منوعات

يوم سلفتي١

يوم ما سلفتي طلبت مني أرضّع ابنها عشان تروح مشوار ساعتين، وافقت من غير ما أتردد… لكن بعد 3 أيام رجعت وهي بتبصلي ببرود وقالت: «خلاص… الواد بقى متعلق بيكي، خديه وربّيه إنتِ!» افتكرتها بتهزر… لحد ما طلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامي، وساعتها عرفت إنها كانت مخططة لكل ده من البداية… “يوم ما سلفتي خبطت على بابي وهي شايلة ابنها الرضيع، كانت بتعيط بحرقة، وقالتلي: «أرجوكي خديه ساعتين بس… عندي مشوار ضروري ومفيش حد أسيبه معاه.» قلبي رقّ ليها، خصوصًا إنها كانت دايمًا تقول إنها بتعتبرني أختها الكبيرة. أخدت منها الطفل،.. حكايات ليان

وفضلت أطبطب عليه وأهتم بيه كأنه ابني، وهي مشيت وهي بتوعدني إنها هترجع بسرعة. لكن الساعتين بقوا يوم… واليوم بقوا تلاتة. كل ما أكلمها ترد عليا برسالة قصيرة: «استحمليه شوية، هرجع.» ولما رجعت أخيرًا، ما جتش عشان تاخد ابنها… جت وهي حاملة شنطة هدومه، وحطتها قدام بابي وقالت بمنتهى البرود: «هو مرتاح معاكي أكتر… وأنا مش هقدر أربيه.» افتكرتها بتهزر، لكن لما طلعت ورقة مطوية من شنطتها، ومدتهالي وهي بتقول: «امضي هنا وخلاص»، حسيت الدنيا بتلف بيا. رفضت حتى أبص في الورقة،….. حكايات ليان

وقلت لها: «إنتِ بتقولي إيه؟ ده ابنك!» لكنها بصتلي بجمود وقالت: «من النهارده اعتبريه ابنك إنتِ.» ساعتها بدأت أصرخ، واجتمع الجيران على صوتنا، وكل واحد بيسأل حصل إيه. وهي واقفة قدامهم بكل هدوء، قالت جملة خلت الكل يبصلي باستغراب: «هي أحق بيه مني.» محدش فهم قصدها، ولا أنا نفسي فهمت هي بتقول كده ليه. حاولت أديها الطفل، لكنها رجعت خطوتين لورا ورفضت حتى تشيله، وبعدها لفت وشها ومشيت من غير ما تبص وراها. دخلت شقتي وأنا منهارة، والطفل بيعيط في حضني، وأنا مش عارفة أعمل إيه.

حكايات ليان اتصلت بجوزي، ولما جه وحكيتله كل حاجة، وشه اتغير فجأة، وخطف الورقة من إيدي قبل ما أفتحها. فضل باصص فيها دقيقة كاملة من غير ما ينطق، وبعدها قعد على الكرسي كأن رجليه مبقوش شايلينه. سألته: «فيها إيه؟» لكنه مردش، واكتفى إنه قال: «الورقة دي ما ينفعش حد يشوفها.» حاولت أخدها منه، لكنه قطعها بسرعة وخباها في جيبه،

وقاللي بصوت مرتبك: «انسِي الموضوع دلوقتي.» لأول مرة في حياتي أشوفه خايف بالشكل ده. من يومها، كل حاجة في البيت اتغيرت. بقى يخرج كل يوم من غير ما يقولي رايح فين، وسلفتي اختفت تمامًا، لا بترد على مكالمات، ولا حد من أهلها يعرف هي فين.

أما الطفل، فكل ما أبصله أحس إنه مخبي سر أكبر من سنه بكتير. وبعد أسبوع، وأنا بنضف أوضته، لقيت ظرف صغير متدسوس وسط هدومه، مكتوب عليه بخط إيد سلفتي: «ما تفتحيهوش غير لو أنا مرجعتش…» أول ما فتحته، وقريت أول سطر، حسيت الدم اتجمد في عروقي، لأن الحقيقة اللي كانت مكتوبة جواه ما كانتش عن الطفل… كانت عن جوزي.”… فتحت الظرف وإيدي بتترعش، كان السطر الأول مكتوب بخط إيدها المرتجفة: «لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا قادرة أهرب، أو بقيت في مكان ما أقدرش أرجع منه… والجوز اللي أنتِ مخدوعة فيه هو السبب في كل كلمة مكتوبة هنا.»

عينيا زاغت بين السطور، والدموع مغرقاني. الورقة ما كانتش مجرد رسالة، دي كانت اعتراف كامل. مكتوب فيها إن الطفل ده مش ابن جوزها — اللي هو أخو جوزي — زي ما الكل فاكر! الورقة كانت بتتكلم عن سر ليلة قديمة من سنة، ليلة جوزي استغل فيها غياب أخوه في السفر، وهددها وأجبرها على حاجة هي ما كانتش قادرة تصرخ منها خوفًا على بيتها وسمعتها.

قريت السطور وأنا حاسة بضربات قلبي بتدق في زوري: «الولد ده ابن جوزك أنتِ… ابن “حسام”. أنا ما قدرتش أعيش بالذنب ده أكتر من كده، ولا قدرة أتحمل نظراته ليا كل ما يشوفني شايلة السر ده في حضني. هو اللي كان بياخد مني الفلوس وبيهددني إنه يقت/لني لو نطقت، والورقة اللي قطعها قدامك كانت تنازل وتعهد منه هو بمسؤولية الولد لو أنا اختفيت.» أول ما قريت الجملة دي، حسيت الشقة بتلف بيا. الباب اتفتح فجأة وصوته رن في الصالون: «يا هدى… أنتِ فين؟»

قفلت الظرف بسرعة وحطيته في جيب جلابيتي وأنا بحاول أبتسم أو أظهر طبيعية، لكن رجفتي فضحتني. دخل عليا الأوضة، وعينيه جت على طول على هدوم الطفل المترامية على السرير. ملامحه كانت مشدودة، وجبهته عرقانة كأنه كان بيجري. قرب مني بصوت واطي ومبحوح: «أنتِ دورتي في الهدوم دي؟» رديت وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي: «كنت… كنت بغسل هدوم الولد… في إيه يا حسام؟ أنت مالك مرعوب كده ليه من يوم ما سلفتي سابت الولد ومشت؟»

مسك إيدي بقوة وزقني خفيف ونزل على ركبه يبص بين الهدوم، يدور على حاجة مش موجودة. لما ملهاش، وقف وبصلي بحدّة وقال: «لو لقيتي أي حاجة… أي ورقة أو ظرف… تديهولي فورًا من غير ما تقريه، فاهمة؟ أنتِ ما تعرفيش حاجة وما تتدخليش في اللي ما يخصكيش!» في اللحظة دي، الصدمة اتحولت لجمر شعلل في قلبي. بصيت في عينيه وقلتله بصرامة لأول مرة في حياتي: «والولد ده؟ يخصني ولا ما يخصنيش؟ الورقة اللي قطعتها وجمعتها تاني في جيبك يخصني أعرفها ولا لأ؟»

وشه اصفرّ، والدم هرب من عروقه. خطى خطوة لورا وهو بيحاول يجمع كلامه: «أنتِ… أنتِ قريتي إيه؟» قبل ما أرد، تلفونه رن برقم غريب. بص في الشاشة وملامحه اتغيرت تمامًا، فتح الخط وسكت، لكن الصوت اللي طالع من السماعة كان عالي لدرجة إن الشقة كلها سمعته. كان صوت سلفتي بتعيط وبتقول بصراخ: «لحقني يا حسام… أخوك عرف كل حاجة! أخوك خد مني التلفون وعرف ومستنيك عند البيت القديم… لو ما جتش دلوقتي هيبلغ عنك ويقت/لني!»

الخط قطع، وحسام وقف مكانه زي الصنم، يبصلي ويبص للطفل اللي بدأ يعيط في السرير، وهو مش عارف يهرب مني ولا يهرب من السر اللي انفتح باب جهنمه عليه. حسام وقف مكانه مش قادر يتحرك، نظراته كانت بتتنقل بيني وبين التليفون اللي في إيده والولد اللي صريخه بيعلى في السرير. ملامحه الوش المصدوم اتتحولت فجأة لنظرة خوف ورعب حقيقي، كأنه شايف نهايته بتبدأ قدامه. سحب نفس بالعافية وقرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي، لكن زقيت إيده بقوة ورجعت لورا وأنا بصرخ فيه: «ما تلمسنيش! أنت بني آدم إيه؟ تعمل كده في أخوك وفي بيتك؟!»

حسام هز رأسه بنفي وبدأ يتكلم بسرعة وارتباك: «والله العظيم مظلوم يا هدى! الكلام اللي في الظرف مش كامل… هي اللي بلتني وهي اللي استدرجتني عشان تبتزني بفلوس! أنا قطعت الورقة الأولى عشان أحميكي وأحمي بيتنا من الفضيحة! صدقيني يا هدى، أخويا لو جه هنا هيرتكب جناية، والدم هيبقى للركب!»

قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت خبط ورزع مرعب على باب الشقة البرانية، خبط كأن حد بيحاول يكسر الخشب بأي حاجة تقيلة. حسام اتنفض مكانها ومسك رقبته وهو بيترعش، والصوت جه من ورا الباب، صوت أخوه — جوز سلفتي — وهو بيصرخ بنبرة مليانة غل ودموع: «افتح يا حسام! افتح يا خاين يا ابن أبوي وأمي! والله ما هسيبك، افتح الباب بدل ما أولع في العمارة باللي فيها!»

الطفل في حضني زاد في العياط كأنه حاسس بالخطر اللي محاوطنا. حسام جرى على باب الأوضة وقفل المفتاح، وبصلي والتوسل في عينيه: «أرجوكي يا هدى، هاتي الولد وتعالي نستخبى في البلكونة أو نطلع السطوح، أخويا مجنون ومعهوش عقل دلوقتي، وممكن يق/تلنا كلنا!» بصيت للباب اللي كان قرب يتقلع من مكانه، ولحسام اللي بيبصلي بقلة حيلة وخوف، وللطفل الرضيع اللي مالوش أي ذنب في القذارة دي كلها. الجيران بدأت تطلع على الصوت، والأصوات كثرت في الممر البراني، وفجأة الخبط وقف… وسمعنا صوت مفتاح بيدخل في قفل الباب البراني!

سلفتي كانت مديالة نسختها القديمة من مفتاح الشقة قبل ما تسافر! الباب البراني اتفتح بصوت صرير مرعب، وخطوات تقيلة وسريعة بدأت تقرب من باب الأوضة المقفول علينا. حسام اتراجع لورا لحد ما ظهره خبط في الدولاب، وأنا قفلت على الطفل في حضني بكل قوتي وأنا بقرا الفاتحة، لحد ما ضربة فاس أو آلة حادة نزلت على خشب باب الأوضة وشقته نصين، وظهر من ورا الشق وش أخوه وعينيه حمرة زي الدم، وفي إيده ساطور!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى