
قربت من العريس ورزعت رجلي في الأرض بثبات، وقلتله ببرود أشد من بروده: “أنا مش محتاجة أكون موجودة في بيعة رخيصة زي دي.. وأنت فاكر إنك بتعاقبني لما تمنعني؟ أنت كدة بتخدمني لأن نضيفة ومش هلوث عيني بمهزلة زي دي.. بس افتكر كلامي كويس يا ابن الأكابر.. الفلوس بتشتري حاجات كثيرة، بس عمرها ما هتشتري لك راحة بال ولا احترام من قلب صادتك.. وهتشوف إن شهد اللي أنت فرحان بيها دي، بايعة نفسك عشان قرشينك، وأول ما الفلوس دي تتزحزح، مش هتلاقي حد جنبك!”.
العريس ملامحه اتشنجت تاني، وكأني ضـ,ـربته في أكتر نقطة بتوجعه.. الشاب اللي بيذق الكرسي حرك الكرسي بسرعة عشان يخرجه قبل ما الموقف يتطور، والعريس خرج وهو بيجز على أسنانه وبيتوعد بصوت واطي. أول ما الباب اتقفل وراهم، أمي تلفّتت ليا وعينيها طالع منها شرار.. هجمت عليا وبدأت تزقني في كتفي بقوة وهي بتصرخ: “يا بومة! يا وش الشؤم! كنتِ هتخربي البيت وتضيعي السعادة من إيدينا بكلامك السم! أنتِ إيه؟ معندكيش قلب؟ مش عايزة أختك تفرح وتعيش هانم؟!”.
مسكت إيد أمي وثبتها وقلت وأنا ببص في عينها بجمود: “أنا اللي معنديش قلب ولا أنتم اللي معندكوش كرامة؟ بتمسحوا بكرامتكم الأرض عشان راجل شايفكم شوية خدامين بفلوسه؟ شهد مش رايحة تعيش هانم يا أمي.. شهد رايحة تكون لعبة في إيد واحد مريض بالنقص، وهتشوفي بكرة الأيام هتثبتلك كلامي!”. زقيت إيدها ودخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا وحطيت الترباس.. قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش.. مسحت دموعي اللي أبت تنزل قدامهم، ورفعت راسي للسما وقلت: “يا رب.. أنت الشاهد، أنا أبيت الظلم والمهانة، فاحميني واسترني من اللي جاي”.
مرت ليلة من أصعب ليالي حياتي، البيت بره كان خليه نخل.. أمي وشهد شغالين توضيب وتنظيف وضحك على الملايين اللي هتتدفق عليهم، وأنا محبوسة في الأوضة زي الغريبة.. وزي ما العريس قال، الصبح المحامي جه والمأذون، وتم كتب الكتاب في جو مليان هيصة مزيفة وجشع.. سمعت صوت الزغاريد اللي كانت طالعة من حنجرة أمي كأنها نبرة نصر على الفقر، لكنها بالنسبة لي كانت نبرة شؤم.
بالليل، سمعت صوت العربيات الفارهة وهي واقفة تحت الشارع، والصوت العالي للكرسي المتحرك وهو بيتسحب.. شهد كانت بتعيط وهي بتودعهم، بس دموعها كانت مزيج من الخوف والفرحة بالمستقبل المجهول. خرجت الشقة كلها وفضلت أنا لوحدي في البيت بعد ما مشيوا، الصمت كان قـ,ـاتل. خرجت من الأوضة بعد ما تأكدت إن الكل نزل يوصلوهم، ووقفت في البلكونة ألمس شوية هوى.. بصيت تحت ولقيت موكب العربيات بيتحرك.. وفي لحظة ما العربية الرئيسية كانت بتلف عشان تمشي، العريس رفع رتوش عينه وبار الموكب كله وقفت عينه في بلكونتي.. بصلي بنظرة تحدي مسمومة، ورفع إيده بأشارة وعيد وتهديد خلت قلبي يقف مكان.
بعدها بيومين بس.. الشارع كله اتزلزل بخبر خلى أمي وأبويا يقعوا من طولهم، وخلى كل الحسابات اللي عملوها تتقلب رأساً على عقب! أمي وأبويا وقعوا من طولهم لما الباب خبط بقوة وهستيرية في نص الليل. الصوت كان زي الدق على الخشب في مأتم. أبويا قام يجري يفتح وهو إيده بترتعش، وأمي كانت وراه بتسحب رجليها وركبتها بتخبط في بعضها من الخوف. أول ما الباب اتفتح، ظهرت شهد.. بس مش شهد الهانم اللي مشيت من عندنا من يومين في موكب عربيات فارهة، ولا البنت اللي كانت فاكرة إن الفلوس هتشتري لها الجنة.
شهد كانت واقفة على الباب بفستانها المبهدل، شعرها منكوش، وشها أصفر زي الميتين، وتحت عينيها تورم أزرق واضح كأن حد ضـ,ـربها بقسوة. أختي كانت بتلهث وبتبكي بصوت مكتوم وهستيري، وأول ما شافت أمي اترمت في حض.نها وانهارت على الأرض وهي بتصرخ: “الحقوني يا ماما.. الحقوني هيقت.لني! الراجل ده مجنون.. ده مش بني آدم!”. أمي صرخت وشالتها من على الأرض وهي بتترعش، وأبويا قفل الباب بسرعة وهو بيتلفت حواليه زي المجرمين. قعدوها على الكنبة في الصالة، وأنا خرجت من أوضتي على صوت الصريخ.. المنظر كان يصدم أي حد، بس جوايا كان فيه صوت بيصرخ وبيقول: “أنا حذرتكم!”.
أمي مسكت وش شهد وهي بتعيط وتقول بلهفة: “فيه إيه يا بت؟ إيه اللي حصل؟ فين جوزك؟ وفين العربيات والحرس؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟!”.
شهد كانت بتتكلم والدموع مغرقة وشها وصوتها بيقطع من كثر الشهقات: “الفلوس دي كلها جحيم يا ماما.. الشلل اللي عنده مش بس في رجله، ده شلل في قلبه وعقله! من أول ما دخلنا القصر وهو بيعاملني زي العبدة.. قفل عليا الأوضة ومنعني ألمس تليفون، وكان بيقعد على الكرسي قدامي ويقعد يصرخ فيا ويهينني ويشتمني بأبشع الألفاظ عشان يفرغ عقدة نقصه فيا! ولما حاولت أرد عليه أو أقوله حرام عليك.. قام من على الكرسي وضـ,ـربني بالخيزرانة بتاعته!”.
أبويا برق بصدمة وقال بصوت مرعوب: “قام من على الكرسي؟! يعني هو مش مشلول؟!”. شهد شهقت وعلت صوتها بالبكاء: “لأ يا بابا! هو بيتحرك ويمشي بس بصعوبة وبيتمارض قدام الناس عشان ياخد العطف والوجاهة، ولما يبقى لوحده في البيت بيتحول لوحش! ده مريض نفسي.. قال لي إنه اتجوزني بس عشان يك.سر عين عفاف ويورّيها إنه يقدر يشتري أي حد بفلوسه، وقال لي إن كل العز ده بشرط واحد.. إني أكون الجارية بتاعته اللي بيفرغ فيها غله وقسوته!”.
أمي كتمت بقها بإيدها وجسمها كله بدأ يتلفت برعب، وقالت بصوت مكسور: “يا نصيبتي السودة.. يا فضيحتك يا عز الدين! طب وأنتِ هربتي إزاي؟!”. شهد بصت لأمي بنظرة كلها ندم وحسرة وقالت: “استغليت إنه دخل ينام بعد ما تعب من الضـ,ـرب، وفتحت باب القصر وهربت باللي عليا.. جيت في تاكسي ودفعت له غويشتي الدهب اللي كانت في إيدي.. أنا مش راجعة له تاني يا ماما، أنا تمو.توني هنا ولا إني أرجع للسجن ده!”.
في اللحظة دي، وقفت أنا في نص الصالة، بصيت لأمي وأبويا اللي كانوا زي الفراخ المبلولة، كبريائهم والجشع اللي كان عامي عينيهم اتبخر في لحظة، وساب مكانهم الخزي والندم. قربت من شهد وحطيت إيدي على كتفها، بصت لي شهد وانهارت أكتر وقالت وهي بتبوس إيدي: “سامحيني يا عفاف.. كان عندك حق، الفلوس طلعت رخيصة أوي قصاد الكرامة والصحة.. أنا بعت نفسي للقرشين وربنا عقابني في ساعتها!”. قبل ما حد فينا ينطق كلمة زيادة، الشارع تحت البيت اتهز بصوت فرامل عربيات قوية أوي.. صوت آلات التنبيه كان بيصرخ في السكون، وأضواء العربيات الخضراء والقوية دخلت من شبابيك الصالة وعكست على الحيطان.
أبويا جرى على البلكونة وبص منها، ورجع وشها أبيض زي الملاية، وقال بصوت حشرجة: “يا ساتر يا رب.. العربيات تحت، والرجالة بتوعه نازلين وبيزعقوا في الشارع.. نازلين ياخدوا البنت!”. الباب بره اتدك بدبات رجالة ثقيلة، وصوت العريس رن في الممر بصوت حاد ومرعب وهو بيصرخ: “افتح يا حاج! افتح بدل ما أهد البيت ده على دماغكم كلكم وأحبسكم بالقانون! مراتي هترجع معايا حالا ورجلها فوق رقبتها!”.
أمي مسكت شهد وحض.نتها وهي بتعيط بقلة حيلة، وأبويا وقف ورا الباب مش قادر يمد إيده يفتحه.. الخوف كان شالل البيت كله. بصيت للباب، وبصيت لأختي اللي كانت بتمو.ت من الرعب، وحسيت إن الغضب اللي جوايا أكل أي خوف.. قربت من الباب، ومشيت بخطوات ثقيلة ومصممة، ومسكت الأكرة وأنا باخد نفس عميق.. ورزعت الباب وفتحت في وشهم!


