
الجزء الثاني
البيت فجأة بقى ساكت… ولا صوت غير تكة الساعة القديمة، وصوت الحنفية وهي بتنقط نقطة ورا نقطة. عصام فضل باصص في الأرض، لأول مرة يحس إن كل كلمة قالتها نادية وقعت عليه كأنها حجر. كان ناوي يرد… يقول أي حاجة… لكنه ملقاش. بعد شوية قال بصوت واطي: — “أنا… عمري ما فكرت فيها بالطريقة دي.” نادية ابتسمت ابتسامة باهتة. — “ما هو ده اللي واجعني يا عصام… إنك عمرك ما فكرت.”
وسابته ودخلت أوضة جنى. البنت كانت نايمة وهي حضنة كشكول الواجب. نادية شالت الكشكول من تحت إيديها، وغطتها كويس، وبعدين دخلت الحمام تغسل وشها. وقفت قدام المراية. بصت لنفسها. شعراها مربوط بأي كلام… هالات سودا تحت عينيها… إيديها مليانة آثار وخز الإبر. افتكرت إنها آخر مرة دخلت كوافير كانت قبل فرح بنت خالتها… من أربع سنين. اتنهدت وقالت لنفسها: — “أنا حتى نسيت شكلي.” — في الصالة… فضل عصام قاعد لوحده.
لأول مرة بص للشقة بعين مختلفة. طبق الغدا لسه في الحوض. الغسيل متكوم. شنطة جنى مفتوحة. هدومه اللي كان راميها الصبح على الكنبة لسه مكانها… وفجأة افتكر… الصبح وهو خارج، نادية كانت بتحضر الفطار بإيد، وبتسرح شعر جنى بالإيد التانية، وبترد على صاحبة الأتيليه في الموبايل وهي بتقول: “حاضر يا مدام… هخلص الأوردر النهارده.” وساعتها… هو خد الساندويتش ومشي… ولا حتى قال لها “صباح الخير.” بلع ريقه بصعوبة. وقام من مكانه.
دخل المطبخ. وقف قدام الحوض. بص للأطباق. مد إيده وفتح الحنفية. في اللحظة دي خرجت نادية من الحمام، وشافته. اتجمدت مكانها. — “بتعمل إيه؟” بصلها وهو ماسك إسفنجة المواعين بطريقة مضحكة، كأنه أول مرة يشوفها. — “بغسل.” رغم زعلها… ضحكت غصب عنها. — “إنت عمرك ما غسلت طبق.” ابتسم بإحراج. — “يبقى جه الوقت.” فضل يغسل وهو بيبوظ أكتر ما بينضف. رغوة الصابون مالية هدومه. وكوباية زجاج وقعت من إيده واتكسرت.
نادية جريت ناحيته. — “سيب… هتجرح نفسك.” لكن عصام هز راسه. — “لا… سيبيني أجرب.” — تاني يوم… في الشركة… كان عصام قاعد مع زميله “سامي”. حكى له اللي حصل. سامي ضحك وقال: — “أهو مراتك قالت الصح.” استغرب عصام. — “إنت كمان؟” رد سامي وهو بيشرب الشاي: — “إنت فاكر مراتي ليه بتهتم بنفسها؟ لأنها بتشتغل أربع ساعات من البيت، وأنا كل يوم بطبخ يومين في الأسبوع، وبودي الولاد التمرين.”
عصام عقد حواجبه. — “إنت بتطبخ؟” — “آه… هو الرجولة بتتقاس بعدد الأطباق اللي الراجل ميغسلهاش؟” الجملة فضلت ترن في ودنه باقي اليوم. — بالليل… رجع البيت بدري على غير عادته. وفي إيده كيسين كبار. نادية فتحت الباب باستغراب. — “خير؟” ناولها الكيس الأول. كان فيه أكل جاهز من المطعم اللي هي بتحبه. والكيس التاني… علبة صغيرة ملفوفة بشريطة. فتحتها. طلعت منها قسيمة اشتراك شهر كامل في كوافير قريب من البيت، ومعاها ظرف فيه مبلغ بسيط.
قال بخجل: — “عارف إنه مش هيخلينا زي إيهاب وياسمين… بس ده اللي أقدر عليه دلوقتي.” نادية بصت له وسكتت. كمل وهو بيحاول يلاقي الكلمات: — “ومن بكرة… هنقسم الشغل بينا.” رفعت عينيها وقالت بهدوء: — “الكلام سهل يا عصام.” هز راسه. — “عارف… عشان كده مش هطلب منك تصدقي كلامي… استني تشوفي أفعالي.” ولأول مرة من شهور… قعدوا يتعشوا سوا من غير مقارنة… ومن غير ما حد يحسس التاني إنه أقل.
لكن في نفس اللحظة… حكايات منــال عـلـي على الناحية التانية من المدينة… كانت ياسمين قاعدة في أوضة نومها، بتفك الميكب قدام المراية، وعينيها حمرا من العياط. دخل إيهاب وهو ماسك الموبايل بعصبية. وقال بحدة: حصري على صفحه روايات واقتباسات — “هو ينفع اللي عملتيه النهارده قدام الضيوف؟” لفت تبصله باستغراب. — “عملت إيه؟” رمى الموبايل على السرير. — “الرسالة دي وصلتلي من البنك… إنتِ صرفتي مية وخمسين ألف جنيه من غير ما تقوليلي!”
ياسمين بصت للرسالة… حكايات منــال عـلـي وبعدين رفعت عينيها وقالت كلمة واحدة غيرت كل حاجة: — “لأن الفلوس دي… فلوسي.” يتبع…



