
الشارع كله كان يتهامس
مين دي؟! دي مراته؟!
هو الباشا اتجوز؟! ومين الست دي اللي لابسة أسود؟!
ركبها العربية الفخمة، وانطلقت بيهما للمستشفى. في خلال دقائق، كانت أكبر دكاترة المحافظة واقفين على رجل واحدة بيمحصوا الطفل ويطمنوا عادل باشا إنها مجرد دور برد شديد وسبّب سخونية، وإنه هيدوه علاج وهيتحسن في ساعات.
في أوضة الفندق الخاصة بالمستشفى، ياسر كان نايم على السرير والطفل بدأ يهدى والحرارة تنزل. ليلى كانت واقفة جنب الشباك، باصة لعادل اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة، حاطت إيده في جيبه وبيرقبها بهدوء.
قالت بصوت يرتعش من الصدمة والغضب
أنت مين يا عادل؟ أو أقول يا عادل باشا؟ ليه مثّلت عليا وعلى مرات أبايا؟ ليه دخلتني بيتك القديم ولابستني الوش ده؟ أنت بتلعب بيا ولا عايز تذلني؟
عادل قرب منها بالراحة، وابتسم ابتسامة هادية فيها حزن قديم، وقال
أنا ما لعبتش بيكي يا ليلى، ولا عمري هفكر أذل حد. أنا فعلاً عادل العطار… الراجل اللي عنده كل حاجة، بس في نفس الوقت معندوش ولا حاجة تسوى.
تنهد وقعد على الكرسي وكمل كلامه
من سنة تقريبًا، حسام الله يرحمهجوزك الأولانيكان شغال في وحدة من شركاتي.
كان جدع وأمين، وقبل ما يمـ,ـوت بأيام في الحـ,ـادثة، كان بيتكلم معايا وكان خايف عليكي وعلى ابنه من قسوة طمع مرات أباكي ومن ظروف الدنيا لو جرى له حاجة. وصاني أخد بالي منكم لو حصل له حاجة، بس هو مات فجأة.. وأنا اتأخرت في التدوير عليكوا.
ليلى فتحت بقها بذهول، وعادل كمل
لما عرفت مكانك وسألت، عرفت إن مرات أباكي عايزة تجوزك لأي حد عشان تخلص منك ومن مصاريفك، وعرفت إن ابن عمها حاطط عينه عليكي.
لو كنت جيتلك بصفتي عادل العطار الغني، مرات أباكي كانت هتبيعك بفلوس، وكانت هتفضل تتنطط عليكي وتستغلك وتتحكم في حياتك، وكنتِ أنتِ هتحسي إنك مجرد صفقة أو إحسان مني.
بص في عينيها بثبات وكمل
أنا حبيت أجيلك بصفتي راجل عادي، بسيط، عشان تختاريني أو ترفضيني لذاتي، مش عشان فلوسي. وعشان أخرجك من البيت ده مرفوعة الراس، من غير ما حد يحس إنه ليه فضل عليكِ غير ربنا. والبيت القديم ده بيت أبويا اللي اتولدت فيه، بحب أرجعله عشان أفتكر أصل لما الدنيا تخدعني.
ليلى دموعها نزلوا بس المرة دي ما كانوش دموع خوف..
كانت دموع اندهاش وإحساس بالأمان اللي جيه في وقته.
بس أنا… أنا معنديش حاجة أديها لك يا عادل. أنا أرملة ومعايا طفل وحظي قليل في الدنيا.
عادل وقف وقرب منها، ومد إيده ومسح دمعة نازلة على خدها بكل رقة
أنتِ عندك كتير يا ليلى.. عندك طيبة ونقاء عينيكم اللي بيصرخوا أمانة. وأنا مش عايز منك غير إنك تدينا فرصة نبدأ سوا.. أنتِ وياسر وأنا. نبني بيت بجد، مفيش فيه خوف ولا احتياج.
بعد يومين، ياسر خف تمامًا. وعادل خد ليلى وابنها ووداهم لفيلته الكبيرة على النيل.
فيلا واسعة، فيها جناين وخدم، بس الأهم من كل ده، كان فيها دفء وعوض ربنا اللي ملوش حدود.
عادل ما اكتفاش بكده.. في نفس الأسبوع، بعت عربيات فخمة لبيت مرات أبوها، ونزل منها محامي ومساعدين، ودفعوا لمراتها أباها الفلوس اللي كانت نصيب ليلى الشرعي في بيت أباها ومواشي أباها اللي كانت واكلتها عليها، مع تحذير قانوني حاسم إن لو اسم ليلى اتذكر على لسانها تاني بقسوة أو شر، هتوجه لها قضايا تسجنها!
مرات الأب كانت واقفة في الصالة حاطة إيدها على بقها مش مصدقة، العريس الفقير المعدوم اللي رمتهوله عشان تخلص منها، طلع الباشا الكبييير اللي يقدر يشتري الناحية كلها بفلوسه! ابن عمها اللي كان بيتمنالها الشر اكمش وخاف ومبقاش يقدر يرفع عينه في الشارع.
مرت السنين… وليلى عاشت مع عادل ملكة، مش بس عشان الفلوس والنعمة، بس عشان الراجل ده حطها هي وابنها في عينيه. ياسر كبر وهو بيناديه بابا عادل، وعادل كان بيكتب أراضي وشركات باسم ياسر كأنه ابنه البكر بالضبط.
وفي ليلة جميلة، كانت ليلى واقفة مع عادل في جنينة الفيلا، بتفرج على ياسر وهو بيلعب بالكرة فرحان، قربت منه وراحت ماسكة إيده وابتسمت وقالت
عارف يا عادل؟ الليلة اللي خرجت فيها معاك من بيت مرات أبايا بالشنطة القديمة، كنت فاكرة إني ماشية في طريق ضلمة وشيء مجهول…
عادل بص لها بحب، وضغط على إيدها وقال
وعرفتِ إيه دلوقتي؟
ردت وهي حاسة بقمة الرضا والسلام النفسي
عرفت إن ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بالأحسن.. وإن ساعات الطريق الضلمة بيبقى هو السكة الوحيدة اللي بتوصلنا للنور!

