيم سكت تماماً.. سكت لدرجة إني افتكرت الشبكة راحت والخط قطع، ومبقاش مسموع غير صوت الهوا. كان بيموت في جلده هناك وهو سامع إن الست اللي باعت دهبها عشان تستر أخوه، اتهانت واتسالت دماؤها في بيته. وبعدين سمعت صوت أنفاسه المكتومة والمخنوقة، وهو بينهج وصوته بيرعش من كتر الغضب والغل والحرقة اللي كلت قلبه: “أنا قايم حالا يا سمر.. مسافة السكة. أنا هسيب الشغل والمأمورية وتتحرق المصلحة، هاخد أول عربية بيجو من موقف بورسعيد، وساعتين بالكتير وهكون عندك في المستشفى وقسماً بالله ما هسيب حقك لو فيها رقاب!”

يا ترى إيه اللي هيحصل لما إبراهيم الموظف الغلبان يوصل والبوليس يتحرك؟ وشيرين والحاجة رسمية هيعملوا إيه لما يرجعوا يلاقوا الحارة مقلوبة والكاميرات اللي ركبوها عشان يراقبوا سمر بقت هي حبل المشنقة؟….تابع للجزء الاخير

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى