علم مصر كان مرفوع فوق مكتب ظابط المباحث، وصوت التكييف القديم بيزن زي حشرة محبوسة في صفيحة. ندى كانت واقفة وسط الأوضة، إيدها بتمسح على كم البدلة العسكرية بتلقائية وهي بتبص لحتة الإزاز المذهبة اللي في كيس الحرز. العقل اللي دربوه في الجيش على إدارة الأزمات وتقييم المخاطر كان شغال بسرعة مفرطة، بيفكك حازم حتة حتة؛ حازم اللي كان الصبح بيوطي يبوس إيد أمها، بالليل بيفرم نضارتها تحت جزمته! الظابط النوبتجي بلع ريقه وهو بيشوف التحول المرعب في عين ندى، ساب القلم من إيده وقال بصوت واطي:
— سيادة النقيب ندى.. إحنا حنحرر المحضر بالواقعة، بس الأستاذ حازم عامل بلاغ في نفس الوقت ومصمم إن الست الوالدة هي اللي هجمت عليه، وبيقول إن عنده شهود على تصرفاتها الغريبة الفترة اللي فاتت! ندى لفت وشها ليه، نظرتها كانت كفيلة تخلي الأوضة تتجمد:
— شهود؟ حازم بيلعب لعبة كبار يا باشا. أمي عندها واحد وسبعين سنة، وزنها ما يجيش أربعين كيلو.. عايز تفهمني إنها شالت حديدة وهجمت على راجل طول بعرض؟ وبعدين فين الحديدة دي؟ بيت أمي في السيدة زينب، بيت أهالي من سنة ستين، لا فيه صوبة ولا فيه جاردن ولا فيه حتى بلكونة واسعة! هو بيتبلى عليها عشان يقفل بقها.. وأنا مش هسيب بقها يتقفل. في اللحظة دي، دخلوا أمناء الشرطة يسندوا الست هدى عشان تركب عربية الإسعاف. ندى قربت منها، مسكت إيدها الترعش، وطبقت عليها بقوة:
— أمي.. حازم كان عايز منك إيه بالظبط؟ البسبوسة والزيارة المفاجئة دي كانت عشان إيه؟ الست هدى بصت لبنتها بعيون مليانة دموع ووجع، شفايفها كانت بتتنفض وهي بتقول بصوت مهزوز: — الورق يا ندى.. الورق اللي أبوعلي الله يرحمه سابه في الخزنة القديمة.. حازم دخل الأوضة وهو فاكرني نايمة، سمعت صوت الخزنة بتتفتح.. لما واجهته وقولتله بتعمل إيه يا حازم؟ وشّه اتغير وحسيت إني قدام شيطان.. قالي “يا عجوزة الجن، الورق ده لو خرج للعلن أنتم كلكم هتتسولوا في الشوارع”.. ولما مسكت فيه ومنعته ياخد الشنطة، جاب الشومة من بئر السلم و…
صوت أمها اتقطع وهي بتعيط بحرقة. ندى طبطبت على إيدها وقالت للرائد اللي واقف: — تحولها فوراً للمستشفى العسكري، وتقارير الطب الشرعي تتثبت كاملا. ومحدش يلمس بيت السيدة زينب لحد ما أنزل بنفسي. خرجت ندى من القسم والدم بيغلي في عروقها. الشمس كانت بتبدأ تشق ضباب القاهرة، الشوارع فاضية والصمت بيطب على المدينة زي كفن. ركبت عربيتها، وبدل ما تطلع على بيتها مع حازم في التجمع، انطلقت بسرعة جنونية على السيدة زينب.. البيت القديم اللي كبرت فيه.
الشارع الضيق في السيدة زينب كان لسه ساكت. حارة “الحوض المرصود”. ندى نزلت من العربية، سحبت مسدسها الميري من الجراب للتأمين، وطلعت السلم الخشب اللي بيزيق. باب الشقة كان مفتوح سنة بسيطة.. الشريط الأصفر بتاع الشرطة ما كانش محطوط لسه. ندى زقت الباب بالراحة دخلت. ريحة الدم كانت مخلوطة بريحة البسبوسة اللي حازم جابها، العلبة مرمية على الترابيزة المفرش بتاعها متقطع. الصالة كانت مقلوبة، الكراسي متكسرة، وعلى الأرض.. بقايا نضارة أمها، وبقعة دم تنشف على البلاط الموزايكو.
ندى مشيت بخطوات محسوبة ناحية أوضة النوم القديمة. دولاب خشب أرو عالي، جواه خزنة حديد مصدية من أيام أبوها اللواء المتقاعد. باب الخزنة كان مفتوح ع البحري.. مفرغ تماماً! — بتدوري على إيه يا سيادة النقيب؟ الصوت جه من وراها.. صوت هادي، بارد، فيه بحة خبيثة ندى حافظاها عن ظهر قلب. لفت بسرعة وهي رافعة المسدس ومثبتة النيشان بين عينين حازم! حازم كان واقف عند باب الأوضة، لابس قميص أبيض متوسخ تراب، بس إيده في جيبه وشكله مش خايف خالص. كان مبتسم نفس الابتسامة المسمومة اللي خدعتها خمسة عشر سنة.
— نزلّي البتاع ده يا ندى.. إحنا كبار على الشغل ده — قالها حازم وهو بياخد خطوة لقدام. — خطوة كمان وهسفرك للمكان اللي تستاهله يا حازم — ندى قالتها بنبرة مفيهاش ذرة تردد — عملت إيه في الورق؟ وض.ربت أمي ليه؟ يا واطي.. دي الست اللي دخلتك بيتها وجوزتك بنتها وهي فاكراك راجل!
حازم ضحك ضحكة قصيرة من مناخيره، وطلع إيده من جيبه.. كان ماسك سجارة وولاعة، ول.عها وبخ الدخان في الأوضة:
— راجل؟ ههههه.. أنا فعلاً راجل، والراجل بيحمي ملكه يا ندى. أمك الكركوبة دي كانت فاكرة إن أبوكي اللواء “مكرم” سابلكم شوية عقارات وعمارة في جاردن سيتي ورث شرعي؟ أبوكي الله يرحمه كان بيغسل أموال لحساب ناس تقيلة أوي في البلد دي! الخزنة دي ما كانش فيها عقود ملكية.. الخزنة دي كان فيها دفتر الحسابات الأصلي للشركة اللي أنا درتها وطورتها طوال الـ 15 سنة اللي فاتوا! ندى حست كأن حد ض.ربها بشوم على دماغها، بس ثبتت نظرتها:
— أنت بتخرف بتقول إيه؟ أبويا كان أنضف راجل في الخدمة!
— أبوكي كان غطاء! — حازم صرخ فجأة وهو بيقرب خطوة كمان — أبوكي مات وساب الدفتر ده أمك مخبياه، فاكرة إنه حمايتها للزمن! أنا لما بدأت أكتشف إن الشركة فيها ثغرة بمليارات، ولقيت إن الحسابات المزدوجة مربوطة باسم أمك أنتِ وباسمك أنتِ.. فهمت! أمك كانت كاتبة كل التوكيلات باسمي أنا عشان أتدبس أنا لما الموضوع يفرقع، وهي تطلع منها كروت بلانش! لما جيت أخد الدفتر بالهدوء بالليل، العجوزة طلعتلي مسدس أبوكي القديم من تحت المخدة وحاولت تض.ربني! أنا دافعت عن نفسي يا ندى.. الشومة دي كانت دفاع عن النفس!
— كداب! — صرخت ندى بصوت هز جدران البيت — أمي معندهاش مسدسات، وأبويا سلاحه الميري اتسلم للهيئة يوم وفاته! أنت بتألف قصة عشان تغطي على الفلوس اللي سرقتها من شركتك وحطيتها في حسابات بره باسم شركات وهمية! أنا فتشت في أوراقك الشاعر اللي فات يا حازم لما شكيت في سفرياتك لـ دبي وتركيا! ابتسامة حازم اختفت، وشه تحول للون الأسود، وعينيه بقت زي عينين الضبع المحشور: — أنتِ فتشتي ورايا؟
— أنا مش بس فتشت.. أنا استخرجت كشوف الحسابات السرية من البنك المركزي بطلب رسمي من جهتي العسكرية بتهمة الإضرار بالأمن القومي وتبييض الأموال! الورق اللي خدته من الخزنة ده.. صور غير أصلية، الأصل مع نيابة الأموال العامة من الساعة اتناشر بالليل! حازم وقف مكانه كأنه اتكهرب، السجارة وقعت من بين صوابعه: — أنتِ.. أنتِ عملتي إيه؟
— أنا عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان — ندى قالتها وهي بتمسك التليفون بالإيد التانية وبتدوس على زرار الاتصال السريع — السر اللي أنت كنت فاكر إنك بتغطيه بالدم يا حازم.. مش بس قضايا غسيل أموال.. أنت بعت شحنات أجهزة ومعدات حيوية للجيش لشركات قشرية بره، وأموال المخطط ده كانت بتدخل حسابتك أنت الشخصية! ض.ربك لأمي ما كانش عشان دفتر.. كان محاولة عشان تعمل نفسك “مجنون” أو “ضحية اعتداء” عشان تهرب بره مصر النهاردة الصبح على طيارة الساعة سبعة!
في اللحظة دي، اتسمع صوت سارينات عربيات الشرطة العسكرية والمباحث وهي بته.جم على الحارة تحت. الصوت كان بيرج الشارع القديم، وأضواء الفلاشات الحمراء والزرقاء بدأت تض.رب في أزاز الأوضة. حازم بص للشبابيك بذهول، وبعدين بص لـ ندى.. وشاف في عينها النظرة اللي كان خايف منها طول حياته؛ مش نظرة مراته المخدوعة، دي نظرة الضابط اللي حاصرك وخلاص مفيش مفر. — ندى.. ارجوكِ.. إحنا بيننا عيش وملح 15 سنة — حازم بدأ يتلعثم وصوته يترعش — أنا عملت كل ده عشانك وعشان نأمن مستقبلنا! الفلوس دي كلها باسمك أنتِ كمان.. لو أنا وقعت أنتِ هتقعي معايا!
ندى قربت منه وشها قصاد وشه، وبصت له بقرف: — العيش والملح أنت بعته لما رفعت الخشب على ست عندها 71 سنة.. والفلوس اللي بتتكلم عنها؟ أنا اللي بلغت عن الحسابات المزدوجة بنفسي.. يعني أنا برة اللعبة.. أنت لوحدك في المصيدة يا حازم. الباب الخارجي اتكسر، ودخلت قوة من الشرطة العسكرية برياسة مقدم حازم يعرفه كويس. المقدم صرخ: — ثبت مكانك يا حازم! إيدك فوق دماغك! حازم اتثبت في مكانه، والأغلال الاتحطت في إيده بصوت حديدي جاف. وهو بيتسحب لبره الأوضة، بص لـ ندى وقال وهو بينهج:
— فاكرة إنك خلصتي؟ الورق اللي مع النيابة ده فيه اسم كبير أوي يا ندى.. اسم لو اتعرف.. أمك مش هتعيش يوم واحد في المستشفى! ندى وقفت مكانها، الدم اتجمد في عروقها تاني.. حازم اتسحب على السلم وهو بيضحك ضحكة هستيرية، بينما ندى مسكت التليفون بسرعة وطلبت رقم المستشفى العسكري عشان تطمن على أمها.. الرنين فضل شغال.. مرة.. اتنين.. تلاتة.. وفجأة، حد رد من الناحية التانية، بس ما كانش صوت الدكتور.. كان صوت نبرته غريبة وباردة قالي كلمتين بس خليا ندى تحس إن الأرض بتتفتح تحت رجليها:
— سيادة النقيب ندى.. الست الوالدة اتنقلت من الأوضة من خمس دقايق.. والأمر جاي بختم من جهة أعلى من جهتك.. لو عايزة تشوفيها تاني.. تعالي لوحدك على طريق السخنة القديم.. ودلوقتي!



