منوعات

مايا والعقرب

​دخلوا تلات رجالة بجسام قوية ولابسين بدد سودا، ووقفوا على الجنبين زي الحراس، وبعدها.. دخل هو.
​بخطواته الواثقة المنتظمة، وهيبته الطاغية اللي بتجبر الكل يبص له. كان لابس بدلة سودا كاملة، ملامحه الحادة والصارمة كانت خالية من أي تعبير، وشه كان ينطق بالشر والسيطرة.
​أول ما عاصم شافه، وقف على رجليه وهو بيترعش، وصوته طلع متحشرج: ​”صـ.. ص؟ صخر ؟”

​صخر مبصش لعاصم نظرة كاملة حتى، مشي ببرود شديد وقعد على الكرسي الرئيسي في الصالة، حط رجل على رجل، وطلع ولاعة دهبية وولع سجارة، ونفخ الدخان ببطء وهو بيتأمل المكان، وكأنه صاحب المكان والناس اللي فيه مجرد ضيوف غير مرغوب فيهم.

​إلهام صرخت بغضب وهي مش فاهمة حاجة:
​إزاي تدخل بيتنا بالمنظر ده؟ عاصم.. مين الجدع ده؟
​صخر وجه نظره لعاصم، وابتسامة سخرية باردة اترسمت على شفايفه:
​”قول لمراتك يا عاصم بيه.. قول لها الشركات والأراضي والفلوس اللي كنت عايش فيها طول السنين اللي فاتت دي بقت ملك مين دلوقتي؟ إنت افلست يا عاصم.. وكل حاجة سـ,ـرقتها زمان بقت ملكي حتى البيت دا عشر دقايق تكونوا اتبخرتوا من هنا.

​عاصم نزل على ركبه قدام صخر بقلة حيلة وهو بيبكي وبيتفادى عيونه المخيفة:
أنت خد كل حاجة يا عاصم بس البيت دا مش ملكي لوحدي.
​
​صخر رفع حاجبه ببرود ونفخ الدخان في وش عاصم:
​”مش ملكك؟ وإنت من امتى بتعرف الحلال والحرام يا عاصم؟” ​عاصم شاور بإيده المرتعشة ناحية مايا اللي كانت واقفة ورا العمود بتترعش، وقال بسرعة وكأنه بيحاول ينقذ نفسه: ​”والله العظيم ما ملكي! الفيلا دي بتاعة أخويا الله يرحمه.. دي ورث بنته مايا! أنا ماليش فيها غير النصيب الأصغر، واحنا قعدين معاها هنا.. يعني متقدرش تاخدها في وسط ديوني، دي ملك البنت اليتيمة دي!”

​صخر لف وشه ببطء، ونظراته السودا الحادة اتنقلت من عاصم لعند مايا. عينيه لمعت بلمعة غريبة.. لمعة خبيثة وقاسية جداً. بص لمايا من فوق لتحت، وافتكر رعبها منه الفجر وافتكر تلسكوبها. ​صخر وقف بطوله الفارع، ومشي بخطوات بطيئة لغاية ما بقى واقف قدام مايا بالظبط. هي نزلت راسها الأرض وهي بتترعش من قربه وهيبته اللي بتخنق الأنفاس، فمد إيده القوية، وبأطراف صوابعه رفع دقنها لفوق بجفاء وقسوة، وخلاها تبص في عيونه بالعافية.

​همس بصوت واطي ومسموع ليها هي بس، وابتسامة خبيثة على وشه:
​”يعني طلعتي إنتي صاحبة البيت يا قطة؟”
​التفت صخر لعاصم، وقال بنبرة صارمة مفيهاش مجال للنقاش:
​”إنت ومراتك قدامكم عشر دقايق بالظبط.. تاخدوا هدومكم وتغوروا من أملاكي اللي برة. والفيلا دي.. أنا أخد نصيبك ونصيب البنت، أو بالأصح.. هاخد الفيلا باللي فيها.” ​عاصم بصدمة: “يعني إيه؟” صخر ساب دقن مايا بقسوة رمتها لورا خطوة، وقال وهو بيبص لها بنظرة كلها تحدي وسيطرة:

​”يعني إنتو هتمشوا.. والبنت دي هتفضل هنا في بيتها.. معايا. هعلمها إزاي تدفع تمن المراقبة صح.” ​
​مرت العشر دقايق وكأنهم جنازة. إلهام وعاصم كانوا بيلموا هدومهم في شنط بسرعة وجنون، والخوف من رجالة صخر اللي واقفين على الباب مسيطر عليهم.
عاصم مكنش قادر حتى يبص في عين مايا؛ باع لحمه وبنت أخوه اليتيمة في ثواني عشان ينجد بجلده من المـ,ـوت.
مايا حاولت تتحرك من مكانها تمشي معاهم وقف لها الصخر قدامها مانعها من التحرك.

​أول ما عاصم وإلهام خرجوا بالشنط صخر رمى السجارة من إيده وداس عليها بجزمته، وتحرك بخطوات بطيئة وواثقة ودخل الفيلا وعلى ثغره ابتسامه ماكرة. ​قفل الباب وراه بالمفتاح. الصوت تكة القفل—كان بالنسبة لمايا زي صوت حكم الإعدام. اتنفضت ورجعت لورا لغاية ما لزقت في الحيطة. ​صخر قلع جاكيت البدلة ورماه على الكنبة بإهمال، وفك أول زرارين من قميصه الأسود، وبص لها بنظراته الحادة الساخرة: ​”امسحي دموعك دي.. مبحبش النكد.”

​صوتها طلع مرعوب ومبحوح وهي بتبكي وشخصيتها المهزوزة مخلياها مش قادرة تقف ثابتة:
​”أنا.. أنا عايزة أمشي معاهم.. سيبني أروح ورا هم، خد الفيلا وخد كل حاجة، أنا مش عايزة ورث ولا عايزة حاجة!” ​ ضحك ضحكة باردة، ضحكة خلت قشعريرة تسري في جسمها كله. قرب منها ببطء، وهي بترجع لورا وكل خطوة يقربها كانت مايا بتحس إنه بيمتص الأكسجين من الأوضة.

وقف قدامها بالظبط، وبطوله الفارع وهيبته الطاغية كان مغطي عليها تماماً، باين جداً فرق الحجم والسن بينه وبينها؛ هي بنت رقيقة عندها عشرين سنة لسه مخلصة جامعتها، وهو راجل ناضج، صلب، وعاش نص عمره في وسط المافيا والإجرام.
​حط إيده على الحيطة فوق راسها، وبقى محاصرها بجسمه القوي وعيونه السودا اللي بتنطق شر: ​”تروحي فين يا قطة؟ تروحي لعمك؟ عمك باعك خلاص.. مضالي على كل حاجة نصيبه في الفيلا، وهرب برة البلد بشنطة هدومه عشان يحمي نفسه من مـ,ـوته..

أصل البلد دي مبقتش تسيعنا إحنا الاتنين، يا أنا يا هو.. وهو اختار يهرب بجلده وسابك ليا! ​بلعت ريقها بصعوبة وصدرها بيعلو ويهبط من الخوف:
​”سابني ليك؟ يعني إيه؟ دي فيلا بابا.. وأنا شريكة معاك فيها! ​شريكة؟ قالها صخر بنبرة ساخرة وقـ,ـاسية، ومد صابعه حركه على خدها المبلول بدموعها بجفاء، وبعدين ضغط على فكها ببطء وخلاها تبص في عينه:
​”ورقك دا تبليه وتشرَبي ميته.. إنتي هنا في بيتي، وتحت رحمتي. وبما إن عمك وجع أبويا زمان وداس عليه، فإنتي اللي هتسددي الفاتورة.. أنا قولتلك عايز أتسلى، وهنلعب سوا شوية.”

​من كتر الرعب والصدمة، حست مايا بإن عقلها هيقف. فجأة، ومن غير ما تفكر، زقته بكل قوتها الضعيفة والتفتت عشان تجري ناحية السلم تحاول تهرب… ​لكن صخر مكنش راجل عادي؛ بلمح البصر وبحركة سريعة ومحترفة من إيده القوية، قبض على معصمها الصغير وشدها ليه بقوة. ضهرها خبط في صدره العريض والصلب زي الصخر، وإيده التانية حوطت وسطها الصغير وحجمت حركتها تماماً وكأنها عصفورة وقعت في مصيدة فهد. ​لفت وشها ليه وهي بتصرخ بضعف ودموعها مغرقة عينيها:

​”سيبني.. سيبني أرجوك!” ​صخر قرب وشه من ودنها، وأنفاسه الحارة والباردة في نفس الوقت خلتها تتجمد. همس بقسوة لا تعرف الرحمة:
​”أنا مبحبش الحركة الكتير.. ورجلك دي لو فكرت تهرب تاني هكسرها.. فاهمة؟
بقلم مايا خالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد
​هزت راسها بسرعة برعب وهي بتترعش بين إيديه، فسابها فجأة وبَعَد عنها، وقال بنبرة آمرة وجافة وهو بيتحرك ناحية السلم:
​”اطلعي هاتيلي قهوة مظبوطة على مكتب الصالة .. قدامك خمس دقائق، لو أتأخرتي.. هتشوفي الوش التاني للعقرب

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. ​كانت إيدين مايا بتتغير لونها من كتر الرعشة وهي واقفة في المطبخ، وصوت المعلقة وهي بتقلب القهوة كان بيخبط في الفنجان زي دقات ساعة بتعد ثوانيها الأخيرة. عقلها مكنش مستوعب؛ البنت اللي كانت من كام ساعة بتراقب النجوم في هدوء، بقت دلوقتي محبوسة مع شيطان في بيت أبوها. ​شالت الصينية بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت بتحس إنها بتقرب من حتفها. طلعت السلم ووصلت للمكتب المفتوح في الدور الثاني.

​صخر كان قاعد ورا مكتب عمها القديم—المكتب اللي بقى ملكه دلوقتي. كان لابس نظارة قراءة طبية زادت ملامحه غموض، وقدامه أوراق وملفات كتير، وفي إيده سيجار كوبي ريحته نفاذة ملت الأوضة. ملامحه كانت صارمة، خالية من أي ذرة إنسانية، وشه كان ينطق بالإجرام المقنن.
​دخلت بتوجس، ونبرة صوتها طلعت مهزوزة ومكتومة: ​الـ.. الــ القهوة.
​صخر مبصلهاش، شاور بصباعه على طرف المكتب من غير ما يرفع عينه من على الورق. قربت ببطء وحطت الصينية، ولسه بتلف ضهرها عشان تجري وتستخبى في أوضتها، صوت صخر قطع السكون زي الس\كينة:

​أنا قولتلك امشي؟ ​اتجمدت في مكانها، ولفت وشها ليه ببطء وعيونها المليانة رعب بتترجاه:
​”أنا.. أنا قولت اأسيبك تشوف شغلك..” ​صخر قلع النظارة ورماها على المكتب، وسند ضهره لورا وهو بياخد نفس عميق من السيجار، وينفخ الدخان ببطء في وشها. النظرة اللي في عينه المرة دي مكنتش سخرية.. كانت الشر الحقيقي اللي اتكون جواه من سنين الشقا والمافيا برة مصر.
​”شغلي؟” قالها بصوت هادي وواطي مرعب” شغلي إني أدمر أي حد يقف في طريقي.

وعمك وقف في طريق أبويا زمان.. ودلوقتي، إنتي اللي قدامي. ​وقف بطوله الفارع وقرب منها. مايا رجعت خطوة، بس صخر فاجأها لما مد إيده ومسك فنجان القهوة، داق منه بؤ واحد، وفي ثانية.. ملامحه اتحولت لغـ,ـضب أعمى.
​مسك الفنجان ورماه بكل قوته على الحيطة اللي وراها. الفنجان اتدشدش مية حتة، والقهوة المغلية طرطشت على هدوم مايا وعلى الأرض. مايا صرخت وركبتها خانتها ونزلت على الأرض وهي حاطة إيدها على راسها وبتعيط بنهيار.

​صخر نزل لمستواها، وقبض على شعرها من ورا بقسوة وخلاها ترفع وشها المبلول بدموع الرعب ليه، وهمس وفكوكه بتتحرك من الغيظ:
​”دي قهوة دي؟ إنتي فاكراني زي الأغبية اللي كنتي بتخدميهم هنا؟ أنا صخر السيوفي.. لما أطلب حاجة تتعمل بالملي!
القهوة دي تتدلق وتتعمل غيرها..
ودلوقتي!”
​مسك إيدها المرتعشة وقام وقف، وشدها وراه بكل جفاء وقسوة وهي بتتحرك زي العروسة اللعبة بين إيديه، ونزل بيها للمطبخ تحت. رماها قدام البوتاجاز وقال بصوت حاد زي السيف:

​”قدامك دقيقتين.. لو القهوة متعملتش مظبوط، المرة الجاية الفنجان المغلّي ده هيكون على وشك الرقيق ده.. سامعة؟! ​ كانت بتشهق من الخوف، مش قادرة حتى تلمس كنكة القهوة من كتر الرعشة، وعيون صخر السودا كانت بتراقبها ببرود سادي، مستمتع بكسرتها وضعفها، وكأنه بيحرق فيها بالبطيء تمن كل سنين العذاب اللي عاشها زمان. ​كانت أنفاس مايا مسموعة في سكون المطبخ القـ,ـاتل، وصوت اصطدام “الكنكة” بسطح البوتاجاز المعدني كان يشبه صرخة استغاثة مكتومة. كانت تشعر بعيني صخر تخـ,ـترقان ظهرها، وكأنها فريسة تحت مراقبة صياد لا يرحم. حاولت وضع البن والسكر، لكن يدها خانتها وانسكب بعض البن على الرخام الأسود اللامع.

تجمدت مكانها، وتوقفت أنفاسها وهي تنتظر رد فعله. لم يتحرك من مكانه، بل ظل واقفاً خلفها مباشرة، لدرجة أنها كانت تشعر بحرارة أنفاسه ورائحة سيجاره القوية التي بدأت تخنقها. قطع السكون بصوته الأجش البارد: ​”ليكي أصحاب؟”
​اتخضت من السؤال المفاجئ، ولفت راسها نص لفتة وهي بتبلع ريقها بصعوبة:
​”لـ.. لأ.. ماليش حد.” ​صخر ابتسم ابتسامة خبيثة خالية من أي دفا:
​”أحسن.. عشان محدش يتعب نفسه ويسأل عليكي. من النهاردة، إنتي مالكيش وجود برة أسوار الفيلا دي. تليفونك، حاجتك، كل حاجة تخصك هتتسلم للحراس برة. إنتي هنا مجرد خدامة وحساب قديم وبقفله.

​في اللحظة دي، القهوة بدأت تفور. مايا اتلبكت وجت تشيل الكنكة بسرعة، بس من كتر الرعشة، مالت من إيدها والمياة المغلية والبن اتدلقوا على إيدها الصغيرة.
​”آآآه!” صرخت مايا بألم حقيقي وهي بتسيب الكنكة تقع على البوتاجاز، وحضنت إيدها المحروقة وبدأت تبكي بنهيار وجسمها كله بيتنفض. ​صخر ماتحركش من مكانه، ملامحه الصلبة والباردة ماتهزتش ولا رمش سِكت. بص لإيدها الحمراء وبص لدموعها بنظرة خالية من الرحمة، وقرب منها بخطوات بطيئة، مسك إيدها المصابة بقسوة من عند المعصم، وضغط عليها خلى دموعها تنزل زي الشلال.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى