
توقف قليلًا، ثم أجاب بصدق نادر ما يشاركه مع أحد: “لأني حبيت إحساس إنك تقدر تنقذ حد بإيدك، مش بس بالدوا أو النصيحة. بس… الجراحة بتعلمك حاجة تانية كمان، إنك مش دايمًا هتقدر تنقذ الكل. وده أصعب درس اتعلمته.” شعرت سمر أن هناك حزنًا خلف كلماته، لكنها لم تجرؤ على السؤال أكثر. اكتفت بالإصغاء، وهذا وحده كان كافيًا ليشعر سامر أنه تحدث أكثر مما اعتاد. — بعد أن انصرف سامر، اقتربت خديجة من سمر وهي تحمل نظرة متفحصة:
” سمر، أنا عايزاكي تاخدي بالك.” “آخد بالي من إيه يا أستاذة خديجة؟” “من نفسك. أنا شايفة الدكتور سامر بقى بيقعد معاكي، وبيتكلم معاكي كتير عن حاجات مالهاش علاقة بالشغل. اوعي تقوليلي إنك مش ملاحظه.”
توترت سمر ، فواصلت خديجه كلامها.
” يا سمر ، دكتور سامر ده مش زي أي حد. عيلته أصحاب المستشفى، وهو راجل عدى بحاجات صعبة أوي بعد وفـ,ـاة مراته. أنا مش بمنعك من حاجة، بس خليكي واعية.”
نظرت سمر إليها بصدق: “أنا مقصدتش حاجة يا أستاذة خديجة، بجد. هو بس… طيب معايا.” “أنا عارفة يا بنتي، وعارفة كمان إن القلب مش بييجي بأمر. بس خليكي حذرة، المستشفى دي فيها ناس كتير بتحب تتكلم.” — في مكتب الإدارة، وبعيدًا عن كل هذا، كان فؤاد يراجع تقارير الأداء الشهرية مع خديجة التي حضرت لعرض تقييم المتدربين الجدد. “إيه رأيك في الدفعة الجديدة؟” سأل فؤاد دون أن يرفع عينيه عن الأوراق.
“كلهم كويسين يا دكتور فؤاد، بس فيه بنت اسمها سمر سراج، أداءها ممتاز جدًا، والمرضى بيحبوها أوي.” توقف فؤاد للحظة عند الاسم، ثم أكمل مراجعته دون تعليق إضافي. لم يكن الاسم يعني له شيئًا وقتها، لكن القدر كان قد بدأ يحيك خيوطه ببطء، خيوطًا لم يكن أحد من العائلة يعلم إلى أين ستقودهم. مشت سمر إلى بيتها تلك الليلة، وكلمات خديجة تدور في رأسها. أما سامر، فجلس وحيدًا على شرفته، يتذكر تفاصيل الحديث البسيط، صدقها حين تحدثت عن أمها وحلمها. همس لنفسه بصوت خافت: “إنتِ بتعملي إيه فيّا يا سمر سراج؟”
لم يكن يعرف إجابة، لكنه شعر، لأول مرة منذ وفـ,ـاة زوجته، أن قلبه بدأ يخفق بإيقاع مختلف. — ## الفصل الثالث مرّت ثلاثة أسابيع منذ ذلك الحديث في الكافيتريا، وأصبح شيئًا من الألفة يجمع بين سامر وسمر دون أن يعترف أي منهما بحقيقة ما يشعر به. صار سلامهما الصباحي أطول قليلًا، وأحاديثهما القصيرة في الممرات أكثر تكرارًا، لكنها ظلت في حدود ما يمكن تبريره: “دكتور يهتم بمتدربة واعدة.”
في تلك الفترة، كانت سمر تعيش في شقة صغيرة بحي شعبي مع والدها “سراج”، رجل متقاعد يعاني من ضعف في القلب، وقد توفيت منذ سنوات تاركة له ابنته الوحيدة سندًا له. كانت تعمل بجد لتغطية مصاريف العلاج المستمر لوالدها، ومنحة التدريب في مستشفى السراجي كانت بالنسبة لها فرصة العمر. — في مساء أحد الأيام، وبعد نوبة طويلة، خرجت سمر من المستشفى منهكة، فوجدت السماء قد بدأت تمطر بغزارة مفاجئة. وقفت عند المدخل تنتظر أن تخف حدة المطر، وهي تتفقد ساعتها بقلق؛ فوالدها ينتظرها.
“لسه واقفة ليه؟” سمعت صوت سامر خلفها. “المطر يا دكتور، هستنى يخف شوية وبعدين هاخد المواصلات.” نظر إلى السماء الملبدة بالغيوم الداكنة: “ده شكله مش هيخف بسرعة. تعالي أوصلك.” ترددت سمر: “لأ يا دكتور، معلش بلاش أتعبك.” “ده في طريقي أصلاً.” كذب سامر بابتسامة هادئة، رغم أن بيته كان في الاتجاه المعاكس تمامًا. ركبت سمر السيارة بتردد واضح، والصمت يخيم بينهما لدقائق. كسرت هي الصمت أخيرًا: “شكرًا يا دكتور، بجد مكنش لازم تتعب نفسك.”
“مفيش تعب. بس قوليلي، إنتِ ساكنة فين بالظبط؟” ذكرت له اسم الحي، فشعر بشيء من المفاجأة الصامتة؛ كان حيًا بعيدًا تمامًا عن عالمه، بسيطًا، مزدحمًا، لا يمت بصلة للأحياء الراقية التي اعتاد عليها. لم يعلّق، لكنه أدرك حينها بوضوح أكبر الفجوة الاجتماعية بينهما، فجوة لم يكن قد فكّر فيها من قبل. — خلال الطريق، سألها بحذر: “طيب فيه حد بينتظرك في البيت؟” ابتسمت سمر بحزن خفيف: “بابا بس. أمي اتوفت من كام سنة، وبابا مريض قلب، فأنا بحاول أكون جنبه قد ما أقدر.”
شعر سامر بشيء يشبه الألفة تجاه كلماتها؛ فقدان يعرفه هو أيضًا، وإن كان بشكل مختلف. “أنا آسف على والدتك. وربنا يشفي والدك.” “شكرًا يا دكتور. وإنت… خديجة قالتلي إنك فقدت زوجتك من كام سنة.” قالتها بحذر شديد، خائفة أن تكون قد تجاوزت حدًا ما. توتر سامر للحظة، لكنه لم يشعر بانزعاج كما توقع من نفسه: “أيوه. من تلت سنين. لينا كانت… مختلفة. كانت بتحب الحياة بطريقة أنا نفسي معرفتش أتعلمها منها.”
“آسفة إني فتحت الموضوع.” “لأ متتأسفيش، صراحة أول مرة من زمان أتكلم في الموضوع ده براحة كده.” ثم نظر إليها بصدق وتوقف عن الكلام. نزلت سمر عند طرف حيها، شاكرة إياه، بينما بقي هو جالسًا في سيارته لدقائق بعد انصرافها، يستوعب ما قاله لتوّه، ويتساءل: “أنا فعلاً بدأت أرتاح لوجودها؟” — في اليوم التالي، وأثناء اجتماع عائلي على مائدة العشاء في فيلا السراجي، كانت نسرين تلاحظ تغيرًا واضحًا في مزاج ابنها؛ ابتسامة تظهر فجأة دون سبب، شرود ذهني غير معتاد.
“سامر، اللي واخد عقلك يا حبيبي؟” سألته وهي تقدم له طبقه. “معاكي يا أمي، ليه؟” “لأ، حسيتك بعيد شوية..” ثم أضافت بحنان: “بس والله شكلك أحسن من فترة، عينيك بقى فيهم حاجة كانت غايبة.” تدخل فؤاد بعد أن مسح فمه بمحرمة الطعام:
“أهم حاجة إن شغله ما يتأثرش. المستشفى فيها مسؤوليات كبيرة يا سامر، وإنت الاسم اللي هيكمل بعدي.” “طبعًا يا بابا، شغلي هو الأول دايمًا.” رد سامر بسرعة، محاولًا تجنب أي أسئلة إضافية.
نظرت نسرين إلى ابنها بعين الأم التي تعرف أن هناك شيئًا أكبر من “الشغل” يدور في داخله، لكنها آثرت الصمت هذه المرة، منتظرة أن يأتي الوقت المناسب. — عاد سامر إلى المستشفى لحالة طارئة وفي طريقه لمكتبه، سمع صوت جلبة في أحد الأقسام. اقترب فوجد سمر تتعرض لموقف صعب مع أحد أقارب مريض متوفٍ حديثًا، رجل غاضب يصرخ فيها ويحمّلها مسؤولية لا ذنب لها فيها: “إنتِ اللي قصّرتي معاه! إنتِ متدربة ملكيش خبرة أصلاً، إزاي يسيبوكي تتعاملي مع حالته!”
كانت سمر تحاول أن تشرح بهدوء رغم أن الدموع تكاد تخنقها: “أنا عملت كل اللي المفروض أعمله يا فندم، وأبلغت الدكتور فور ما…” تدخل سامر فورًا بصوت حازم: “أستاذ، أنا الدكتور المسؤول عن الحالة، وأنا اللي هرد على أي استفسار عندك، مش الممرضة. تعالى مكتبي وهوضحلك كل حاجة بالتفصيل.” أخذ الرجل بعيدًا، وترك سمر تحاول استعادة توازنها. بعد نصف ساعة، عاد إليها بعد أن هدّأ الرجل وأوضح له الموقف الطبي كاملًا.
“إنتِ كويسة؟” سألها بقلق واضح لم يخفِه هذه المرة. مسحت دمعة كانت قد أفلتت: “أيوه يا دكتور، بس خفت شوية.” “متخافيش، ده مش ذنبك في حاجة. الناس بتتعامل بعصبية وقت الحزن، ده طبيعي، بس إنتِ عملتي شغلك صح.” ثم أضاف بصوت أهدأ: “أنا موجود، متقلقيش.” كانت تلك الكلمة الأخيرة، “أنا موجود”، أكبر من أن تمر مرور الكرام على قلب سمر. شعرت للحظة أنها ليست وحدها في معركتها، شعور لم تختبره منذ فترة طويلة.



