منوعات

بكره تنزلي

طارق بص لأمه ومش مصدق: —«إنتي قلتي لمراتي الكلام ده يا أمي؟!» حنان وك.سرت عينها ووطّت صوتها: —«دي مجرد كلمة.. مجرد مجاملة!» —«لأ!» زعقت وأنا بجيب أخيري: «دي نظرتك ليا الحقيقية! سبع سنين مقارنات! تقليل من أهلي! فرض عليّ أطبخ وأغسل قبل ما داليا تيجي عشان أنا «أقل منها»! ولما بيتها اتخرب رميتي البلا عليّ! إنتي معايزاش كنة، إنتي عايزة خدامة بالريمووت!» —«عشان زمان الستات كانت بتصون عيلتها وتسمع الكلام!»

—«زمان الستات كانت بتبلع المهانة وتعيش مك.سورة!» قربت مني خطوات: —«لو داليا مكنتش ماشية ورا كلامك وشورك الشوم، كانت زمانها لسة في بيتها!» —«لو ابنك مكنش خاين وبتاع نسوان، كان زمان بيته عموران!» —«إنتي دايماً واخدة صف الغريبة!» بصيت في عينها بثبات: —«أيوه! لأن الغريبة دي لما إنتي كنتِ بتهينيني، هي اللي كانت بتوقف في وشك وتجيبلي حقي! داليا بالنسبة لي أخت، إنما إنتي عملتي إيه؟» سكتت حنان وماتكلمتش. طارق اتنهد بصوت عالي:

—«أمي.. اتفضلي على بيتك.» —«إنت بتطرد أمك عشان خاطر دي؟!» —«أنا بطلب منك تمشي لأنك هنتِ مراتي في بيتي ووسط عيالها!» بدأت تعيط وتعمل دراما: —«ماجد محتاج حد جنبه.. أنتوا كل اللي حيلتي في الدنيا!» —«ماجد معاه فلوس يجيب أكبر تمريض!» طارق رد بقسوة: «وانا عرضت أتحمل جزء، بس هو رفض وقال «ليه أدفع فلوس لغريبة لما ستات العيلة يقدروا يعملوا كده بلاش»!» القرف زاد جوايا.. الموضوع مكنش عجز، دي كانت استباحة ومصلحة.

حنان بصت لابنها بحدة: —«اختّار يا طارق.. يا أنا يا الست دي!» طارق مأخدش ثانية تفكير: —«مراتي وعيالي طبعاً.» وش حنان اتغير، اتصدمت: —«تبيع أمك؟!» —«إنتي اللي بتبيعي ابنك كل ما بتدوسي على مراته وتطلبي مني أسكت!» مشي معاها للباب، وقبل ما تخرج صرخت في وشي: —«بكرة يرميكي وتعدي لوحدك!» —«أقعد لوحدي بكرامتي، ولا أقعد وسط ناس مايعرفونيش غير لما يعوزوا مني خدمة!» قفلت الباب. طارق حض.نني وقال: —«حقك عليّ.. كان مفروض أعمل الحدود دي من زمان.»

—«إنت دايماً كنت بتدافع عني يا طارق.» —«بس سبتك تروحي أماكن عارف إنهم هيهينوكي فيها.» بعديها بيومين، عمي محمود كلم طارق وقال إن «الستات بقت بتخرب البيوت وعقلها خفيف». طارق رد عليه: «واللي بيشوف الظلم ويسكت عليه يا بابا، بيخرب البيت أكتر من اللي بيظلم.» وقفل السكة. افتكرت الموضوع خلص، بس بعد أسبوع داليا كلمتني وهي بتضحك باستغراب: —«فريدة.. تحكمي مين كلمني من المستشفى؟» —«أوعي تقولي ماجد!» —«هو بعينه!» —«عايز إيه ده كمان؟»

داليا سكتت ثانية وقالت: —«بيقولي إنه عرف إن أنا أحسن حاجة حصلت في حياته.. وعايزني أرجعله!» —«وقلتيله إيه؟» —«قلتله وإنت في المستشفى بالمرة، خلي الدكتور يكشف على مخك!» ضحكت، بس داليا كملت بجدية: —«وقال لي قبل ما يقفل، إن كل اللي حصل ده كان بسبك إنتي يا فريدة! إنك إنتي اللي حشيتي دماغي، ولولاكِ كان زمان بيته مفتوح وأمه وسط عيلتها!» بصيت لطارق وابتسمت بحسرة: —«يبقى لسة مابيفهموش.. ولا هيعقلوا أبداً.»

—«هما مش هيستوعبوا يا داليا.. الفئة دي من البشر بتشوف إن أي حد بيرفض يستعبد أو يتهان، هو اللي شرير وبيخرب البيوت.» داليا اتنهدت على الناحية التانية من التليفون وقالتلي: —«عارفة يا فريدة؟ أنا الزيارة دي والمكالمة دي أثبتتلي إني أخدت صح قرار في حياتي لما طلبت الطلاق. الراجل ده مش بس مريض جسدياً، ده مريض بالاستحقاق.. فاكر إن الدنيا كلها لسه بتدور حولين رغباته.» قفلت مع داليا وبصيت لطارق اللي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه. كان بيسمع كل كلمة. قربت منه وقعدت جنبه، رفع رسه وبصلي بعيون مليانة وجع وعتاب لنفسه:

—«أنا أسف يا فريدة.. أسف إني سبتك السنين دي كلها تستهلكي طاقتك وكرامتك في معارك مع ناس مش شايفينك بني آدمة من الأساس. أنا كنت فاكر إن السكوت والمسايسة هيحافظوا على البيت، أتاري السكوت هو اللي طمعهم فينا.» —«المهم إننا إيد واحدة يا طارق.. اللي فات ما.ت، المهم اللي جاي.» تاني يوم، الباب خبط بآدمية المرة دي. لما طارق فتح، كان عمي محمود واقف على الباب. وشه كان دبلان ومجهد. دخل وقعد في الصالة، وبصلي بثقل:

—«يا فريدة يا بنتي.. أنا جاي لحد عندك. حنان طريقتها ناشفة، وماجد دماغ ناشفة، بس في الأول والأخر إحنا عيلة.. والستر حلو. ماجد محتاج حد أمين معاه في المستشفى ليلتين بس لحد ما يتفك الجبس، والغريبة اللي هنيجيئها من مكتب التمريض مش هتصونه زي ما نسيبه هتيصونه.» لقيت طارق هيتكلم، بس مسكت إيده وبصيت لعمي محمود بهدوء تام:

—«يا عمي محمود، على عينى وعلى راسي احترامك لسنك.. بس حضرتك جاي تطلب الستر من الشخص اللي مرتك وابنك كانوا بينهشوا في كرامته كل يوم؟ هو الستر ده مابينزلش غير لما تحتاجوا خدمة؟ لما ماجد كان بيقفل باب بيته على داليا ويهينها، مكنتش بتفتكر الستر ليه؟ لما حنان كانت بتقارن بيني وبين داليا وبتقلل مني قدام الغريب والقريب، مكنتوش بتفتكروا إننا عيلة ليه؟» عمي محمود سكت، ومقدرش يرفع عينه في عيني.

كملت بصلابة أول مرة أحس بيها في حياتي: —«ابنك ماجد معاه فلوس للفسح والرحلات ومصايب الساحل.. يروح يدفع منها لشركة تمريض محترمة تشيله وتحطه. أنا مش خدامة عند حد، ومش هكون كبش فداء لعجزكم عن التفاهم مع بعض. والبيت ده مقفول علينا وعلى عيالنا.. اللي يحترمنا يترفع على الراس، واللي يشوفنا أرقام أو خدمات، بره حياتنا بالمعروف.» عمي محمود اتنهد تنهيدة طويلة، قام وقف بصعوبة، وبص لطارق وقال: —«ربنا يهديكم يا بني.. إنت خسرت أمك وأخوك.»

طارق وقف بكل ثبات، ورد عليه بكل هدوء: —«لأ يا بابا.. هما اللي خسروك وخسروني من زمان لما افتكروا إن الفلوس والأصل بيسوا حاجة من غير أدب ورحمة. أنا جزمة مراتي فوق راسي لأنها صانتني وصانت بيتي، والبيت ده مش يدخله حد بيهين صاحبة البيت.» خرج عمي محمود وقفل الباب وراه بالراحة.. والسكوت ساد الشقة.

مرت الأيام، وماجد خرج من المستشفى بعد ما أجروا له ممرض شاطر بفلوسه اللي كان مستخسرها. حنان حاولت كذا مرة تبعت رسائل عتاب وعياط لطارق، بس طارق حط حدود صارمة: «تكلميني تسألي عني وعن عيالي أهلاً بيكي، تجيب سيرة مراتي أو تطلبي طلبات مالهاش لازمة، السكة مقفولة.» ومع الوقت، اضطرت ترضخ للأمر الواقع بعد ما عرفت إن ابنها الكبير مش هيسكت تاني. داليا كملت حياتها، نجحت في شغلها أكتر، وعايشة في راحة بال مع ابنها، وبقينا لسه بنتقابل كل أسبوع.. مش كنساب، بس كأخوات حقيقيين اختاروا بعض بجد، مش بظروف العيلة ولا بصلة الدم.

في أوقات كتير، البيوت ماببتخربش من اللي بيحط حدود لحياته وكرامته.. البيوت بتتخرب لما بنجبر الطرف الضعيف إنه يستحمل القهر لحد ما ينفجر. والحدود مش قسوة، الحدود هي السور اللي بيحمي اللي فاضل من إنسانيتنا.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى