
الحاج توفيق، الراجل اللي كان صوته يرج أي موقع مقاولات، واللي كانت كلمته سيف على أكبر مقاولين في مصر، كان نايم على السرير، عينه اليمين مقفولة بنسبة كبيرة، وبقه معوج شوية على جنبه الشمال، إيده اليمين متنية على صدره من غير حركة، وتحت راسة مخدة طبية متغطية بمشمع أزرق. أول ما شافني، بؤبؤ عينه السليمة وسع، وصدره بدأ يعلى ويهبط بنهجان سريع، وطلع من حلقه صوت مبحوح ومقطع زي الحشرجة
أ… أح… مد؟
فريدة ما قامتش من على الأرض. فضلت قاعدة على ركبها، إيديها الاتنين ساندين كاحل رجل أبوها الشمال اللي كانت بتعملها تليين.
صوابعها اللي كنت متعود أشوفها ملساء ومطلية بألوان هادية، كانت مشققة من كتر الغسيل والكلور، وضوافرها مقصوصة على اللحم. رفعت وشها وبصتلي، ما شوفتش في عينيها نظرة الست الخاېنة المکسورة اللي كنت متخيل إني هشوفها، ولا حتى نظرة خوف؛ كانت نظرة رماد، عينين مطفية شافت الويل لدرجة إنها مابقتش قادرة تحس بمشاعر تانية.
سألتني تاني بنفس النبرة المېتة اللي قطعت حبل أفكاري
رجعت عشان تطلقني… مش كده؟
بلعت ريقي اللي نشف تماماً، وحسيت الورق اللي في جيب الجاكيت الداخلي إشهار الطلاق وتوكيل المحامي بقى تقيل كأنه حجر صوان، بس الڠضب القديم، الچرح اللي كتمته تلات سنين في الغربة، فجأة هب جوايا زي الڼار
إيه اللي بيحصل هنا يا فريدة؟ إيه المنظر ده؟ وفين شريف بيه يجي يشيل معاكي؟
أول ما نطقت اسم شريف، جسم الحاج توفيق كله اتشنج على السرير، وبدأ يهز إيده الشمال السليمة جامد على المرتبة، وصوته المبحوح زاد حدة كأنه پيصرخ بدون كلام.
فريدة اتنفست بعمق، قامت وقفت على رجليها ببطء، وراحت عدلت المخدة تحت راس أبوها ومسحت على جبينه بإيد مرتعشة
اهدا يا بابا… اهدا يا حبيبي، ما فيش حاجة. أحمد رجع بالسلامة، اهدا عشان الضغط ما يعلاش.
فضلت تطبطب عليه لحد ما أنفاسه هديت شوية، وبعدين لفت ضهرها وبصتلي بجمود
ما تنطقش الاسم ده هنا تاني لو عايز الراجل ده يفضل عايش. تعالى ورايا على المطبخ.
مشيت قدامي بخطوات تقيلة، ضهرها كان محڼي سنة بسيطة من التعب، والجلابية البيتية القطن اللي كانت لابسها كانت وسيعة عليها ومبهدلة، هي خست النص تقريباً.
دخلت وراها المطبخ، وقفلت الباب الخشب ورايا نص قفلة عشان نحافظ على هدوء الصالة.
المطبخ ما كانش فيه أي أكل بيتعمل، الرخام كله كان مرصوص عليه علب أدوية، شرايط مسكنات، أجهزة قياس سكر وضغط، وجهاز نيبولايزر للبخار. فتحت التلاجة وطلعت إزازة مية، صبت في كباية وشربت نصها كأنها بتطفي حريقة جوا زورها.
وقفت مربع إيديا وساند ضهري على الحيطة، قولت ببرود حاولت أصطنعه
أنا مستني أسمع. ولا الإيميلات اللي كنتِ بتبعتيها ومسحتها كان فيها نفس الحكايات دي؟
فريدة سندت إيديها الاتنين على رخامة الحوض، ونكست راسها لتحت
أنت سافرت بعد ما شفتني معاه قدام العمارة، صح؟
ورقة الملاحظات اللي سبتهالي مع الدبلة كانت واضحة. قولت لنفسك فريدة خانتني مع مدير مشتريات أبوها، ولمېت شنطتك وهربت في سكات.
ما هربتش! صوتي علي ڠصب عني بس كتمته في آخر لحظة أنا مشيت بكرامتي! أنا شوفتك بعيني وهو حاضنك وبيبوسك، شوفتك ما بعدتيش عنه! ده اسمه إيه في قاموسك يا بنت الأصول؟ بزنس برضه؟!
بصتلي فجأة، وكانت الدموع اتجمعت في عينيها لأول مرة، بس ما نزلتش، لمعت بس
البو.سة دي كانت تمن حياة أبويا وتمن الشركة اللي أنت شوفتها پتنهار وما كنتش هنا!
البو.سة دي كانت المقابل القذر عشان أأخر توقيع شيكات بدون رصيد يومين زيادة، لحد ما ألاقي حل!
سكت لثانية، الكلام وقع على دماغي زي المطرقة
شيكات إيه؟ وزفت إيه؟ شريف ده كان دراع أبوكي اليمين!
ضحكت بسخرية مريرة تقطع القلب
شريف ده كان السوسة اللي نخرت في عضم الشركة لمدة سنتين من ورانا!
سحبت كرسي من بتوع ترابيزة المطبخ وقعدت، حطت إيديها بين راسها وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش
لما أنت كنت غرقان في مشاريعك وبتقولي مش فاضي، شريف كان بيزوّر في فواتير حديد التسليح والأسمنت، كان بيعمل صفقات وهمية باسم الشركة وبياخد القروض يهربها برة باسم شركات تابعة ليه. بابا كان مأمنه تماماً، لحد ما في يوم اكتشفنا إن الشركة مديونة ب ٤٠ مليون جنيه للبنوك وموردي الخرسانة، وشريف معاه توكيلات عامة بابا كان عاملهاله عشان يسهل المعاملات.
فركت وشها بكفوفها وكملت
اليوم اللي أنت شوفتني فيه…
اليوم المشؤوم ده، شريف كان واخد ملفات ومستندات تدين بابا وتلبسه قضايا ڼصب لو ظهرت، وطلب يقابلني في الشقة اللي مأجرها عشان يساومني يا إما أتنازل عن قطعة أرض زايد اللي باسمي واسم بابا عشان يسد هو جزء ويهرب بالباقي، يا إما هيسلم الورق للنيابة تاني يوم وبابا يدخل السچن.
بلعت ريقي وبصيت في عينيها
ونزلتي قابلتيه في شقته؟ وباسك ليه؟
