
التليفون ده هيفضل مفتوح في إيدي، وعربيتي أنا هتمشي وراكم مع السواق بتاعي، ومفيش ورقة واحدة هتخرج من شنطتي إلا لما هشام يقعد قدامي ويحطلي حق أبويا ودهبي على الترابيزة الأول.
حازم ابتسم ابتسامة احترام خفيفة، وفتح باب العربية ووسع الطريق
طلبك مجاب يا ست البنات… اتفضلي.
ركبت العربية، والباب اتقفل ورايا برنة تقيلة عزلت صوت صړيخ محمود وتوسلاته بره. العربية اتحركت بسرعة چنونية في شوارع الجيزة، وكل ما نبعد عن العمارة، كنت بحس إن كابوس وخلص وبداية كابوس أكبر بتبدأ…
وبعد نص ساعة من الصمت التام، العربية وقفت قدام فيلا ضخمة ومنعزلة في طريق المنصورية، البوابات الحديد اتفتحت ودخلنا ممر طويل مليان حراسة، ولما نزلت ودخلت الصالون الفخم، كانت المفاجأة اللي هدت كل حساباتي
المستشار هشام ابن خالي مكنش قاعد مستنيني كمحامي بيحميني… هشام كان قاعد رجل على رجل، وفي إيده سېجار كوبي، وقاعد جنبه راجل ستيني هيبته ټرعب، وهشام بصله بابتسامة خبيثة وقال
جابت الورق كله زي ما خططنا بالظبط يا باشا… شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس!
الكلمة نزلت على راسي زي جردل ماية تلج في عز طوبة شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس!
وقفت في وسط الصالون الواسع، الثريات الكريستال اللي نازلة من السقف كانت بتلمع بإضاءة فاقعة عمّت عيني للحظات. ريحة خشب الأبنوس الممتزجة بدخان السېجار الكوبي ملَت مناخيري لحد الخنقة. عيني كانت متبتة في وش هشام، ابن خالي، الراجل اللي لجأتله بدموعي واستنجدت بيه على أساس إنه ضهري وسندي والوحيد اللي باقيلي بعد مۏت أبويا.
كان قاعد حاطط رجل على رجل، لابس بدلة رمادي مفصلة على مقاسه بالملي، وساعة دهب بتلمع في معصمه، ومبتسم نفس الابتسامة الباردة اللي كنت بشوفها زمان لما كان بيكسب رهان في العيلة.
جمبه كان قاعد الراجل الستيني، ملامحه حادة زي الصقر، شعره أبيض متسرح لورا بدقة، ماسك في إيده كوباية كريستال فيها تلج بيتحرك برنة منتظمة، وعينيه الاتنين فضلوا متثبتين عليا من فوق لتحت بنظرة فاحصة كأنه بيعاين بضاعة.
رجعت خطوة لورا غريزياً، وضميت الشنطة لصدري، وقولت بصوت حاولت أخليه ميهتزش بس الغدر كان كاسر نبرتي
لعبة إيه يا هشام؟! أنت… أنت بتقول إيه ولمين؟!
هو مش أنت اللي قولتلي فوق في التليفون صوري الورق وانزلي وأنا مستنيكي في القسم؟! مين ده وبتخططوا لإيه من ورايا؟!
هشام نفخ دخان السېجار لفوق بهدوء مستفز، وقام وقف من مكانه، حط إيده في جيب البنطلون وقرب مني بخطوات بطيئة واثقة، ووقف على بعد متر واحد وقالي بنبرة فيها عطف مصطنع
اهدي يا شروق… متشنجيش أعصابك يا بنت عمتي. أنتي عملتي الصح، وجبتي الورق اللي هينقذ رقبة العيلة كلها، وبدل ما تشكريني إن طلعتك من بين إيدين النصاب محمود قبل ما الحكومة تكبس عليه وعلى بيت أمه، جاية ټصرخي في وشي؟
الراجل الكبير شاور بإيده لهشام عشان يسكت، وصوته الرخيم طلع يملى الصالة
سيبي الدوسيه يا مدام شروق، وتعالي اقعدي عشان تفهمي أنتي كنتي عايشة مع مين… ومعمية عن إيه طول السنين دي.
بصيت للراجل وقولتله بحدة
أنا مش هسيب ورقة واحدة ولا هقعد في مكان غير لما أعرف مين حضرتك الأول، وبأي حق رجالتك يوقفوني في الشارع ويجيبوني هنا؟!
الراجل ابتسم ابتسامة باهتة ورد ببرود
أنا منصور التهامي…
الشريك القديم لوالدك الله يرحمه في شركات الاستيراد وأراضي الشرقية، والرئيس الفعلي لمجلس إدارة الشركة اللي كان سي محمود جوزك ومجموعته بيسرقوها تحت مسمى صيانة وتوريد مكن من المينا.
الاسم رن في دماغي؛ منصور التهامي… الاسم ده أنا شفته قبل كدة كتير في أوراق بابا القديمة وفي وصولات الأمانة اللي كانت متخزنة في درج مكتبه في شقتنا القديمة!
هشام قرب مني أكتر وحط إيده على كتفي، فنفضتها پعنف وبصتله بغل، فكمل كلامه ببرود
شروق، افهمي اللعبة صح عشان متضيعيش نفسك.
محمود مكنش شغال لوحده، محمود كان واجهة لمجموعة تانية شغالة في غسيل الأموال وتهريب بضايع متهربة من الجمارك، وكان مستغل التوكيل بتاع خالك الله يرحمه والورشة اللي باسم هناء عشان يدخل الصفقات دي ويسجلها بأسماء حريم، بحيث لو وقع، هما اللي يشيلوا الليلة وهو يخلع بفيزا دبي اللي مجهزها مع نهى.
بلعت ريقي وبصيت للورق اللي في شنطتي
والدوسيه ده؟ وإيصالات الأمانة وأرض أبويا اللي باعها لدعاء؟
منصور التهامي حط كبايته على الترابيزة الرخام وقام وقف، وسحب ملف تاني خالص من على المكتب ورماه قدامي
محمود باع الأرض لدعاء بعقد صوري، بس هو كان كاتب قبلها تنازل رسمي ليا أنا كضمان للبضاعة اللي استلمها ومسددش تمنها… يعني الأرض دي كانت هتدخل في مزاد علني الأسبوع الجاي وتضيع منكم للأبد. الورق اللي في شنطتك هو النسخة الأصلية اللي تثبت إن البيع لدعاء تم بتاريخ قديم ومزور بعد ۏفاة والدك، وده الورق الوحيد اللي يثبت حقك في إبطال التوكيل واسترجاع الفدانين، وفي نفس الوقت هو اللي هيودّي محمود في ستين داهية ويثبت تورطه في الڼصب وغسيل الأموال.
قعدت على أقرب كرسي ورجلي مش شيلاني. بصيت لهشام وقولتله پقهر
وأنتم كنتوا عارفين كل ده؟ سايبيني تلات سنين مخدوعة وبتعامل زي الشغالة وببيع دهبي وبصرف عليه، وأنتم مستنيين الورق يقع تحت إيديكم؟
هشام نزل على ركبته قدامي وبصلي بجدية
والله يا شروق مكنتش هسمح لشعرة منك ټتأذي. محمود كان خبيث ومخبي الأصول كلها في مكان محدش يعرفه غيره هو وأمه، ولما أنتي نزلتي النهاردة وكلمتيني وقولتيلي على الورق اللي تحت الحوض، عرفت إن الفرصة جت عشان نضر.ب الضړبة القاضية وناخد حقك وحق عمي قبل ما يهرب بالليل.
سكتت لحظات، عقلي كان شغال بأقصى سرعة بيحلل كل نظرة وكل كلمة. مسكت الدوسيه الأحمر، وطلعته من الشنطة وحطيته على الترابيزة قدام منصور وهشام، بس إيدي فضلت متبتة عليه
الورق ده مش هيتسلم للنيابة غير بشرطين مفيش غيرهم.
منصور التهامي رفع حاجبه باهتمام
سامعك يا مدام شروق… إيه شروطك؟
أولاً أرض أبويا ترجع باسمي أنا وأمي بكره الصبح بإقرار تنازل وتصالح موثق في الشهر العقاري من طرفكم ومن طرف دعاء ومحمود بالتوكيلات اللي معاكم.
ثانياً دهبي اللي باعه محمود وقيمته اللي مسحوبة من حساباتي ترجعلي كاش ومكتوبة في محضر الصلح كتعويض، ومحمود ياخد جزاءه بالقانون من غير ما اسمي ولا اسم أبويا يتلوث في قضايا التهريب بتاعتكم.
منصور
التهامي بص لهشام، وضحك ضحكة قوية ملَت الصالون، وقال بإعجاب
بنت عبد الرحمن بصحيح… من صلب راجل مكنش بيسيب حقه لآخر نفس في عمره. طلباتك كلها مجابة ومنفذة من قبل ما تطلبيها.
سحب منصور تليفونه واتصل بالمستشار القانوني بتاعه وأمره يجهز عقود التنازل والشيك المصرفي بالمبلغ فوراً.
بعد ساعتين كاملين من مراجعة المحامين وكتابة العقود، وقعت على استلام حقي بالكامل شيك مصرفي بقيمة دهبي ومصروفي، وتنازل مسجل ومختوم يرجع فدانين الزيتون بتوع بابا لاسمي أنا وأمي، ومحضر رسمي يثبت براءتي من كل تعاملات محمود المشپوهة.
وفي نفس اللحظة اللي مسكت فيها العقود في إيدي، الباب اتفتح ودخل ظابط مباحث ومعاه حازم، والظابط شاور لهشام وقال
تم القبض على محمود عبد الحميد في المطار وهو بيحاول يهرب مع المدعوة نهى، وقوة تانية اتحركت للورشة ولبيت والدته للتحفظ على دعاء وهناء لسماع أقوالهم في التزوير وغسيل الأموال.
قمت وقفت، حطيت ورقي وشيكي في شنطتي، ولبست نظارتي الشمسية وعدلت هدومي.
بصيت لهشام وقولتله بابتسامة خلت وشه يتغير
شكراً يا ابن خالي… خدمتني من غير ما تقصد، بس من النهاردة مفيش في حياتي مكان لحد فاكر إني ممكن أكون كارت في لعبة حد.
خرجت من الفيلا وخطواتي بتهز الأرض، ركبت عربيتي وفتحت الشباك عشان يدخل هوا العصر البارد. خدت نفس طويل لأول مرة من سنين؛ نفس حسيت بيه بطعم الحرية والكرامة والانتصار.
محمود وأهله خدوا جزاء طمعهم وسواد قلوبهم، والست اللي كانت داخلة الصبح شقيانة ومقهورة في مطبخ حماتها، خرجت وهي قالعة عباية الضعف ولابسة توب القوة، وبترجع حقها كامل مكمل من وسط الوحوش.



