منوعات

وانا خارجه من بيت طليقي

يا سلام عليك يا أخيتي فاطمة.. يا سلام عليكِ يا روحي، لسه حقك هيرجع بعد كل السنين دي. ويا سلام عليك يا إبراهيم، صبرت كتير وكنت أهل للثقة، ما توقعتش إنك تفضل تحمل الأمانة دي لحد ما تلاقي من يسلمها له. تعرفي يا مريم؟ أنا كنت عارف إن هانم مش سليمة النية، وكنت بطالب إبراهيم يخلّي الحق في مكانه، بس كان يقول لي خاېف على حسن، خاېف تعور فيه أو تقتله، فكنت بسكت وأدعيلهم. وده العجب، إنها لسه طردتك وانتِ اللي أهل الأمانة والصبر.
قلت له والحاج إبراهيم.. هو لسه في البيت؟ هو بخير؟

هز راسه بحزن وقال
يا بنتي، إبراهيم ماټ من سنة ونص.. ومحدش بلغني ولا دعاني لجنازته، عرفت بالصدفة من جار لهم. هانم خاڤت إنى أجى وأطالب بالحق، فخبأت الخبر عني، وادعت إنه ماټ فجأة ومحدش عارف له سبب. وكنت شايف إنها خاڤت منه لحد وهو مېت، ولهذا ما قدرتش تخلص من الأوراق اللي كان مخبيها، فسلمها لك عشان تفضحها وترد الحق، وهو كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة مش هتسكتي.
كلامه صعقني!

يعني الراجل كان عارف إنه قريب من المۏت، فخبا الأوراق في الكيس، وطلب مني الطلب ده عشان يوصل الأمانة لصاحبها، ويعرف إن أنا مش هخون الأمانة مهما حصل. كنت حاسة إن روحه كانت معايا في اللحظة دي، وإنها بتشكرني لإنى وصلت للأمانة لمكانها الصحيح.
بقينا نتكلم سوا، وقررنا إننا نروح مع بعض لمكتب محامٍ نثبت صحة الأوراق، ونعمل إجراءات استرداد حق حسن، وبعدين نكلم حسن ونعرفه كل الحقيقة. الحاج كمال قال لي
أنا عارف محامٍ شريف وثقة، اسمه المحامي كريم، مكتبه في العباسية، وهيروح معانا خطوة بخطوة، ومش هيسمح لحد يأكل حق اليتيم، ولا يظلم حد مهما كان نفوذه.

بقيت مع الحاج كمال كام يوم، هو ومراته الست زينب عاملوني كأني بنتهم، وطمنوني وكلمني كلام طيب خلى قلبي يرتاح. وفي اليوم الثالث، رحنا لمكتب المحامي كريم، وبص على الأوراق وقال
الأوراق دي سليمة وموثقة، والتوقيع المزور واضح جداً، وهناك شهود من الجيران والذين كانوا موجودين في ذلك الوقت يثبتون أن الشقة كانت ملكاً لفاطمة، وأن هانم لم تكن إلا جارة لهم ولا علاقة لها بالورث. سوف نرفع دعوى فورية، ونستخرج تقرير خبير توقيعات، ونطلب من المحكمة إثبات ملكية حسن للشقة، وسنطالب أيضاً بحساب الإيجار طوال السنين الماضية، وكل ما تم التصرف فيه من أموال تخصه.

وخلال أيام، الدعوى اتقدمت، والخبر بدأ ينتشر في الحارة، والناس بدأت تتكلم، وكثير من الشهود جوا يثبتوا الحقيقة، لأن كل الناس كانت عارفة إن هانم مش أم حسن، بس كانوا خايفين منها ومن نفوذها، ولما لقوا الأدلة واضحة، شجعوا وقالوا الحق.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة عند الحاج كمال، الباب دق، ولما فتحوا، لقيت حسن واقف قدامي! كان شكله متغير، عيونه حمراء، ووجهه شاحب، ومش عارف يقول إيه. قرب مني شوية وقال بصوت مهزوز
مريم.. أنا آسف.. آسف جداً على كل حاجة حصلتلك.. أنا ما كنتش أعرف حاجة.. أمي..

يعني اللي كنت باعتبرها أمي، كانت بتخبي عني كل حاجة، وتقول لي إن أنا اللي غلطان، وإنك بتحاولي تاخدي مني حاجات مش بتاعتي. لما سمعت بالدعوى والأوراق، قلت لازم أجي وأقابلك، وأعرف الحقيقة كاملة منك.
بصيت له بكل هدوء، وقلت له
يا حسن، أنا ما كنتش عاوزة منك حاجة غير إنك تعرف الحقيقة، وتاخد حقك اللي اتسرق منك وأنت صغير. الحاج إبراهيم أبوك، كان عارف كل حاجة، وسكت عشان خاېف عليك، وسلمني الأوراق دي عشان أردها لك، وأنا ما كنتش هقبل أخذها ولا أتصرف فيها، لأنها أمانة لك.

أنا ما طالبتش بمال ولا شقة، ولا حتى عاوزة أرجع معاك، لأن اللي حصل بينا كسر كتير، والثقة انتهت. بس عاوزك تعرف إنى طول السنين دي ما كنتش بفكر إلا في راحتك وراحة بال بيتك، وما كنتش أتمنى لك إلا الخير.
دموعه نزلت، وقال
عرفت يا مريم.. عرفت إنك طيبة وأني ظلمتك كتير، وسكت لما كان لازم أتكلم. أمي.. هانم، لما عرفت بالدعوى، حاولت تهرب، بس الشرطة ألقت القبض عليها، وسمر حاولت تتنصل وتقول إنها ما تعرفش حاجة، بس الأدلة كتير وشهود كتير. وأنا دلوقتي عاوز أرد لك حقك..

عاوز أعوضك عن كل اللي شفتيه مني ومنهم، وإن شاء الله لو سمحتلي، أكون صديقك واخوك، لأنك كنتي أهل للثقة والأمانة في الوقت اللي خانني فيه كل حد.
قلت له شكراً يا حسن، والحق اللي عليك ترده لربنا أول، وتعيش صادق مع نفسك ومع الناس، وتحافظ على حق أبوك وأمك فاطمة. أما أنا، فسأرجع للصعيد، لأهلي وناسي، وسأكمل حياتي، وربنا يختار لي الخير حيث كان.
وبعد أسبوع، صدر قرار المحكمة بثبات ملكية حسن للشقة، وثبات تزوير الورق، وحكم على الست هانم بالسجن، وسمر بتعويض مالي عن الأضرار، وكل اللي تم التصرف فيه من أملاك رجع لحسن.

حسن باع الشقة، واشترى مكان في مكان تاني، ووزع جزء من المال على الفقراء والمحتاجين، وكلمني يقول لي إنه خص لي مبلغ كبير عشان يعوضني، بس رفضت وقلت له
المال ده مش بتاعي، خليه تصرفه في الخير، وادعيلني ربنا يوفقني، ده كفاية.
يوم ما سافرت للصعيد، كان حسن والحاج كمال ومحاميه ومحمد البقال جايين يوصلوني لمحطة القطار. حسن سلم عليا وقال
شكراً يا مريم.. شكراً لأنك ردتي لي الحياة والكرامة، وكنتي سبب في إنى أعرف الحقيقة وأرجع لحقي. ربنا يوفقك ويجعل كل خطوة في حياتك سعادة وفرح، وإن شاء الله نتقابل دايماً على خير.

ركبت القطار، وبعد ما مشى، بصيت للقاهرة اللي كانت لي فيها ذكريات حلوة ومرة، وقلت في نفسي الحق مهما طال الزمن بيظهر، والظلم مهما كبر بيندثر، والصبر مهما كان مر فآخرته حلوة. وكنت عارفة إن اللي حصل ده مش نهاية، هو بداية جديدة، وإن ربنا مع الصابرين دايماً.
وصلت للصعيد، واستقبلوني أهلي بفرح ودموع، وحسيت إنى رجعت لمكاني الصحيح، بين الناس اللي بتحبني وتقدرني.

وبعد فترة، بدأت أعمل مشروع صغير بسيط، ببيع منتجات يدوية وملابس تقليدية بنصنعها بنفسنا، وبدأت حياتي تضحك من تاني، ونسيت الألم، وفضل معايا العبرة إن الكرامة أغلى من كل مال، والأمانة أمانة، وإن مهما كان الظلم قوي، فالعدل رب العالمين أقوى منه.
وبعد سنين، سمعت إن حسن أسس جمعية
خيرية باسم أمه فاطمة، بترعى الأيتام والمحتاجين، وساعد كتير من الناس، وفضل دايماً يذكرني بالخير، ويدعيلني. وعرفت إن الست هانم لما كانت في السچن، تابت واعترفت بكل حاجة، وقالت إنها غلطت وندمت، وسألت تسامحني، وقلت سامحتها، لأن التسامح أجمل ما في الإنسان، والدنيا فانية والآخرة باقية.

وأنا دلوقتي، عايشة هنا في الصعيد، في سلام وسکينة، وكل ما أتذكر الحكاية، أضحك وأقول سبحان من بيدبر الأمور، ما كنتش أعرف إن الكيس اللي طلعته لي حمايا هيعوضني خير كتير، ويرد الحق لصاحبه، ويثبت إن الخير دايماً بيغلب، وإن من يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى