منوعات

زعيم مافيا والخبازه

جنة.
لكن كل مرة كانت بتنقذه…
كانت بتحس إن ربنا بيدي لحياتها معنى من جديد.
وفي صباح اليوم التالت…
نزلت بيه للمطبخ.
ولقت اتنين من رجال الأمن قاعدين بيفطروا…
على شوية بسكويت وشاي.
بصتلهم باستغراب وقالت
هو… ده فطاركم؟
بص أحد الحراس لمريم بخجل وهو بيحط كوباية الشاي، وقال بصوت خشن
تعليمات.. باشمهندس عمر بيفضل إننا نكون في حالة استنفار وممنوع مغادرة البوابات ولا طلب أكل من برا. القهوة والبسكويت بيكفوا لحد ما شفتنا تخلص.

مريم بصت للبسهم الواسع والوجوه اللي باين عليها الإرهاق من السهر، وقالت بلهجة أم حنونة ما تقدرش تخبيها
الشغل مش معناه إني أهمل صحتي.. ولا صحة الرجالة اللي واقفة تحميني أنا والبيبي.
فتحت
الثلاجة الكبيرة، لقت جواها أجبان وخضار طازة، وبصت للفرن الكهربائي المدمج. هزت راسها بابتسامة صغيرة وقالت
استنوا خمس دقايق.
بدأت إيدين مريم تتحرك برفق وبراعة. العجين طلعته من دقيق عالي الجودة جابته الحاجة نادية، وبدأت تخبز عيش فينو طازة وساخن مع سندوتشات بيض بالجبنة والزبدة الفلاحي.

بعد دقايق معدودة، ريحة الخبز الطازة والقرفة والزبدة الساخنة اتغلغلت في أركان المطبخ الضخم، وطلعت لفوق في السلالم الرخامية لحد ما وصلت لمكتب عمر السيوفي في الطابق التاني.
عمر كان قاعد قدام لابتوب مليان أرقام تعاقدات، وعقله مشغول بصراع مالي شرس مع منافسين محليين وأجانب بيحاولوا يوقعوا صفقات المواني بتاعته. لكن الريحة.. ريحة العيش
السخن اللي بتفكره بصباحات زمان البسيطة قبل الفلوس والسلطة،
دخلت أنفه فجأة.
رفع راسه مستغرب.
في قصر بالضخامة دي، الأكل بيجي من شيفات عالميين ومطاعم خمس نجوم، مفيش ريحة بيت ولا فرن بلدي.

فتح باب المكتب بصمت، ومشى ورا الريحة لحد ما نزل بخطوات هادئة للمطبخ.
وقف عند باب المطبخ الموارب.. وشاف المشهد اللي عمره ما يتوقعه في حياته
اتنين من أشرس الحراس المسلحين، اللي بېخاف منهم أعتى المجرمين في إسكندرية، قاعدين بيضحكوا بصوت هادي وبياكلوا سندوتشات سخنة من إيد مريم، وهي شايل بايدها التانية آدم النائم في سلام، وبتزعق فيهم بلطف
كلوا براحة.. لسه في تاني، وبطلوا تسهروا من غير ما تاكلوا كويس، الصحة مش بتتعوض بالفلوس.
واحد
من الحراس قال بامتنان
تسلم إيدك يا ست مريم.. ده أحلى فطار دوقناه من سنين.

عمر حس بغصة غريبة في حلقه.
الراجل اللي بيحكم إمبراطورية اقتصادية بالمليارات، مفيش حد تجرؤ أبدًا يكلمه بالطريقة دي، أو يهمه أصلا هو بياكل إيه ولا تعبان ولا لأ. الكل حواليه بېخاف منه.. أو طمعان فيه.
لكن الست البسيطة دي.. اللي فرنش ضاع منها وخطيبها سرقها، داخلة القصر برة وداخلة تفرضه ب دفء البيت.
كح عمر كحة خفيفة عشان يلفت الانتباه.
الحراس وقفوا في ثانية بانضباط عسكري، ورجعوا لوضع الوقوف بجمود. أما مريم، فبصتله بهدوء تام، ومن غير أي توتر، وقالت
صباح الخير.. لو ريحة الأكل ضايقتك، أقدر أنظف المكان حالًا.

عمر دخل المطبخ بخطوات بطيئة، وبص
للسندوتشات المتبقية، وبعدين بص لعينيها اللي فيها حزن بس مليانة قوة غريبة، وقال بصوت هادئ لأول مرة تسمعه منه
لا.. ريحة حلوة. أول مرة أحس إن البيت ده فيه ريحة.. مش مجرد جدران.
تلت أيام تانية عدت، وآدم بدأ يكتسب وزنه وصحته رجعتله بالكامل. الدكتور سامي منصور دخل جناح مريم، كشف على الطفل، وبص لعمر اللي كان واقف في ركن الأوضة بيتابع بصمت، وقال بابتسامة عريضة
مبروك يا بشمهندس.. آدم بقى زي الفل، ونبضات قلبه ممتازة، والټهديد اللي كان عليه انتهى تمامًا. الخطړ زال.
الكلمة نزلت على قلب عمر بروح جديدة.

قرب من السرير، وبص لابنه اللي كان فاتح عينه بيتحرك بنشاط، لأول مرة يشوف ابنه صاحي وواعي ومش باهت. بص لمريم وقال
شكراً.. أنقذتي ابني. ودلوقتي.. الشيك اللي طلبتيه جاهز.
مريم كانت بتلم هدومها البسيطة في شنطة قماش صغيرة، وقفت وبصتله وقالت بجدية
أنا أديت الأمانانة.
. وآدم بقى كويس، ودوري هنا انتهى. مش عايزة فلوس يا بشمهندس.
عمر عقد حواجبه بحيرة وقسۏة متعودة
إنتِ بتهزري؟ خمسة وعشرين ألف دولار في الأسبوع، ده غير مصاريف الفرن.. إنتِ تملكي دلوقتي فرصة تبدئي حياة جديدة خالص.

مريم بصتله بثبات وقالت
الفلوس مش كل حاجة يا عمر بيه.. الفلوس ممكن تشتري الفرن، وتشتري القصر، وتشتري الحراس دول.. بس متشتريش أمومة اتنتزعت مني ڠصب عني، ولا تشتري راحة بالي وأنا شايلة ذنب طفل ماټ قدام عيني. أنا جيت عشان آدم.. وآدم خاب ورجع يعيش.. أنا ماشية.
خدت الشنطة وفتحت باب الجناح ونزلت على السلم.
عمر حس كأن ركيزته الوحيدة بتهتز.
الراجل اللي محدش قدر يكسره طول عمره.. وقف عاجز قدام ست خبازة بتمشي بكل كبرياء وكرامة، وسايبة وراها ملايين الدنيا اللي مبتمثلش عندها قرش مصدي.
جرى وراها لحد الصالة الرئيسية..

الحراس
اتفاجئوا برئيس الإمبراطورية وهو بيجري حافي تقريبًا ومن غير كوتشينه، وقف قدام الباب الرئيسي وقطع طريقها وقال بصوت عالي شوية
استني!
مريم التفتت ببرود وقالت
نعم؟
عمر خد نفس عميق، وابتلع كبرياءه كله وقال
أنا متأسف.. على طريقتي أول يوم، وعلى شكي فيكي.. وعلى كل كلمة قلتها. بس.. أرجوكي.. متمنعيش آدم منك.
مريم رفعت حاجبها بستغراب.
كمل عمر بنبرة رجاء أول مرة تطلع منه
البيت ده.. من يوم ما ليلى ماټت، بقى قبر كبير. وآدم.. آدم محتاج أم.. وأنا.. أنا محتاج حياة ترجع للبيت ده. اقعدي.. مش بصفتك مرضعة..

ولا بصفتك موظفة عندي.. اقعدي بصفتك شريكة في الحياة هنا.. باللي تطلبيه.. وبالشروط اللي تحدديها.
سكت القصر تمامًا.
الحاجة نادية والحراس وقفوا مذهولين من الكلام اللي بيتقال.
مريم بصت لعمر طويلًا.. شافت في عيونه كسر حقيقي، خوف مش على
فلوسه، لكن على ابنه.. وعلى نفسه من الوحدة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
الفرن بتاعي في مصر الجديدة.. بيوحشني.
عمر قال بسرعة وبدون تردد
الفرن هينتقل هنا.. في مدخل الفيلا من برا، وهتعملي أحلى عيش بلدي في العالم كله، ويبقى ملكك بالكامل..
بس آدم.. وأنا.. نبقى عيلة.

مريم نزلت شنطتها من على إيدها، وبصت للابن النائم في حضنها، وبعدين بصت لعمر.. وهزت راسها بموافقة هادئة.
بعد مرور ست شهور..
شارع مصر الجديدة بقى فيه فرن جديد ومختلف.. فرع تاني ل مخبز مريم وعمر للخبز الأصلي، وتحت إشرافها المباشر.
وفي طريق مصر إسكندرية الصحراوي..
قصر السيوفي مبقاش مقپرة صامتة..
بقى مليان بصوت ضحك طفل صغير بيجري في الجنينة، وريحة العيش السخن مع القرفة اللي بتفوح كل الصبح من المطبخ.. تفكر كل اللي بيعدي إن أحياناً.. أبسط القلوب وأكسرها، هي اللي بتنقذ
أكبر الإمبراطوريات من الاڼهيار.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى