
الجزء الأول الكاتبة ملك إبراهيم القاهرة – مبنى الراوي جروب – الساعة 10 الصبح مكتب الاجتماعات. ياسين الراوي قاعد على راس الترابيزة، قدامُه فايل ووراه إزاز بيكشف نص البلد. مفيش صوت غير صوت التكييف وورقة بتتقلب. هو “الديب” زي ما بيسموه.. كان لابس بدلة سودة، دقنه مرسومة، وعينه ما بترمش. كل اللي في الأوضة حافظين الدرس: تتكلم في دورك، تختصر، ما تغلطش. دخل مدير التسويق ومعاه 3 بنات من قسم التصميم”
“يا فندم دي الموظفة الجديدة لسه متعينة جديد بس دماغها ألماظ.” ياسين مرفعش عينه من الفايل. “خليها تبدأ.” صوتها جه من آخر الترابيزة.. هادي بس واثق: “صباح الخير.. أنا ليلى، وعملنا كونسبت اسمه الجذور. الشركة دي ليها هيبة، بس الهيبة دي محتاجة لون..” القلم وقع من إيده. رفع وشه ببطء. شافها. نفس العيون الواسعة اللي كان بيغطيها بالبطانية وهي نايمة من 14 سنة. بس كبرت.. شعرها ملموم، لابسة فورمال أسود، وفي إيدها دبلة فضة رفيعة هو اللي جايبها لها في عيد ميلادها الـ18.
الدنيا وقفت ثانيتين. كل اللي في الأوضة حسوا إن الأكسجين قل. ليلى كملت شرح كأنها مش واخدة بالها من الزلزال اللي قام. قلب ياسين كان مو لع في ضلوعه، بس وشه.. حجر. خلصت. سكوت. مدير التسويق بيضحك بتوتر: “هايلة مش كده يا ياسين باشا؟” ياسين قام وقف. الطول والقسوة بتاعته خلوا الكل يبلع ريقه. ياسين بقسوة: “الأستاذ.. اللي عيّنها. يجيلي مكتبي حالاً.” صوته كان واطي، وده أوحش من الزعيق. “والاجتماع خلص.”
خرج وساب الباب مفتوح. كلهم بصوا لبعض. ليلى بس اللي فضلت باصة في الأرض وبتلم ورقها بإيد بتترعش على خفيف. — مكتب ياسين – بعد 10 دقايق مدير الـHR واقف وعرقه مغرق وشه . “يا فندم والله الـCV بتاعها قوي جداً، فنون جميلة امتياز مع مرتبة الشرف، ومعاها توصية من..” “اخرس.” ياسين كان مديله ضهره وبيبص من الإزاز. “انت عينت بنت عمي في شركتي من غير ما تعدي عليا. عارف دي معناها إيه؟”
الراجل شهق: “بنت.. بنت عم سعادتك؟ أقسم بالله ما نعرف يا باشا! هي مقدمة باسم ليلى سالم، مش الراوي خالص!” ياسين لف. عينه كانت سواد. “عشان كده أنا لسه سايبك واقف على رجلك. ظرفك في الحسابات. بره.” الباب اتقفل. ياسين مسك تليفونه وطلب الرقم اللي محفوظ باسم واحد: “الوصية”. “ألو يا حاج سعيد.. ليلى كانت في المدرسة في إسكندرية وانا الواصي عليها. إزاي تخرج وتيجي القاهرة من غير ما أعرف؟”
“يا ياسين بيه والله البنت كملت 24 سنة، وصايتك انتهت قانوني من 3 سنين، ومبلغين سيادتك.. هي طلبت تاخد ورقها كله من شهرين وقالت إنها مسافرة باريس زي ما حضرتك مرتب..” ياسين قفل السكة في وشه ورمى الموبايل على المكتب. “باريس.. بقى بتتحدينـي يا ليلى وتشتغلي في شركتي من غير ما اعرف..” — الساعة 6 المغرب – مكتب التصميم ليلى بتلم حاجتها عشان تروح. أول يوم وكان أطول يوم في حياتها. شافته.. بعد سنة بحالها من آخر زيارة باردة في إسكندرية. كان نفس الوش الخشب، بس النهاردة عينه كانت بتاكلها وهي بتشرح.
الباب اتفتح من غير خبط. هو. الموظفين اتسمرّوا. ياسين شاور: “كله بره.” الأوضة فضيت في 5 ثواني. هو واقف عند الباب، وهي واقفة ورا مكتبها. بينهم 4 متر. “ليلى.” صوته خلاها تتنفس بسرعة. “إنتي إيه اللي جابك هنا؟” رفعت راسها. عينها فيها عتاب السنين كلها. “ده شغل. أنا خريجة فنون جميلة، وده مجالي. ولا الراوي جروب ممنوع يشتغل فيها حد من العيلة ؟” قرّب خطوة. خطواته بقت أقرب، وريحته اللي حافظاها من وهي عيلة ملت الأوضة.
“إنتي كان المفروض تبقي في باريس دلوقتي. الشقة جاهزة هناك، الشغل مستنيكي هناك مش هنا.” ابتسمت بسخرية، أول مرة تكلمه كده: “المفروض؟ على أساس إيه؟ إنك الواصي عليا صح؟ الوصاية خلصت يا باشمهندس ياسين. أنا كبرت.. مبقتش بنت عمك الصغيرة اللي انت واصي عليها ” كلمة” باشمهندس ” دي ضربته في صدره. قرّب كمان خطوة. بقى بينهم مكتب. “لما أقول كلمة تتنفذ. القاهرة مش ليكي. والشركة دي بالذات.. خط أحمر.”
“ليه؟” سألت وهي بتثبت عينها في عينه. “خايف عليا ولا خايف مني؟” السكوت اللي حصل كان أتقل من كل صفقاته. عروق إيده بانت وهو ماسك في حرف المكتب. زقّ فايل على المكتب. “من بكره، مكتبك هيبقى في نفس الدور بتاعي ، جنب مكتبي. المسمى الوظيفي: متدربة في مكتب رئيس مجلس الإدارة. ممنوع تعامل مباشر مع أي مدير، ممنوع سهر، ممنوع تطلعي من المبنى من غير الحرس بتوعي.” “إنت بتحبسني.” قالتها بهمس.
“أنا بحميكي.” قالها وهو بيبص في عينها نظرة خلت ركبها تسيب. “من الدنيا.. ومني.” لف وسابها واقفة، قلبها بيدق زي الطبلة، وهو ماشي وكل خلية فيه بتقوله يهرب من المشاعر اللي بيحس بيها اتجاهها.. بس مينفعش. خلاص بقت تحت عينه، ومش هيعرف يهرب من مشاعره تاني.. مش عايزها تعرف انه بيحبها.. هو دفن حبه جوه قلبه من زمان لأنه شايفها اصغر منه بكتير ومينفعش. وهو راكب الأسانسير لوحده، سند ب ايديه على المراية الباردة وغمض عينه.
همس لنفسه: “ناويه تعملي فيا ايه يا بنت الرواي.” … يتبع الفصل 2: بعد 3 أسابيع من شغل ليلى في الدور 32 ياسين نفذ كلمته بالحرف. مكتب ليلى بقى أوضة إزاز جنب مكتبه، بينهم باب. ممنوع أي موظف يدخل لها إلا بإذنه. حتى القهوة.. لازم تطلبها من السكرتارية بتاعته وهو يمضي عليها. مواعيدها ثابتة: 8 الصبح دخول، 5 المغرب خروج. ممنوع سهر. سيد، كبير الحرس، ومعاه 2 من رجالته بقوا ضلها جوه المبنى. وهي كانت بتكره السجن ده. وهو كان بيكره ضعفه كل ما يسمع صوت قلمها على الورق من المكتب اللي جنبه.
بس كان فاكر إنه مسيطر.. لحد ليلة الخميس. — الساعة 5:45 المغرب – الدور 32 ليلى واقفة قدام مكتب ياسين. “أنا محتاجة أسهر النهاردة. في ديدلاين للكونسبت الجديد ولازم أسلمه للعميل بكرة الصبح.” ياسين مرفعش عينه من اللاب. “ممنوع. سيد هيوصلك الشقة اللي مأجرها لك جنب البرج. اشتغلي من هناك.” “دي مش شقة، ده قفص تاني.” صوتها اتخنق. “أنا مش هعرف أركز غير على مكتبي هنا. ساعتين بس.” سكت ثانيتين. عينه راحت للدبلة الفضة الرفيعة في إيدها وهي ماسكة طرف الباب.
“ساعتين. سيد ورجالته هيفضلوا على باب الدور. والدور كله هيتقفل. مفهوم؟” هزت راسها ومشيت من غير كلمة. — الساعة 8:05 بالليل – جراج الراوي جروب الجراج فاضي إلا من عربية مصفحة وعربيتين حراسة. ليلى خلصت ونازلة مع سيد واتنين من الرجالة زي ما ياسين أمر. “يا ليلى هانم اتفضلي..” فجأة.. النور قطع. ثانية واحدة والجنريتور اشتغل، بس الثانية دي كانت كفاية. عربية ڤان سودة من غير نمر كسرت البوابة الجانبية اللي بتتفتح يدوي وقت الطوارئ. 4 ملثمين نزلوا منها. قنبلة دخان اترمت.
صوت ضرب نار على الكاوتش. واحد من الحرس وقع. سيد لحق يشد ليلى ورا العمود بس اتضرب بماسورة حديد في كتفه. ليلى صرخت. واحد كتم بوقها والتاني شالها. سيد بيحاول يقوم وهو بينزف، ضرب نار في الهوا عشان الإنذار يشتغل. الباب اترزع والعربية طارت. الإنذار ضرب في المبنى كله. 8:06 — الساعة 8:09 – فندق الفورسيزون – ياسين



