منوعات

دم ابنى السرى

الطوارئ قفلت كل مداخل ومخارج المستشفى بعد ما تحليل دم ابني اللي عنده سبع سنين طلع إنذار سري… وكشف هوية أبوه اللي مخبيه عنه من يوم ما اتولد. وبعدها بدقايق، أخطر راجل في عالم الجريمة المنظمة في مصر نزل من الأسانسير… يا إما ينقذ ابنه، يا إما يحاسبني على اختفائي السنين دي كلها.
الساعة كانت 1117 الصبح.
كنت برتب الشامبوهات على الرفوف في محل مستحضرات تجميل في مدينة نصر، لما تليفوني رن.
مدام سلمى؟ معانا من مدرسة النيل الدولية… يوسف وقع فجأة في الفسحة، وفيه دم كتير، بس مش لاقيين أي جرح.
الموبايل كاد يقع من إيدي.

يوسف عمره ما كان طفل هادي.
كان بيطلع فوق أعلى شجرة في النادي، ويسابق بالعجلة في الشارع كأنه داخل سباق، وكل شوية يطلعلي بنظرية جديدة، مرة قال إن الفراعنة هم أول ناس اخترعوا الامتحانات!
الولد ده عمره ما يقع من غير سبب.
وصلت المدرسة، ولقيت عربية الإسعاف واقفة جوه الفناء.
يوسف ممدد على الأرض، وحواليه اتنين مسعفين، ودكتورة المدرسة إيديها كلها دم.
جريت عليه ورميت نفسي جنبه.
يوسف… حبيبي… بصلي.
فتح عينيه بالعافية.
وقال بصوت

واطي
يا ماما… أنا موقعتش.
بصيت على جسمه كله.
مفيش خربوش… مفيش كدمة… مفيش أي إصابة.
لكن الشاش اللي على بطنه كان متغرق دم.
ابتسمت بالعافية وقلت
عارفة يا حبيبي.
رغم إني ماكنتش فاهمة أي حاجة.
جوه الإسعاف، الأجهزة بدأت تصفر أسرع، والضغط بينزل بشكل مخيف.
المسعف سألني
عنده أي أمراض مزمنة؟
لأ.
في حد في العيلة عنده مشاكل سيولة أو نزيف؟
من ناحيتي لأ.
بصلي باستغراب لما اترددت.
وسأل
طيب… أبوه؟
اتجمدت مكاني.
وقلت الكدبة اللي عشت بيها سبع سنين.
أبوه…

مش موجود.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
يوسف أبوه ما ماتش… ولا اختفى.
أبوه كان سيف الدمنهوري.
الاسم اللي أول ما يتقال، ناس كبيرة في البلد بتتوتر، ورجال أعمال وسياسيين بيحسبوا كل كلمة قبل ما ينطقوها.
عرفته قبل ما أعرف حقيقته.
افتكرته مجرد رجل أعمال ناجح.
ولما اكتشفت إنه إمبراطور أكبر شبكة نفوذ وجريمة منظمة في البلد… كنت خلاص حامل.
خفت.
هربت.
غيرت اسمي.
واختفيت.
وبنيت حياة بسيطة، محدش يعرف فيها إن ابني ليه علاقة بعيلة الدمنهوري.
وصلنا مستشفى السلام الدولي.
الدكاترة خدوا يوسف جري على العمليات.

وأنا واقفة قدام الباب، ببص على الملاية وهي بتتملي دم.
وفجأة…
كل شاشات المستشفى طفت مرة واحدة.
وبعدها بثواني…
سمعنا صوت حديد بيتقفل.
كل الأبواب الرئيسية اتقفلت.
شبابيك الطوارئ اتقفلت بستائر حديد.
والأمن انتشر في كل مكان.
ومن الأسانسيرات نزل رجال أمن ببدل سودا وسماعات في ودانهم.
على الشاشة اللي جنب أوضة العمليات ظهر تنبيه أحمر
تم اكتشاف تطابق جيني سري.
تم إخطار صاحب العينة الأساسية.
بروتوكول الدمنهوري بدأ التنفيذ.
الممرضة بصتلي، ووشها قلب لونه أبيض.
وقالت وهي بتبلع ريقها
هو… هو والد الطفل مين؟

لسه هرد…
سمعنا صوت الأسانسير.
الباب اتفتح بهدوء.
ونزل سيف الدمنهوري.
حواليه رجالة حراسة مسلحين.
كان أكبر شوية من آخر مرة شوفته فيها.
ملامحه بقت أقسى.
ونظرته بقت تخوف أي حد يبصله.
وقف يبصلي ثواني…
وبعدين حول عينه على باب العمليات اللي وراه ابنه.
وسكتت المستشفى كلها.
قال بصوت هادي… لكنه كان مرعب
حرمتيني من ابني سبع سنين.
واتحرك ناحيتي خطوة.
وقال وهو بيبص في عيني
لكن لو يوسف جراله حاجة…
سكت لحظة.
…ساعتها هتعرفي الحقيقة اللي خلتني أفضل أدور عليكي طول السنين دي.

يتبع…
الدم كان بيسيل من شاش العمليات على الأرض بيضاء اللون، وكل ثانية بتمر كانت بتقربنا أكتر من حافة الكارثة.
سيف وقف قدامي مباشرة، نظراته كانت حادة لدرجة خلتني أحس إن الهوا حواليه متجمد. حط إيده في جيب جاكيت البدلة ببطء، وقال بصوت منخفض واثق، كأنه بيحسب كل كلمة
اللي بيحصل جوه مش نزيف عادي يا سلمى… دي سموم. عينة دم يوسف اترفعت على السيستم الخاص بملفات العيلة الطبية السرية أول ما دخل المستشفى، لأن جينات الدمنهوري متبرمجة في أجهزة الطوارئ الحيوية هنا من سنين. حد حاول يسممه… والسم ده بيتفاعل مع ال DNA بتاعه بس.

وقفت مصدومة ودموعي على خدودي يسممه؟! مين ممكن يعادي طفل عنده سبع سنين؟!
بصلي بسخرية مرة وغامضة مرة تانية، وقال أعدائي كتير يا سلمى… بس اللي وصل لابني في مدرسته، ودخل في دائرته، معناه إن في خائن جوه حصني الكبير. وعشان كده… الطوارئ اتقفلت على الكل.
في اللحظة دي، باب أوضة العمليات اتفتح بعنف، وطلع الجراح الرئيسي وماسك تقرير باهت وشده كله عرق.
سيف اتحرك بسرعة البرق ووقف قدامه حاله إيه؟
الدكتور بلع ريقه بتوتر وقال بتهتهة يا فندم… السم استهدف الكبد بشكل
مباشر. قدرنا نوقف النزيف المؤقت، بس الترياق الوحيد مش موجود في مصر كلها!

ده مركب بيولوجي نادر جداً بيتم تصنيعه في معامل خاصة خارج البلاد، ووقت وصوله بالشحن الطبي هياخد مش أقل من ساعة… ويوسف قدامه ربع ساعة بالكتير!
المستشفى سكتت كلياً كأنها مقبرة.
سيف مابينش أي لحظة ضعف. بالعكس، ملامحه تحولت لصخرة صلبة. بص لواحد من رجاله الواقفين وراه وقال بصوت حاسم
بلغ العمليات الخاصة في مطار القاهرة. طيارتي الخاصة جاهزة على الممر العسكري. كلم معامل جنيف فوراً، خليهم يطلعوا الطيارة بالترياق حالاً، وخلي طيارتنا تعمل هبوط اضطراري في أقرب قاعدة جوية وتنقله بمروحية عسكرية للمستشفى هنا… معاك 12 دقيقة بالضبط.
الحارس رد بصوت فدائي أوامرك يا باشا!

وتحرك يجري بجنون.
لكن الكارثة ماخلصتش هنا.
الجراح كمل كلامه وبص لسيف بتخوف يا فندم… فيه مشكلة تانية أكبر. السم ده ليه شفرة مضادة، بس مش أي حد يقدر يدمجها، دي محتاجة فصيلة دم نادرة جداً تكون متطابقة تماماً لتنشيط الترياق جوه جسم الطفل كعامل مساعد، وفصيلة يوسف نادرة جداً ومش متوفرة في بنك الدم.
سيف بصلي مباشرة، وعينه لمعت بنظرة غريبة فهمتها قبل ما ينطق.
قرب مني ومسك دراعي بقوة، وقال بصوت دافئ لكنه جاد فصيلتك إنتِ يا سلمى مش هي اللي متطابقة… فصيلتي أنا هي اللي متطابقة.
إيه؟!

يوسف واخد فصيلة دم نادر بتاعتي… فصيلة الدم اللي بتديني مناعة ضد أنواع معينة من السموم اللي بيستخدموها خصومي. جسمه بيحارب السم، بس محتاج دم نقي مني أنا شخصياً عشان يديه الدفعة الأخيرة ويطرد السم بره جهازه العصبي.
الدكتور هز راسه بإيجاب بالظبط يا فندم. .. نقل دم فوري من الأب هيخلي الطفل يستجيب للترياق أول ما يوصل في خلال دقايق معدودة.
سيف ماترددش لحظة واحدة. بص للممرضة وقال بلهجة آمرة جهزوا غرفة التبرع حالاً. وقبل ما يتحرك، بص لي وبص لعيوني المليانة خوف على ابنه، وقال بهمس قريب مهما حصل يا سلمى…

أنا مابتنازلش عن اللي بتاعي، ويوسف هو أغلى حاجة عندي في الدنيا دي كلها. لو فاكرة إنك هتقدري تخبيه مني تاني، فابعدي الفكرة دي عن دماغك. بس دلوقتي… خلينا نركز ننقذ ابننا.
دخل سيف غرفة العمليات، واتوصل بأجهزة نقل الدم وهو قاعد جنب ترابيزة يوسف، عينه مانزلتش من على وجه ابنه الصغير الشاحب.
مرت دقایق كأنها عصور.
وفي اللحظة اللي أجهزة المراسلة أعلنت فيها وصول المروحية العسكرية فوق سطح المستشفى ودخول الترياق لغرفة العمليات… دقات قلب يوسف على الشاشة بدات ترجع للاستقرار تدريجياً.
الخط المنكسر على الشاشة اتحول لنبضات طبيعية ومنتظمة.

الدكتور خرج وهو بيمسح العرق من جبينه وبابتسامة واسعة قال الحمد لله… الخطر زال تماماً. الطفل في أمان.
وقفت قدام باب العمليات وأنا حاسة برجفة في جسمي كله.
خرج سيف من الأوضة، كان وشه باهت شوية من تأثير سحب الدم، لكن وقفته كانت ملكية زي ما هي. وقف قدامي، وبص للأبواب اللي جوه وهي بتتفتح ويوسف نايم بسلام، وبعدين بص لي نظرة طويلة.
قرب مني وقال بهدوء دلوقتي يا سلمى… بعد ما أنقذنا ابننا مع بعض، تحبي ترجعي للبيت اللي يليق بيكي وبابنك، وإلا أحطك تحت حراستي الخاصة في مكان تاني تختاري برغبتك؟

ابتسمت وسط دموعي المرة دي، وحسيت إن الهروب القديم انتهى، وإني دخلت عالم تاني خالص… عالم سيف الدمنهوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى