
– نـاصر. ابتسـم ياسين بجمود وأجـاب – لو كنت عايز تبدأ من غيري كنت بدأت. تدّخل ثروت في الوسط وأردف – كلام ايه دا يا ياسين، انت عارف اننا لازم نتجمع كل يوم على الأقل مرة! زفـر ياسين بـحنق وهتف – تمام تمام..اللي انتوا شايفينه، سلام. ألقى كلماته المُلخصة وارتدى نظارته الشمسية خارجًا من المنزل، بينما ربتت أماني على ذراع ثروت تواسيه بـ : -معلش يا حَج، لسه جـ,ـرحه مخفش برده. تنهد ثروت بـتعب وتحدث
– عارف يا أماني، عارف. هبط الصغير ركضًا على الدرج وهو يصيح بـحماس – ماما يا ماما. استدارت له أماني وقـالت بتعجب – في ايه يا آسر؟ تحدث آسر بـحماسه الطفولي – وداد قالتلي إن فيه عيد ميلاد انهاردا. أومـأت أماني وابتسمت بـحنان قائلة – ايوه يا حبيبي…عيد ميلاد أخـوك ياسين. انتقل نظر آسر بين الوجوه باحثًا عن شقيقه، تنهـد بإحباط عندما اخبـرتهُ وداد التي جاءت من خلفه تحتضنه – اكيـد مشي يا آسر ربتت على كتفه وتابعت
– بس متقلقش، جهزله هديته وهيجي بليل تديهاله. عادت البسمة تحتل شفتيه من جديد مُبتسمًا بتفاؤل.. جالسًا على مقعد مكتبهُ في محـل المجوهرات الخـاص به يُتابع الأوراق التي تضم الحسابات بـتركيز، لا يُمكن أن يُقَال انه يتركز بـتفكيره على الأوراق، بل هو شـارد في شيءٍ ما، اليـوم ذكرى ميلاده، في مثل هذا اليوم من سِتة سنوات فاجأتهُ بـأنها تحمل طفلهم في أحشائها، فرحته كانت لا توصف حينها، بل وبدأ في توزيع اللحوم على المساكين وتقبل دعواتهم بـصدرٍ رحب، ظل يرعاها هو وعائلته، منتظرين المولود الذي سـيأتي ليحمل اسم عائلة المُرشـدي؛
ثم يتفاجئ الجميع بـدخول عاصف من ياسين في يومٍ ما يجذبها من خُصلاتها وينهال عليها بالضر..ب المُبرح..ظنوا انه بلا سبب ولا يعلمون حجم الكار..ثة التي قامت بها تلك الزانية في حق ربها ودينها وزوجها، طردها من المنزل وألقى يمين الطلاق عليها باصقًا في وجهها بإشمئزاز مُتجاهلًا توسلاتها ورجاؤها، مُعلنًا بـذلك قدوم غيمة سوداء فوق رأسه كلما ذهب لمكانٍ ما، فـ من يومها وأصـبح لا يرحم، يزأر في وجه الجمـيع ويتعامل ببرود طاغي ناهيك عن جموده ولا مبالاته الزائدة عن الحد في كل ما يخص عائلته.
– ياسين بيه..ياسين بيه. أجفـل من شروده على نداء أحد العاملين لهُ، فـ تركز ببصره عليه متسائلًا – خير يا فتحي. أجاب العامل ببسمة واسعة – كل سنة وانت بخير يا باشا. ابتسـم ياسين بـسمة ربما كانت باردة بعض الشيء – وانت بخيـر يا فتحي. وضع البيت الصغير المصنوع من الورق، كان مُنهارًا على نفسه وقـال – ابني أحمـد عملك البيت دا وقالي اقولك كل سنة وانت طيب بداله.
اتسعت بسمته عندما تذكر ذلك الصغير في عُمر الستةِ سنوات، كـان قادم إلى والده في يومٍ فـ تقابل مع ياسين وتحدثا سويًا، يتذكر عن ظهر قلب لطافة الطفل وكم تمنى وقتها الحصول على طفلٍ مثله مُشاكس ومُـرح. – ربنا يخليهولك يا فتحي، وصله سلامي. أومأ فتحي بـ وِد – يوصل يا باشا. انصـرف فتحي وعاد ياسين لعمله يتابعه بـتركيز عن السابق..
جلست أماني بجانب الخادمة التي تساعدهم «يسرية» وساعدتها في تقشيـر البطاطس بوجه شارد وعينين غائمتين في ماضٍ مرير كان أثـره على ابنها البكـري سلبي…
تنهـدت بـإرهاق ونظرت لما تفعله، فـ تحدثت يسرية بـهدوءٍ تحاول التخفيف عن حدة مشاعر أماني المُضطربة – معلش يا حَجة، كلنا لينا ماضي. قـالت أماني بـحزن – بس مش لدرجة انه يفضل فاكر ألم ماضي عدّى عليه ست سنين يا يسرية! ضغطت يسرية على شفتيها بـحزن، وأجابت بعدها – هينسى وهتبقى عال، ما انتي عارفة ان ياسين طول عمره قوي وبيعافر.
تابعت أماني بشرود – ياسين بيعافر آه، بس اكتـر ما يكرهه ياسين الخـ,ـيانة! ابتسمت ساخرة وأكملت – وتخيلي بقا خـ,ـيانة من مراته اللي بيعشقها واللي كانت حامل منه. – ربنا يقدم اللي فيه الخيـر يا حَجة، ربنا يسترها على اللي جاي، ومتظهرش تاني فجأة تقلب علينا المواجع. تنهـدت أمـاني بـتعب مرددة – آمين..آمين. ❀❀❀ وقف ناصر أسفل المبنى يُتابع عمل العمال و جدّهم بـحماس… – باشمهندس ناصر.
استدار ناصـر سريعًا، لتقع عينيه على مصدر الصوت..
فتاة قصيرة القامة تمتلك خصلات بنية ليست بالناعمة تعكصها على هيئة كعكة، ترتدي نظارات كبيرة تأكل نصف وجهها تخبئ خلفها عينين خضراوتين، تمتلك شامة أسفل شفتيها من الجهة اليُسرى، دفعت نظاراتها لتلتصق بأنفها وقالت في خجل – آآ…أنا عملت الرسومات اللي حضرك قولت عليها. تحدث ناصـر بعملية – تمام يا باشمهندسة دمشق..حطيهم هناك واستني جاي وراكي اهو. تنحنحت بـحرج وهمست بما لم يسمعه، فـ قال بتعجب – بتقولي حاجة؟
تحدثت بصوتٍ خاجل مبحوح – عشق يا باشمهندس..مش دمشق. اومأ بلا مبالاة مبتسمًا بمجاملة، فـ بادلته البسمة بأخرى متوترة واستدارت ذاهبة نحو مكانٍ أسفل الشمس القارصة يوضع به مقعدين وطاولة صغيرة، جلست على المقعد بـتوتر وبدأت تهز ركبتيها بإرتباك، فـ تلك هي مرتها الأولى في التدريب، ولا بد من وجودها بجانب «ناصر» كي تتعلم جيدًا ما جاءت لأجله، لم يكن أمامها خيارًا سوى التعامل مع رجل، هي من كانت تكره الرجال وتسبهم دومًا، تخجل فقط من نظرة تخترق جسدها أو تسخر من نظاراتها الكبيرة، أو ملابسها الفضفاضة التي لو خلعتها لأظهرت انوثتها التي تداريها من الأعين!
زفـرت حانقة وهي تعقد حاجبيها منزعجة من أشعة الشمس اللاذعة التي تكوي وجهها كيًا..
تحرك ناصـر إليها وهو يسير على الرمال بصعوبة حتى وصل لها فـ جلس على المقعد المقابل لها وابتسم بـسخرية بعض الشيء – لازم تتعودي ع الشمس يا باشمهندسة، وإلا من أول مهمة ليكي هتقعي مننا. غاظتها نبرته الساخرة المستترة تحت ستار الجدية، فـ بدت كـقطة شرسة مستعدة للإنقاض عليه بعد أن سخر منها وهذا اكثر ما تكرهه واكثر ما يعقدها من الرجـال..السخرية الدائمة، فـهي تراهم مجرد كائنات لزجة لا مجال لوجودهم على الأرض، وبـالإجبار يجب التعامل معهم والتغاضي عن كل تخيلاتها العدوانية تجاههم…
اردفـت بـحدة مفرطة تعجب لها



