
انحنت راشيل للأمام قليلًا. هل ذكر أي رحلة تحديدًا أثناء حديثه مع والدتك في تلك الليلة؟
أغمضت سارة عينيها، تحاول اختراق ضباب ذاكرة الطفولة البعيدة. كانت في السابعة، مختبئة أعلى السلم، تعانق د.ميتها، بينما صوت والدها بدا غاضبًا بطريقة لم تعهدها من قبل.
قال إنها رحلة دنفر، فتحت عينيها. قال إن أحدهم يستخد.م الرحلات التجارية لشيء آخر. شيء خاطئ. وأمي طلبت منه أن يبتعد، لكنه قال إنه لا يستطيع.
تبادلت راشيل وجيمس نظرة سريعة، مليئة بالقلق الصامت الذي لم يحتج إلى كلمات إضافية لتفسيره أو فهم دلالته الواضحة.
آنسة فانس، هل تعرفين إن كان والدك يحتفظ بسجلات أو ملاحظات توثق ما اكتشفه خلال عمله في تلك الفترة؟
مكتب التحقيقات الفيدرالي أخذ كل شيء بعد اختفائه، وأعاد معظمه لاحقًا، لكنني لم أراجعه. كان ذلك مؤلمًا جدًا بالنسبة لي.
استقامت سارة في جلستها، وغلبت مهنيتها كصحفية على حزنها. لكن الصناديق لا تزال لدي. كلها محفوظة داخل وحدة التخزين الخاصة بي منذ سنوات طويلة.
وقفت راشيل فورًا. أود فحصها إذا لم تمانعي. ما وجده والدك أدى إلى مقــ . ـــتله، وبعد ستة وثلاثين عامًا، يظن الفاعل أنه في مأمن.
نظرت سارة إلى الصورة مرة أخرى، ثم قالت بهدوء لن يكونوا في مأمن بعد الآن، ليس بعد ما بدأنا نكتشفه اليوم.
كانت رائحة الكرتون والزعتر تملأ وحدة التخزين. سحبت سارة السلسلة المعلقة، فاشتعل مصباح عارٍ، كاشفًا صفوف الصناديق التي تحمل تاريخ اختفاء والدها.
وقفت راشيل وجيمس عند الباب، تاركين لسارة زمام المبادرة. كان المكان أشبه بمحراب صامت، تحتفظ فيه ابنة بكل ما تبقى من لغز لم يُحل.
صناديق ال على اليسار، قالت سارة، والمتعلقات الشخصية على اليمين. حرصت على الفصل بينهما منذ البداية حتى لا تختلط التفاصيل.
سحبت صندوقًا مكتوبًا عليه صندوق مُعاد من مكتب التحقيقات الفيدرالي 1989، ووضعته على طاولة معدنية صغيرة، كانت تستخد.مها نادرًا حين تضطر لمواجهة الماضي المؤلم.
في الداخل، كانت دفاتر الطيران الخاصة بوالدها، سجلات دقيقة لكل رحلة. كان مايكل توريس شديد الدقة، يسجل كل شيء بتفصيل يكاد يكون هوسيًا.
ارتدت راشيل قفازات وبدأت تقلب الصفحات بعناية. كل صفحة تحوي التاريخ، رقم الرحلة، المسار، نوع الطائرة، والظروف الجوية، إضافة إلى أي ملاحظات غير اعتيادية.
حتى أكتوبر 1987.
هنا، قالت راشيل، الكتابة تتغير. أصبحت أسرع، وهناك ملاحظات جانبية لم تكن موجودة سابقًا.
اقترب جيمس، مسلطًا ضوء هاتفه على النص الصغير المكتوب بخط مضغوط بالكاد يُقرأ بوضوح.
رحلة 227، شيكاغو إلى دنفر وهناك ملاحظة. هل يمكنك قراءتها بوضوح يا سارة؟
اقتربت سارة، وحدقت في الخط.
اختلاف في قائمة الركاب. المقعد 14C مشغول ولا يوجد سجل صعود.
ساد الصمت بينهم للحظات ثقيلة، وكأنهم يدركون أن ما يقرأونه ليس مجرد خطأ إداري بسيط كما يبدو ظاهريًا.
لاحظ وجود شخص على متن الطائرة دون تسجيل رسمي، قال جيمس. هذا مستحيل دون مساعدة من الداخل.
ليس مستحيلًا إذا كان هناك من يساعده، ردت راشيل بهدوء.
قلبت الصفحة.
30 أكتوبر الرحلة 227.
14C مرة أخرى. نفس الراكب. تحدثت مع تشين. يراه أيضًا.
ديفيد تشين كان مساعده الدائم، قالت سارة. كانا يعملان معًا بانتظام على هذا المسار أسبوعيًا تقريبًا.
تابعت راشيل القراءة.
3 نوفمبر
تم عد الشحنة. اختلاف 200 رطل. الراكب في 14C يحمل حقيبة كبيرة غير مسجلة ضمن النظام.
10 نوفمبر
تشين يوافق. يجب الإبلاغ. لكن لمن نثق؟
13 نوفمبر
لقاء في الفندق قبل الرحلة. تشين لديه دليل واضح هذه المرة.
ثم توقفت راشيل عند الصفحة الأخيرة
لم تكن هناك كتابة، بل ورقة صغيرة مطوية بعناية، مخبأة داخل الغلاف الخلفي.
ورقة كادت أن تظل غير مرئية إلى الأبد لولا الصدفة.
وعند.ما فتحتها تغيّر كل شيء.
كانت آخر ملاحظة مؤرخة في الرابع عشر من نوفمبر عام 1987، يوم اختفائهما، لكنها لم تكن داخل دفتر السجلات، بل كُتبت على ورقة منفصلة، مطوية ومخبأة داخل الغلاف الخلفي، تكاد لا تُرى.
ارتجفت يدا سارة وهي تفرد الورقة ببطء، وكأنها تخشى ما قد تحمله الكلمات، بينما كان قلبها يتسارع، وإحساس غامض يخبرها أن ما ستقرأه سيغير كل شيء.
كان الخط متسرعًا، غير منتظم، يحمل ارتباكًا واضحًا، وكأن كاتبه لم يكن يملك وقتًا كافيًا، أو كان يكتب تحت ضغط وخوف لا يسمحان بالتفكير أو التردد.
إذا كنت تقرأ هذا، فهناك خطأ ما. الرحلة 227 تُستخد.م لنقل شيء غير قانوني، والراكب في المقعد 14C ليس راكبًا عاديًا، بل مجرد ناقل لشيء غامض.
لا أعرف ما الذي يحمله، لكنه ثقيل وباهظ الثمن، وهناك
أشخاص مستعدون للقــ . ـــتل من أجل حمايته، مهما كان الثمن، ومهما كانت العواقب التي قد تترتب على ذلك.
قمت أنا وتشين بتوثيق كل شيء، وكنا سنسلمه اليوم لهيئة الطيران، لكن هناك من يعلم، شخص داخل الشركة يعرف أننا اكتشفنا الأمر ولم نعد صامتين.
رن هاتف الفندق في الثالثة صباحًا، لم يتحدث أحد، لكن كان هناك صوت تنفس واضح، وغرفة تشين تلقت الاتصال نفسه، مما يعني أن الأمر لم يكن مجرد صدفة.
سنذهب إلى المطار مبكرًا، وسنحاول الوصول إلى جهة فيدرالية قبل موعد الرحلة، وإن لم ننجُ، فابحثوا عن الصور، لقد أخفاها تشين في مكان آمن.
البوابة 17.
تحت
توقفت الملاحظة عند هذه الكلمة، وكأن شيئًا ما قاطعه فجأة، أو أن الوقت لم يسعفه لإكمال ما بدأه، تاركًا خلفه نصف حقيقة أخطر مما تبدو.
تشوش بصر سارة، وهمست بصوت خافت لقد كان يعلم كان يعرف أنهم في خطر، ومع ذلك واجه الأمر ولم يتراجع أو يحاول الهروب.
التقطت راشيل صورًا دقيقة للملاحظة، ثم لسجلات الرحلات، قبل أن تنظر إلى سارة وتسأل بهدوء البوابة 17 هل تعني لكِ شيئًا محددًا أو مكانًا تتذكرينه؟
كانت بوابتهم المعتادة لرحلات دنفر، قالت سارة، لكن المطار تغيّر كثيرًا منذ ذلك الوقت، والبوابة لم تعد موجودة ضمن التصميم الحالي بعد كل تلك التعديلات.
كان جيمس يتصفح هاتفه بسرعة، يبحث في مخططات قديمة للمطار، ثم رفع رأسه فجأة، وملامحه متجهمة، وكأنه وصل إلى نتيجة لم يكن يتمنى الوصول إليها.
في عام 1987، كانت البوابة 17 ضمن الكونكورس B، وهذا الجزء بالكامل أُعيد بناؤه عام 1995، ولم يعد كما كان في ذلك الوقت.
نظر إليهما بجدية، ثم قال الهنجر 7B كان منشأة الصيانة الخاصة بنفس الكونكورس، ما يعني أن الموقعين مرتبطان بشكل مباشر وليس مجرد صدفة.
بدأت الصورة تتشكل ببطء، لكن أجزاءً منها ما زالت غامضة، غير مكتملة، تخفي تفاصيل مقلقة، وتجعل الحقيقة تبدو أكبر وأخطر مما كانوا يتوقعون منذ البداية.
فكرت راشيل في الغرفة المغلقة، في رجلين تُركا ليمــ . ــوتا ببطء في الظلام، بينما الحياة فوقهما كانت مستمرة بشكل طبيعي، وكأن شيئًا لم يحدث أبدًا.
تشين أخفى الصور بالقرب من البوابة 17، قالت راشيل، ووالدك كان على وشك كتابة المكان تحديدًا، لكن أحدهم أوقفه قبل أن يكمل ما بدأه.
ساد صمت ثقيل للحظات، لكنه لم يكن صمت حيرة هذه المرة، بل صمت بداية إدراك، حيث بدأت الخيوط المبعثرة تتجمع أخيرًا في صورة أكثر وضوحًا.
قال جيمس ببطء، وكأنه يزن كلماته بعناية
إذا كانت الحظيرة 7B تابعة لنفس الكونكورس فهذا يعني أن ما حدث لم يكن عشوائيًا كما كنا نظن.
نظرت إليه راشيل باهتمام. ماذا تقصد؟
أجاب وهو يزفر ببطء
أقصد أنهما لم يُنقلا إلى مكان آخر لقد تم احتجازهما داخل المطار نفسه منذ البداية.
تجمدت سارة في مكانها، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
كل هذا حدث هنا؟ تحت نفس السقف؟
لم يُجبها أحد، لكن الصمت كان كافيًا ليؤكد الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامهم.
قالت راشيل بنبرة هادئة
الشخص الذي فعل هذا كان يملك صلاحية كاملة للتحرك داخل المطار دون إثارة الشبهات.
أضاف جيمس
وليس هذا فحسب بل كان قادرًا على إغلاق غرفة كاملة دون أن يلاحظ أحد أو يطرح أي أسئلة.
توقف لحظة، ثم قال بصوت منخفض
شخص من داخل الأمن.
رفعت راشيل نظرها إليه، وعيناها تعكسان الفكرة نفسها التي خطرت له.
أو ربما أعلى من ذلك.
عند هذه اللحظة، بدأت الصورة تكتمل.
قالت سارة فجأة، وكأنها استعادت ذكرى مهمة
والدي قال إن هناك شخصًا داخل الشركة يعرف.
نظرت إلى راشيل مباشرة
لم يكن يتحدث عن موظف عادي بل عن شخص يملك سلطة حقيقية.
ساد صمت قصير، قبل أن تقول راشيل ببطء
مدير أمن المطار.
كان للاسم وقع ثقيل في الهواء.
نظر جيمس إليهما، وقد تغيرت ملامحه بوضوح
جيرالد سامرز
همست سارة
هل هو من فعل ذلك؟
أجابت راشيل بهدوء حازم
هو من أمر به.
ثم أضافت
لكننا ما زلنا نفتقر إلى الدليل القاطع.
نظرت سارة إلى الملف أمامها، ثم قالت بثقة
الصور.
هزت راشيل رأسها موافقة
نعم الصور هي ما سيكشف الحقيقة كاملة.
قال جيمس
لكن المطار تغيّر بالكامل، كيف سنجدها الآن؟
ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة، لكنها كانت واثقة
قد تتغير المباني لكن الأساسات تبقى كما هي.
نظر كلاهما إليها باهتمام.
وأضافت
إذا كان تشين قد أخفاها تحت البوابة 17 فهي ما تزال هناك، تحت ما بُني فوقها الآن.
نظر كلٌّ من راشيل وجيمس إلى بعضهما، وكأن الفكرة نفسها تشكّلت في عقليهما في اللحظة ذاتها، فكرة بسيطة لكنها تحمل مخاطرة حقيقية.
قال جيمس
الجزء الذي كانت فيه البوابة 17 أصبح الآن ضمن مبنى الرحلات الدولية، أليس كذلك؟
أومأت سارة برأسها. نعم تم إعادة بنائه بالكامل بعد 1995، ولم يعد يشبه ما كان عليه إطلاقًا.
تنهدت راشيل، ثم قالت
هذا يعني أن أي شيء أُخفي هناك سيكون الآن تحت طبقات من الخـ.. ـرسانة، أو داخل بنية لم يعد الوصول إليها ممكنًا بسهولة.
صمتت لحظة، ثم أضافت
لكن ليس مستحيلًا.
رفع جيمس حاجبيه. تفكرين في تصريح رسمي؟
هزّت رأسها. سيستغرق ذلك وقتًا، وربما يصل الخبر إلى الشخص الخطأ قبل أن نتــ. ــحرك.
قالت سارة بسرعة
إذن نتــ. ــحرك قبل أن يعرف أحد.
نظرت إليها راشيل بحدة خفيفة. هذا اقتحام لموقع فيدرالي.
أجابت سارة بثبات
وهذا أيضًا مكان جــ. . ـريمة لم يُكشف بالكامل بعد.
ساد الصمت مجددًا لكنه لم يد.م طويلًا.
قال جيمس أخيرًا
هناك ممرات صيانة قديمة لم تُغلق بالكامل بعد إعادة البناء بعض المخططات تشير إلى أنها ما زالت موجودة خلف الجدران الجديدة.


