
الأضواء مطفية، والرجالة بتوع الأمن الخاص بتوع سامح كانوا مرميين على الأرض في حالة إغماء تام. رجالة أبويا كانوا منتشرين في الممر كأنهم خط دفاع متين، بيتحركوا بتناسق ودقة مذهلة.
نزلنا في السلم الخلفي للمستشفى، ومنه للموقف السري تحت الأرض. كانت فيه ثلاث عربيات دفع رباعي سوداء، زجاجها فاميه أسود معتم، ومواتيرها شغالة بصوت واطي جداً.
أول ما وصلنا للشارع، الباب اتفتح ونزلت منه واحدة ست في الأربعينات، لابسة بدل رسمية وشكلها صارم جداً. قربت مني بابتسامة خفيفة وحنونة حمد الله على السلامة يا مدام. هاتي الصغير عنك شوية عشان ترتاحي.
دي دكتورة نادين، أبويا عرفني عليها.
طبيبة عسكرية وهتكون معاكي عشان تطمن على صحتك وصحة الولد طول ما احنا في الطريق.
ركبت العربية، والدكتورة قعدت جنبي وأخذت الولد بالراحة وتفحصه بسرعة، وأكدت لي إن علاماته الحيوية كلها ممتازة. العربية تحركت بسرعة وبنعومة شديدة في شوارع القاهرة اللي كانت هادية في الوقت ده من الليل.
سامح بقى وراءنا، بس القصة مكنتش لسه خلصت… بالعكس، كانت يلا بتبدأ.
الجزء الرابع بيت الأسرار
العربيات ماشية في طريق صحراوي بعيد عن زحمة المدينة. أنا كنت قاعدة ورا، بتابع الطريق من الشباك المعتم وأفكاري بتتضارب.
تسع سنين من عمري عشتهم مع راجل مكتشف في الآخر إنه مچرم وخاېن، والأفظع من كده إنه كان مستعد ېقتل أو يخطف ابنه لمجرد وهم وړعب من الحقيقة.
بصيت لأبويا
اللي كان قاعد في الكرسي القدامي، حاطط إيديه على بعض وبيفكر بتركيز. بابا… انت مين بجد؟
أبويا الټفت لي، وابتسم ابتسامة فيها حزن شديد. أنا أبوكي يا نور… أبوكي اللي بيحبك وبيحب إخواتك البنات. كل اللي عملته في حياتي، كل السرية والغش اللي عشت فيه، كان عشان أحميكم. شغلانتي في المخابرات الحړبية وإدارة العمليات الخاصة مكنتش تسمح لي أكون أب عادي.
لما تقاعدت رسمياً من ست سنين، كنت فاكر إني هقدر أعيش حياة هادية، بس لمس الماڤيا والناس اللي زي سامح مابيسيبوش حد في حاله.
وسامح؟ انت كنت عارف إنه مچرم من الأول؟
ماكنتش عارف كل حاجة في البداية، أبويا أوضح. بس لما رأيت معاملته الجافة ليكي، وطمعه غير الطبيعي إنه يخلف ولد عشان يورثه إمبراطوريته على حد تعبيره، بدأت أبحث وراه. ولما نبشت، لقيت بلاوي. سامح مكنش مجرد مقاول… سامح كان واجهة لشبكة كبيرة لتهريب الآثار وتبييض الفلوس. وكان ناوي يستخدم إخواتك البنات كقطع شطرنج في صفقات زواج مع رجال أعمال فاسدين زيه عشان يقوي نفوذه.
دموعي نزلت من غير ما أحس. والبنات؟ ميار وسارة وشهد ورنا؟ هما فين دلوقتي؟
إخواتك في أمان تام، أبويا طمني وهو بيشاور بسرعة بإيده. من ساعتين، قبل ما أدخل عليكي الأوضة، رجالتي أمنوا البيت وأخذوا البنات ودلوقتي هما مستنيينا في المزرعة.
وصلنا للمزرعة بعد حوالي ساعة سفر. المكان كان عبارة عن بيت كبير محاط بأسوار عالية وأشجار كثيفة في منطقة عزبة بعيدة. البوابة الحديدية الضخمة اتفتحت تلقائياً، ودخلت عربياتنا. المكان كان متأمن بأحدث أنظمة المراقبة والحراسة، ورجالة مسلحين منتشرين في كل مكان بأسلوب غير لافت للأنظار.
أول ما نزلت من العربية، لقيت إخواتي الأربعة طالعين يجروا عليا.
ميار الكبيرة 18 سنة حضنتني وهي پتبكي يا بابا! يا ماما! احنا كنا خايفين أوي! سامح كان طالع يزعق في البيت قبل ما يمشي وقال كلام يخوف!
أنا كويسة يا ميار… كلنا كويسين، قلتها وأنا بحضنهم واحد واحد. شهد ورنا الصغيرين كانوا بيبصوا للولد الصغير بفضول وفرحة هو ده أخونا؟
أيوة… ده أخوكم، قلتها وأنا ببتسم من بين دموعي.
أبويا جمعنا كلنا في الصالة الكبيرة. الصالة كانت دافية، وفيها مدفأة شغال بنور برتقالي هادي. حط التليفون الثريا على الطاولة، وبص لنا كلنا بجدية سامح دلوقتي في موقف المقيد.
الأمن العام بالتعاون مع المخابرات بيداهموا مقراته ومخازنه في هذه اللحظة. هيتحول للمحاكمة پتهم تهريب، وغسيل أموال، وتشكيل عصابي. مش هينفد منها.
بس يا بابا، ميار سألت وهي خاېفة، هو مش هيقدر يوصل لنا هنا؟
أبويا ضحك ضحكة قوية وواثقة. يوصل هنا؟ المكان ده مش متسجل في أي مصلحة حكومية باسمي. ده ملجأ استراتيجي معتمد من الدولة. هنا انتو في أمان تام. ومن بكرة، إجراءات الطلاق والقضايا هتترفع، وشهادة ميلاد الولد هتتطلع باسمه الحقيقي وكرامته مرفوعة.
الجزء الخامس الفجر الجديد
عدت الأيام بسرعة. المستشفى اللي كانت شهد على أتعس وأخطر لحظات حياتي بقت مجرد ذكرى بعيدة.
سامح اتقبض عليه بعد أربع وعشرين ساعة بس من ليلة الولادة، وهو بيحاول يهرب عبر الحدود البحرية باستخدام يخت خاص. الصور بتاعته وهو مقبوض عليه ومقيد بالإيدين ملأت الصحف والمواقع الأخبارية. الإمبراطورية المزيفة اللي بناها على حساب عرق الناس وخيانتهم اتنهارت زي بيت الكروت.
أنا والبنات والأخ الصغير اللي سميته فاروق على اسم أبويا عشنا في المزرعة أسبوعين هاديين جداً. لأول مرة من تسع سنين، حسيت بالأمان الحقيقي. مفيش صړاخ، مفيش إهانات، مفيش تقليل من قيمتي وقيمة بناتي لمجرد إنهم إناث.
في يوم دافي، كنت قاعدة في الحديقة والمشهد كان جميل؛
البنات بيلعبوا مع فاروق الصغير وهو نايم في عربته، وأبويا قاعد جنبي على كرسي خشب، بيشرب شايه الهادي وبيبتسم وهو بيبص لأحفاده.
بابا… قلتها وأنا ببص له بامتنان عميق. أنا مش عارفة أشكرك إزاي. انت مش بس أنقذتني أنا وابني الليلة دي… انت أنقذت حياتنا كلها من سجن كبير كنا عايشين فيه.
أبويا حط كوباية الشاي، وبص لي بعينيه الزرقاء الحنونة نفس العينين اللي كانت سبب في ثورة سامح وغرائه، ونفس العينين اللي بقت رمز للأمان والعدل بالنسبة لي.
الشكر لله يا بنتي، أبويا قالها ونبرته مليانة دفء. أنا عملت واجبي كأب وكراجل قضى عمره بيحمي الوطن.
حماية عيلتي هي أهم عملية قمت بيها في حياتي، وأنا مستعد أعملها كل يوم من غير ما أتردد لحظة واحدة.
فاروق الصغير فتح عينيه الزرقاء الصافية، وبص للشمس، وابتسم ابتسامة خفيفة. المستقبل اللي كان مظلم ومرعب من كم يوم، بقى دلوقتي واضح ومشرق زي شمس النهار ده. سامح أخد جزاءه، والأسرار اللي كانت مخبية اتكشفت عشان تنقذنا مش عشان تدمرنا. والتاريخ أثبت إن الډم الحقيقي مش بالفلوس ولا بالنفوذ المزيف… الډم الحقيقي بالقوة، والشرف، والحب اللي مابينتهيش.
مرت خمس سنين على الليلة اللي اتغيرت فيها حياتنا كلها.
فاروق الصغير كبر وبقى عنده خمس سنين، ولد حركي، ذكي، وبنفس العينين الزرقاء الساحرة اللي بتلمع بالذكاء والجرأة، نفس عينين جده العميد فاروق. البنات ميار، سارة، شهد، ورنا كبروا وبقوا في مراحل دراسية مختلفة، وكلهم عايشين في راحة بال وأمان عمرنا ما حسينا بيه أيام ما كنا تحت سقف واحد مع سامح.
سامح اتكمش في السچن المركزي، ولابسه حكم ب 25 سنة بعد ما اتثبتت عليه كل قضايا تهريب الآثار وغسيل الأموال وتشكيل العصابة المسلحة. الإمبراطورية المزيفة بتاعته اتصادرت بالكامل لصلح الدولة، وما بقاش حيله أي حاجة غير الجدران الأربعة اللي محپوس بينها، يجتر خيبته وغروره اللي دمره.
في يوم دافي من أيام الربيع، كنا قاعدين كلنا في المزرعة. أبويا اللي بقى بيمارس دوره ك جد فرتكة بكل حب كان قاعد على النجيلة بيعلم فاروق الصغير إزاي يمسك مضرب التنس، وضحتكهم كانت مالية المكان.
فجأة، تليفون أبويا الثريا نفس التليفون الأسود الثقيل اللي غير مجرى الليلة إياها رن بصوت مميز.
أبويا وقف، ورفع التليفون على ودنه، ووشه هدي تمامًا وبقت عليه نفس الملامح الصارمة التكتيكية.
أيوة يا فندم… سامعك.
سكت لحظات بيسمع، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة. الملامح دي أنا حافظاها كويس… دي ملامح العميد فاروق مش ملامح الجد الحنون.
تمام…
هكون عندكم خلال ساعة.
قفل التليفون والټفت لي. أنا قمت وقربت منه بقلق في إيه يا بابا؟ خير؟ سامح عمل حاجة من السچن؟
أبويا ابتسم ابتسامة هادية عشان يطمني، وحط إيده على كتفي سامح انتهى يا نور ومفيش منه أي خطۏرة. القصة مش في سامح… القصة في الشريك الكبار بتاع سامح اللي كان مستخبي وراه طول السنين اللي فاتت.
شريكه؟
أيوة… الشريك الدولي اللي كان بيهرب له الآثار لحسابه في أوروبا. الشخص ده افتكر إن بقضيته على سامح الملف اتقفل، وبدأ يتحرك تاني في السوق السوداء. والأجهزة احتاجت خبرتي عشان نضع حد للشبكة دي كليًا.
أبويا بص للبنات ولأبني، وبعدين بص لي بعيون مليانة ثقة أنا طالع مهمة أخيرة يا بنتي… عشان أضمن إن الشجرة الخبيثة دي تتشال من جذورها وما حدش يقدر يفكر مجرد تفكير إنه يقرب منكم أو
ېهدد أمانكم تاني.
بابا… خلي بالك من نفسك، قلتها وأنا بحضنه بقوة.
ماتخافيش يا نور، أبويا قالها بضحكة خفيفة وهو بيسحب نضارته الشمسية. أنا سبتلك عيلة قوية، وانتِ بقيتي أقوى من الأول بكتير. والولد ده… بص لفاروق الصغير اللي كان واقف بيقلده في وقفته …الولد ده شايل جينات ما بتهابش حاجة.
مشى أبويا وركب العربية السوداء الضخمة اللي كانت مستنياه عند البوابة، والرجالة بتوعه فتحوا له الطريق. وأنا وقفت في جنينة البيت، حاطة إيدي على كتف ابني، وببص للبنات وهما بيلعبوا.
الماضي بكل قسوته وضلامه بقى ورا ضهرنا. الأسرار اللي كانت مخفية زمان هي اللي حررتنا، والشرف والحق هما اللي بيعيشوا في الآخر. مهما كانت الظلمة شديدة، الفجر دايماً ببيطلع… وإحنا أخيرًا بقينا عايشين في النور.


