الفصل الثالث
الرزع على الباب كان قوي لدرجة إن الشقة كلها كانت بتهتز، وصوت الخشب وهو بيتأكل تحت الضربات خلّى قلبي يتنفض من مكانه. يوسف وقف قدامي زي الحيطة، وشه اتقلب ألوان، وعروق رقبته برزت من الخضة والخۏف عليا. أخدني بسرعة ورا ضهره وبص حواليه في الصالة كأنه بيدور على أي حاجة يدافع بيها عننا.
الصوت الجهوري برة كان لسه بيزعق وبيشتم بأبشع الألفاظ
افتح يا يوسف يا نصاب! مفكر نفسك هتستخبى مننا فين؟ والله لو ما فتحت لهد الباب ده على دماغك أنت والست هانم بتاعتك!
جسمي كله كان بيرتعش، مسكت في ظهر قميص يوسف المبلول من عرق الشقا، ودموعي نزلت تاني بس المرة دي من الړعب. همست بصوت مخڼوق ومتعثر
يوسف… هنعمل إيه؟ دول شكلهم مجرمين.. ھيموتونا يا يوسف!
يوسف لف وبصلي، وحط إيديه على كتافي بيحاول يثبتني ورغم إن عينيه كان فيها ړعب الدنيا، إلا إنه حاول يطلع صوته جامد وقالي
ادخلي الأوضة جوة يا إيلين واقفلي على نفسك بالمفتاح.. ومتفتحيش مهما حصل، سامعاني؟ مهما حصل متخرجيش!
لا يا يوسف مش هسيبك لوحدك برة! دول كتير وممكن يعملوا فيك حاجة! قولت الكلمة دي وأنا بشهق من العياط.
في اللحظة دي، خبطة تالتة قوية جداً خلّت كالون الباب يطق، والباب اتفتح حتة صغيرة. يوسف مكدبش خبر، جري على الباب وبكل عزم قوته سند بكتفه وظهره عشان يمنعهم يفتحوه للاخر. كان بيقاوم ويزق وهو پيصرخ فيا
ادخلييي جوة بقولك يا إيلين! اسمعي الكلام!
تحت ضغط الخۏف، رجلي حركتني لوحدها وجريت على أوضة النوم، قفلت الباب ورايا وتربسته، ووقفت سانده ضهري عليه وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان مكتش صړيخي. كنت سامعة كل حاجة بتحصل برة في الصالة كأني واقفة معاهم.
الباب برة اتفتح بالقوة، وسمعت صوت كركبة كراسي وصوت راجل غريب بيضحك ضحكة مستفزة وبيقول
أهلاً يا أسطى يوسف.. بقالنا شهر بندور عليك وأنت مستخبي هنا زي الفئران، وسايبنا نلف وراك في كل ورشة وفي كل حتة.
صوت يوسف طلع مخڼوق بس حاول يكون شجاع
أنا مستخبتش يا ساري بيه.. أنا شغال وبجمع في الفلوس، والأسطى حامد بيديك وصلي أول بأول وكل يوم بيومه.. أنت جيت هنا ليه وبتتهجم على بيتي وحرمة بيتي ليه؟
الراجل اللي اسمه ساري رد عليه بنبرة كلها غل وفوقية
قسط إيه يا روح أمك اللي بتدفعه؟ خمسين جنيه ومية جنيه؟
أنت فاكر نفسك بتسدد قسط غسالة؟ أنا العربية بتاعتي باظت وتمن الضفيرة والموتور واقف عليا ب ميتين ألف جنيه! تقعدني أنت سنة وسنتين عشان تلمهم من عرقك وشيل الرمل؟ أنا عايز فلوسي كاش دلوقتي حالا، يا إما هطلع من هنا وأنا واخد روحي في إيدي يا إما هاخد الشقة دي باللي فيها!
سمعت صوت تكسير.. شكلهم رموا حاجة على الأرض، يمكن الفازة اللي على الترابيزة أو التليفزيون الصغير. قلبى كان هيقف من الخۏف على يوسف.
يوسف زعق
ميتين ألف إيه يا ساري بيه!
الأسطى حامد قالي التلفيات كلها أربعين ألف وأنا دافع منهم لحد دلوقتي أكتر من عشر تلاف! حرام عليك اتقي الله.. أنا مباكلش ولا بشرب وبموت في اليوم مېت مۏتة عشان أجمع الفلوس دي!
الأسطى حامد ده يبل الكلام ده ويشرب مېته! ساري رد بعصبية وصوت عالي، وكمل أنا عربيتي أحدث موديل، والتوكيل قالي المبلغ ده.. وبما إنك معندكش ډم ولا عندك فلوس تسدد.. يا رجالة، فتشوا الشقة دي، أي حاجة تقع تحت
إيدكم تسوى قرشين خدوها، شاشات، دهب المدام، أي حاجة!
أول ما سمعت كلمة دهب المدام وفتشوا الشقة، حسيت إن الدور جاي عليا. بصيت حواليا في الأوضة بړعب. مكنش عندي دهب كتير، هما كام غويشة وخاتم وراهمالي أمي، بس الفكرة نفسها رعبتني. والأخطر إنهم لو دخلوا الأوضة وشافوني.. يوسف ممكن ېموت فيها لو حد لمسني.
سمعت يوسف پيصرخ برة وبيدخل في خناقة معاهم
إلا الأوضة دي! محدش يدخل هنا.. على چثتي لو حد خطى خطوة واحدة ناحية جوة!
صوت ضړب.. وسحل.. وصوت يوسف وهو بيتأوه من الۏجع. كانوا بيضربوه!
تلاتة ولا أربعة بلطجية نازلين ضړب في راجل واحد شقيان وتعبان ومهدود حيله من شغل المعمار طول النهار. مقدرتش أستحمل، صړخت بأعلى صوتي من ورا الباب
سيبوه! حرام عليكم سيبوه! هنعلمكم اللي انتوا عايزينه بس سيبوه!
الضړب وقف فجأة برة بعد صړيخي. وسمعت خطوات تقيلة بتقرب من باب أوضة النوم. مقبض الباب اتهز پعنف.. واحد منهم بيحاول يفتحه.
إيه ده؟ ده المدام جوة اهي وبتتفرج ع الحفلة! الصوت كان لواحد من البلطجية وهو بيضحك بسخرية.
يوسف صړخ بصوت ضعيف وواضح إنه مجروح ومتدشدش من الضړب
ساري بيه.. أبوس إيدك.. مراتي ملهاش ذنب..
اخرجوا برة البيت وأنا هكتبلك على نفسي شيكات.. هعملك أي حاجة بس اخرجوا!
ساري رد عليه ببرود
شيكات إيه يا حيلتها؟ أنت حيلتك حاجة تضمن بيها الشيكات؟ افتحي يا مدام بدل ما نكسر الباب ده هو كمان ويبقى شكله مش حلو قدام الجيران.
كنت واقفة ورا الباب، بجسم بيترعش كأني في وسط عاصفة تلج. في اللحظة دي بالظبط، وأنا بجهز نفسي لأسوأ سيناريو ممكن يحصل في حياتي.. سمعنا كلنا صوت دوشة برة على السلم.. وصوت رجالة كتير وصړيخ ستات من الجيران.
وصوت زعاق جهوري تاني طالع من على السلم
جرى إيه يا حارة من غير راجل؟
سايبين البلطجية يتهجموا على بيوت الناس في وسط الليل؟ أوعى أنت وهو من وشي!
الباب الخارجي للشقة انفتح أكتر وسمعت صوت ضړب جديد بس المرة دي كان بين الجيران والبلطجية. الجيران وعيال المنطقة اتجمعوا لما سمعوا التكسير وزعاق ساري. الحارة الكبيرة اللي إحنا ساكنين فيها، رغم إننا يدوب بقالنا شهرين ومبنختلطش بحد، إلا إن شهامة ولاد البلد ظهرت في وقت الشدة.
خد هنا يا دكر أنت وهو! داخلين تتبلطجوا على عريس وعروسة في شقتهم؟ ده كان صوت عم عبده البقال اللي تحتنا.
الدنيا اتجلبت برة الصالة.. خناقة شوارع بجد، كراسي بتترمي وصوت شوم وجري..
لحد ما بدأ صوت البلطجية ينسحب برة الشقة وساري بيزعق وهو بيجري على السلم
مش هسيبك يا يوسف! وربنا ما هسيبك والبوليس والقانون بينا يا حرامي!
الهدوء رجع فجأة للشقة، مكنش فاضل غير صوت نهجان ونفس عالي. فتحت الكالون براحة وأنا إيديا بتترعش، وفتحت الباب وخرجت للصالة.
المنظر كان يصدم.. الشقة اللي كنت لسه منضفاها ومظبطاها، الكراسي مقلوبة، والترابيزة مکسورة، وحتت من الفازة الإزاز متطورة في كل مكان. وعم عبده البقال واتنين من شباب الحارة واقفين بينهجوا.
وعلى الأرض.. كان يوسف.
كان قاعد ساند ضهره على الكنبة، وشه مليان ډم..
شفته مقطوعة، وفوق عينيه ورم أحمر مخيف، وقميصه مقطوع من عند كتفه. أول ما شافني خارجة، حاول يقف بس معرفش، اهتز وقعد تاني وهو بيأن من الۏجع.
جريت عليه وارتميت تحت رجليه، مسكت وشه بإيديا وأنا بعيط وبشهق
يوسف! أنت كويس؟ رد عليا يا حبيبي.. فيك إيه؟ ورجلك مالها؟
يوسف بصلي بعين واحدة مفتوحة بالعافية، وحاول

