—”لو بتحبيني بجد، هتاخدي أخواتك تسلميهم للملاجئ قبل الفرح”، قالها لي خطيبي وهو بيحط السكر في الشاي عادي جداً، كأنه بيطلب مني أغير لون مفارش القاعة. إيدي اتجمدت وهي ماسكة المعلقة، وأنا سامعة صوت المطر بيخبط على شباك بيت بابا الله يرحمه في المنصورة. في الصالون، كان يوسف وعمر، أخواتي التوأم عندهم خمس سنين، نايمين على الكنبة ولابسين نفس البيجامة ومحضنين في نفس الدبدوب. شريف ما وطّاش صوته حتى: — “يا فريدة، تفهمي.. إنتي عندك سنتين وعشرين سنة، مش منطقي تشيلي شيلة عيلين مش ولادك.”
حسيت بحاجة جوايا بتتكسر بتكتكة مكتومة، بس ما نطقتش. شريف وأنا مع بعض من أيام الثانوى. حضر خطوبتي من غيره لما كنا متخاصمين، جابلي بوكيه الورد في تخرجي من الكلية، وكان بيحضر معانا كل جمعة لما بابا كان بيعمل المشويات في الجنينة وماما تضحك وتقول الشوي حرق اللحمة. لما جه يتقدم لي، طلب إيدي تحت شجرة المانجو اللي بابا كان زارعها في البيت. ساعتها، يوسف وعمر طلعوا يجروا من المطبخ وهما بيصرخوا:
— “يعني شريف بقى أخونا الكبير خلاص؟” شريف ضحك، شالهم هما الاثنين ووعدهم: — “أول ما ندخل الصيف، هوديكم ملاهي السندباد ونركب السلسلة مع بعض!” وكان بيقولي: “دول أشقياء بس سكر، يموتوا في اللعب.” أنا صدقته.. كنت فاكرة إن حياتي مرسومة بالمسطرة: فرح في ديسمبر، شقة صغيرة في التجمع، ونعيش حياتنا.. بابا وماما كانوا طايرين من الفرحة، وماما كانت عاملة فايل كاملاً فيه أشكال لفساتين الفرح وبابا بيتدرب على رقصة السلو.
كل ده اتقلب في ثانية، يوم الثلاثاء الساعة 6 المسا. تليفوني رن وأنا براجع كروت الدعوة، رقم غريب: — “الأنسة فريدة؟ للأسف والدك ووالدتك عملوا حادثة صعبة على طريق إسكندرية الصحراوي..” 1الدنيا اسودت في وشي. — “إخواتي!” صرخت، “إخواتي الصغيرين كانوا معاهم!” — “أطفالك بخير في المستشفى، بس البقاء لله في الوالد والوالدة.” مش فاكرة وصلت إزاي.. فاكرة بس شريف وهو سايق بسرعة من غير ولا كلمة، وريحة المستشفى اللي تخنق.
يوسف كان راسه ملفوفة بشاش، وعمر إيده متجبسة. قاعدين على السرير مستنيين ماما تدخل بعصائر وبابا يدخل يقرصهم في خدودهم. — “هي ماما تأخرت ليه يا فريدة؟” قعدت وسطهم وحضنتهم.. محدش بيعلم البنت إزاي تتحول لأم في ليلة وضحاها. بعدها جيه المحامي، ووضح إن بابا وماما كانوا كاتبين وصية رسمية إن الولاية تكون ليا، والبيت والفيندر ينزلوا باسمهم في البنك تحت وصايتي.. مش هنكون أغنياء، بس مستورين. المحامي سألني: — “محتاجة تفكري يا فريدة؟”
بصيت للتوأم وهما ماسكين في بعض. — “لا.. إخواتي هيعيشوا معايا.” شريف كان واقف في الطاروقة، حضنني وقال: — “هنعدي الأزمة دي سوا.” — “وعد يا شريف؟” — “وعد.” بس الوعد ده عاش أسبوعين بس.. بدأ يتهرب، لو جيه البيت والولاد صاحيين يتضايق. لو يوسف عيط بالليل عشان كابوس يتأفأف. وبدأ يشتكي إن كلامنا كله بقى عن المدارس والدكاترة. في يوم، عمر جاب قصة صغيرة وقرب منه: — “شريف.. اقرأ لي دي؟”
شريف رد بزهق وهو باصص في الموبايل: — “مش فاضي يا حبيبي دلوقتي، روح العب بعيد.” الولد مشى وهو موطي راسه.. ساعتها واجهته في المطبخ: — “دول أيتام يا شريف! مالهمش غيري، محتاجين حنية!” رد بعصبية: — “وأنا محتاج خطيبتي! من يوم الحادثة وإنتي نسيتيني تماماً ومفيش في بؤك غير الولاد!” — “عندهم خمس سنين!” — “ده مش معناه إن حياتنا تقف عشانهم!” ولما الورق الرسمي للوصاية طلع، شريف اتجنن:
— “إنتي بجد نويتي تربيهم؟” — “أكيد، أنا قلتلك من أول يوم!” — “أنا كنت فاكر ده حل مؤقت لحد ما نلاقيلهم دار أيتام أو حد من قرايبك يأخدهم!” — “دار أيتام؟! عايزني أرمي إخواتي؟” — “أنا مش هقضي 15 سنة من عمري أربي ولاد مش ولادي!” — “دول اللي كنت بتقول عليهم أشقياء بس سكر!” — “الكلام ده لما كان عندهم أب وأم يشيلوهم.. مش أنا!” الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية.
— “إختاري يا فريدة.. يا أنا يا إخواتك. الاتنين مع بعض مش هيحصل.” بصيت له في عينيه بسكوت. في اللحظة دي فهمت.. حب شريف ليا كان حلو وطيب طول ما هو ببلاش. حب صور وخروجات وكلام حلو تحت الشجر. لكن أول ما الحياة طلبت تضحية وتعب وشيل مسؤولية، طلع الآلة الحاسبة وبدأ يحسبها بالقرش. — “تمام,” قلت له بصوت هادي جداً. “عندك حق.. لازم ناخد قرار.” ملامحه هديت وافتكر إنه كسب:
— “يعني هتشوفي دار كويسة تتكفل بيهم؟” — “هظبط كل حاجة بعد نهاية الأسبوع ده.” ابتسم وقال: “صح كده، ده العقل.” كملت كلامي: — “بابا وماما الله يرحمهم كانوا واعدينهم يودوهم ملاهي السندباد.. الحجز كان معايا. هوديهم أخر خروجة ونلقط صورة عائلية أخيرة، وبعدها كل حاجة تنتهي.” تنهد براحة: — “ماشي.. ادخلي معاهم الملاهي، وبعد الصورة دي نقفل الملف ده خالص.” — “خالص,” قلتها وأنا بصالة بثبات. اللي شريف مكنش يعرفه.. إن الصورة دي مش هتكون آخر صورة ليا مع إخواتي.
دي كانت هتكون أخر ثانية له هو في حياتي! صباح يوم السبت، يوسف وعمر صحيوا قبل الشمس! كانوا لابسين نفس الملايات—قصدي نفس القمصان الكاروهات، واحد أزرق وواحد أخضر، عشان أعرف ألمحهم وسط الزحمة بسرعة. مع إنهما توأم، بس كل واحد فيهم كان بيعبر عن حزنه بطريقة: يوسف مش بيبطل أسئلة، وعمر ساكت خالص، بيبص للأبواب والنوافذ والطرق كأنه خايف من مصيبة جديدة تطلع له فجأة. شريف جه متأخر.. كان لابس نظارة شمس سودا، قميص مكوي بالمسطرة، وواخد وش الراجل اللي قرر إن كل الناس اللي حواليه عبء عليه.
— “جاهزين؟” قالها ببرود. — “هنركب السلسلة والسيارات!” يوسف صرخ بفرحة. — “وناكل غزل بنات!” عمر قالها وهو بيرفع إيده الملفوفة بالجبس. طول الطريق للملاهي، الولاد بيتكلموا عن اللعب والأضواء. شريف كان بيفرك في دركسيون العربية بزهق كل ما صوتهم يعلى. — “ممكن نهدى شوية؟” قالها وهو بيجز على سنانه. يوسف انكمش في كرسيه، بصيت له في المراية وابتسمت له: — “افرحوا براحتكم النهار ده، هيصوا زي ما انتوا عايزين!”
شريف نفخ بضيق. طنط كريمة—خت أمي الله يرحمها—كانت عارفة الخطة. عندها تسعة وستين سنة، إيديها وجعاها من الروماتيزم بس دماغها ناشفة زي الزلط. مش هتقدر تشيل معايا مسؤولية الولاد، بس كانت تقدر تعمل حاجة أهم: تقف في ظهري وأنا بقطع أخر خيط بيني وبين شريف. بعتت لي رسالة أول ما وصلنا: (أنا واقفة جنب كشك العصير.. عينيا عليكِ يا فريدة، إنتي مش لوحدك يا بنتي). قفلت الموبايل.
الملاهي كانت زحمة ومبهجة، ريحة الفشار والغزل بنات والمانجو طالعة في كل مكان، وصوت أغاني المهرجانات والألعاب من بعيد. لخطة ثانية، تخيلت بابا وماما معانا.. بابا وهو بيحاول يكسب دبدوب في النشان ويفشل، وماما بتضحك عليه. نفذت كل وعودي: ركبت معاهم السلسلة، جوبت لهم أكبر كيس غزل بنات، وساعدت عمر بإيده السليمة يرمي الحلقات ويكسب سلحفاة لعبة ليوسف. شريف كان ماشي ورايا بمسافة، عينه في الموبايل طول الوقت. — “مش هنخلص بقى؟” قالها للمرة الأربعة.
— “فاضل الصورة.” — “فريدة رحمة بيا! كفاية تمثيل لحد كده.” ما رديتش عليه. وصلنا عند استوديو تصوير متحرك في الملاهي، معمول بديكور ورد وفانوس رمضان كبير وخلفية عباد شمس. قلبي وجعني لما شفت عباد الشمس.. أمي كانت بتحبه، بتقول دي وردة عفية بتدور على النور حتى لو الدنيا مغيمة. — “صورة عائلية يا هوانم؟” المصور ندى علينا، “الطباعة فورية!” يوسف شد إيدي: — “يلا يا فريدة!” — “أنا جاية عشان كده أصلاً.”
شريف بص في ساعته: “بسرعة خلصونا.” في اللحظة دي، طنط كريمة قربت وشاورت للولاد: — “تعالوا يا حبايب قلبي نختار نظارات مضحكة ونشرب عصير عقبال ما يظبطوا الكاميرا.” أول ما الولاد بعدوا خطوتين، ألتفت لشريف.. — “إنت مش هتطلع في الصورة دي.” حواجبه اتعقدت: “يعني إيه؟” خلعت خاتم الخطوبة من إيدي. الألماسة الصغيرة لمعت تحت إضاءة الاستوديو زي كدبة متلمعة حلو. — “دي مش آخر صورة عائلية لينا معاهم.. دي أول صورة عائلية لينا من غيرك.”
شريف اتجمد مكانه: — “إنتي بتسبيني؟ هنا وفي الملاهي؟” — “إنت اللي خيرتني يا شريف.. يا خطيبي يا إخواتي الأيتام.” — “أنا كنت منطقي وبتكلم في المصلحة!” — “لا.. إنت كنت قاسي.” وشه أحمر من الغضب: — “إنتي مش قلتيلي هترتبيهم وتشوفيلهم حل بعد نهاية الأسبوع؟” — “فعلاً ظبطت كل حاجة.. حجزت لهم دكتور نفساني يتابعهم، أخدت إذن الوصاية من المحكمة، وأمنت المصاريف من فك الوديعة، وطلبت من طنط كريمة نرجع نعيش معاها.. ده الحل اللي ظبطته.”
— “إنتي ضحكتِ عليا!” — “أبداً، إنت اللي سمعت اللي على مزاجك عشان كنت فاكر إنني مستحيل أستغنى عنك.” المصورة كانت بتعمل نفسها بتظبط الكاميرا وهي مركزة مع كل كلمة، وست واقفة ورايا ببنتها المضمورة ضمت حواجبها وبصت لشريف. شريف وطى صوته بغل: — “إنتي بتعملي نمرة وفضيحة في الشارع؟” — “أنا ما عملتش فضيحة.. إنت اللي عملتها لما طلبت مني أرمي عيلين عندهم خمس سنين في ملجأ كأنهم حتة عفش زيادة في البيت!”
فكه اتشنج وقال وهو بيجز على سنانه: — “مفيش راجل في الدنيا هيقبل يتجوزك وإنتي وراكي عيلين ماسكين في ديلك!”



