منوعات

عم حسن

في آخر القاعة كان عم حسن قاعد بهدوء، ولابس نفس البدلة اللي كان بيلبسها في المناسبات الكبيرة. أول ما أحمد شافه قرب منه وقال بانفعال: “إيه اللي إنت بتعمله ده يا بابا؟ هتوديني في داهية عشان خناقة حصلت في البيت؟”عم حسن بصله وقال بهدوء: “أنا ماوديتكش في داهية… إنت اللي مشيت برجلك.” الأستاذ شريف فتح الملف وقال: “قبل ما نبدأ، لازم الكل يسمع تسجيل.” ضغط على زر، واشتغل تسجيل من كاميرات المكتب الرئيسي للشركة.

ظهر أحمد وهو بيدي أوامر للمحاسب يطلع فلوس من حسابات الشركة لحسابات تانية، وظهر وهو بيقول: “أبويا كبر وخرف… قريب كل حاجة هتبقى باسمي.” وبعدين ظهر تسجيل تاني لنسرين وهي بتقول لصاحبتها: “أول ما العم حسن يوقع على نقل الأملاك، هنبعته دار مسنين ونخلص.” القاعة كلها سكتت. وش عم حسن ما اتغيرش… لكن أحمد حس إن رجليه مبقتش شايلينه. بص لمراته بصدمة. “الكلام ده حصل؟” نسرين ارتبكت وقالت: “أنا… أنا كنت بهزر.”

عم حسن طلع نفس طويل وقال: “الهزار اللي فيه خيانة عمره ما كان هزار.” بعدها فتح الأستاذ شريف الوصية. وقال: “طبقًا لوصية المرحومة أم أحمد، كل أملاك الأسرة تفضل باسم صندوق عائلي، ولا يحق لأي شخص يتصرف فيها إلا إذا أثبت أمانته وإدارته السليمة.” ثم أخرج تقرير المراجعة المالية. “وبعد مراجعة الحسابات، ثبت وجود اختلاسات وتحويلات غير قانونية، لذلك تم عزل الأستاذ أحمد من إدارة جميع الشركات.” أحمد وقع على الكرسي وهو مش مستوعب اللي بيسمعه.

قال بصوت مكسور: “أنا ابنك يا بابا.” رد عم حسن وعينه مليانة دموع: “وأنا كنت فاكر إن ابني عمره ما هيبيع أبوه.” سكت لحظة، ثم كمل: “أنا كنت ناوي أكتب كل حاجة باسمك… لكن يوم ما طلبت مني أخدم مراتك أو أمشي من بيتي، عرفت إن اللي ربيته سنين مات جواك.” نسرين قامت تصرخ: “إحنا هنرفع قضية!” المحامي ابتسم وقال: “اتفضلي… بس الأول جاوبي النيابة على الفواتير المزورة وتحويلات الحساب.”

أول ما سمعت كلمة “النيابة”، وشها اصفر. بعد أسبوعين، بدأت التحقيقات الرسمية. اضطرت نسرين تبيع عربيتها وتسدد جزء من المبالغ اللي صرفتها بدون وجه حق، واتمنعت من التصرف في أي أموال تخص الشركة. أما أحمد، فخسر منصبه، وخسر ثقة كل الناس اللي كانت بتشتغل معاه. أصحابه بعدوا عنه، وكل واحد كان بيقوله نفس الجملة: “اللي يعمل كده في أبوه… يعمل إيه في الغريب.” عدت شهور. وفي يوم، راح أحمد للفندق اللي كان أبوه لسه عايش فيه.

خبط على الباب. فتح عم حسن، ولأول مرة شاف ابنه واقف من غير بدلة غالية ولا عربية فخمة ولا تكبر. أول ما شافه، أحمد نزل على ركبته. “سامحني يا بابا… أنا كنت أعمى.” عم حسن فضل ساكت ثواني، وبعدين رفعه من على الأرض وقال: “أنا سامحتك من يوم ما خرجت من البيت… لكن الثقة، دي لازم ترجعها بأفعالك مش بكلامك.” بعد سنة كاملة، أحمد اشتغل من أول وجديد في أحد فروع الشركة كموظف عادي، من غير أي امتيازات.

كان بيحضر بدري، ويمشي آخر واحد، ويتعامل مع الناس باحترام، وكل قرش بيصرفه كان بيحاسب نفسه عليه قبل أي حد. وفي يوم، دخل عم حسن الشركة من غير ما حد يعرف. وقف يراقب ابنه من بعيد، وشافه بيساعد عامل بسيط يشيل كراتين، وبعدها اعتذر لعميل عن غلطة موظف تاني وهو مبتسم. ابتسم عم حسن لأول مرة من شهور. لف للأستاذ شريف وقال: “دلوقتي أقدر أقول إن ابني رجع.” وبعد أيام، استدعى أحمد للمكتب.

ناولُه ظرف صغير. فتح أحمد الظرف، فلقى قرار بتعيينه مديرًا للشركة من جديد، ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط إيد أبوه: “الفلوس ممكن تتبني في سنين… لكن الأخلاق هي اللي بتحافظ عليها. النهارده أنا مش بس رجعتلك شغلك… أنا رجعت واثق إن الراجل اللي قدامي يستحق يحمل اسمي.” قرأ أحمد الرسالة وهو بيبكي، وقام حــ,,ـــــضن أبوه لأول مرة من سنين طويلة. أما نسرين، فاختارت الطلاق بعد ما عرفت إن الطمع هو السبب الحقيقي في ضياع كل اللي كانت بتحلم بيه، ورحلت من حياته من غير ما تاخد جنيه واحد من ثروة العيلة.

وانتهت الحكاية بدرس عمر عم حسن ما نسيه: البيت اللي يتبني على الاحترام يفضل واقف، لكن البيت اللي يقوم على الطمع… أول عاصفة بتوقعه.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى