منوعات

كيد نعيمه

كيد العوالم الفصل الأول: كيد الستات من أول ما الشمس بدأت تميل ناحية المغرب، والحارة كلها عرفت إن الليلة دي مش هتعدي على خير. مش عشان فيه خناقة، ولا عشان حد متخانق مع حد. لكن عشان الست نعيمة العالمة داخلة فرح الليلة. ونعيمة كانت معروفة في الحارة بحاجة واحدة قبل صوتها ورقصها: كيدها. كانت ست عندها قدرة عجيبة إنها تخرج من أي موقف وهي الكسبانة، حتى لو الموقف نفسه بدأ وهي الخسرانة.

ولو حد سألها عن السر، كانت تضحك وتقول: «يا حبيبي، الرقص له أصول… والكيد له أصول أكتر.» في الليلة دي كان فرح حسام ابن المعلم رضوان، صاحب محل الأجهزة الكهربائية. المعلم رضوان كان رجلًا بخيلًا جدًا، لدرجة إن أهل الحارة كانوا يقولون إن لو حبة رز وقعت منه على الأرض، ينزل يلمها ويغسلها ويحطها في كيس تاني. ولما اتفق مع نعيمة على الفرح، قال لها: «أنا عايزك تفرحي الناس، بس من غير تكاليف كتير.»

بصت له نعيمة وقالت: «يعني إيه؟» «يعني مفيش طلبات زيادة.» «وأنا طلبت منك إيه؟» «إنتِ اللي قعدتي تقولي عايزة فرقة كويسة، ومكان للعربيات، وعصير، وأكل للفرقة.» ضحكت نعيمة. «يا معلم رضوان، أنا عالمة مش ساحرة.» «يعني؟» «يعني اللي أنت هتدفعه هتطلعه قدام الناس عشرة.» لم يفهم الرجل. لكن بعد ساعة فهم. وصلت نعيمة ومعها فرقتها. وكانت أول مشكلة إن مكانها المخصص للجلوس كان صغيرًا جدًا. نظرت إلى الكرسي. ثم إلى المعلم رضوان.

«هو ده مكاني؟» «أيوه.» «وأنا هقعد إزاي؟» «اقعدي.» «لو قعدت هقعد فوق العريس.» ضحك الموجودون. اضطر المعلم رضوان أن يحضر لها كرسيًا أكبر. قالت نعيمة: «الله ينور عليك، كده الواحد يعرف يشتغل.» بدأ الفرح. نعيمة غنت ورقصت وأشعلت المكان. لكن بعد قليل، جاء إليها واحد من أقارب العريس وقال: «يا نعيمة، العريس عايزك تغني الأغنية الفلانية.» قالت: «فين البقشيش؟» «إيه؟» «الأغنية دي لها بقشيش مخصوص.» «يا ست نعيمة، إحنا أهل.»

ابتسمت. «وأنا كمان أهل… بس الميكروفون مش من العيلة.» ضحك الرجل. ثم ذهب وأعطاها مبلغًا. غنت. وبعدها جاء شخص آخر. ثم ثالث. كل واحد يريد أغنية خاصة. وكل مرة نعيمة ترد بنفس الجملة: «الأغنية حسب الطلب… والطلب له حساب.» وبعد ساعتين، كانت قد جمعت مبلغًا محترمًا دون أن تطلبه من صاحب الفرح. اقتربت منها مساعدتها فاطمة. «إنتِ بتعملي كل ده ليه؟» قالت نعيمة: «عشان المعلم رضوان قال لي مفيش طلبات زيادة.»

«وإنتِ عملتي إيه؟» «خليت الناس تطلب.» ضحكت فاطمة. «ده كيد.» «لا يا بنتي، ده تدبير.» وبينما هما تتحدثان، جاءت امرأة من أهل العريس. كانت اسمها سنية، وكانت معروفة بأنها تحب التدخل في كل شيء. قالت: «يا نعيمة، ممكن طلب؟» «اتفضلي.» «عايزاكي تنزلي ترقصي معايا.» نظرت نعيمة إليها. «أنا؟» «أيوه.» «حاضر.» نزلت نعيمة. بدأت سنية ترقص معها. لكن سنية كانت متحمسة زيادة عن اللزوم، حتى كادت توقع صينية العصير. نعيمة لحقتها.

قالت: «خدي بالك.» ضحكت سنية. «أنا بعرف أرقص.» ردت نعيمة: «وأنا عارفة… بس الصينية مش عارفة.» انفجر الجميع بالضحك. في منتصف الفرح، جاء المعلم رضوان. «يا نعيمة!» «نعم؟» «إنتِ بتاخدي فلوس من الناس؟» «أنا؟» «أيوه.» «ده مش فلوس.» «أمال إيه؟» «تشجيع.» «تشجيع بإيصالات؟» ابتسمت. «الناس بتحب تشجعني.» أمسك رأسه. «يا ساتر!» ثم تركها ومشى. لكن المفاجأة كانت في آخر الفرح. حين جاء وقت الحساب، قال المعلم رضوان: «اتفضلي أجرتك.» أخذت المبلغ.

ثم أخرجت ورقة. «وده كمان.» نظر إليها. «إيه ده؟» «الحساب الإضافي.» «إضافي إيه؟» «الطلبات.» «بس الناس هي اللي دفعت!» «وأنا غنيت لهم.» «يعني هتاخدي فلوس مرتين؟» ضحكت نعيمة. «لا يا معلم، أنا هاخد حقي مرة… والناس دفعت تمن فرحتها بنفسها.» ثم أعاد لها جزءًا من المبلغ. «خد الباقي.» نظر إليها باستغراب. «ليه؟» قالت: «عشان أنت صاحب الفرح.» ابتسم الرجل لأول مرة. «إنتِ غلبانة ولا بتكدّي عليا؟» قالت: «أنا؟ ده أنا أطيب عالمة في الحارة.»

لكن فاطمة التي كانت تقف خلفها قالت: «أيوه طبعًا… والبحر مالح.» ضحك الجميع. وقبل أن تغادر نعيمة، اقترب منها المعلم رضوان. «بصراحة، الفرح طلع أحسن مما توقعت.» قالت: «وأنا قلت لك.» «بس عندي سؤال.» «قول.» «إنتِ بتخططي لكل حاجة دي قبل الفرح؟» ابتسمت. «لا.» «أمال؟» «أنا بستنى الموقف يحصل.» «وبعدين؟» «أعمل كيدي.» ضحك الرجل. «ربنا يستر من الفصل الجاي.» نظرت نعيمة إلى فاطمة. وقالت: «الفصل الجاي؟ ده لسه ما بدأش.»

— الفصل الثاني: العالمة اللي ما بتتغلبش بعد أسبوع واحد فقط، انتشر خبر في الحارة: نعيمة العالمة عندها فرح جديد. لكن المرة دي، الفرح كان مختلفًا. العريس اسمه شاكر، وكان شابًا طيبًا لكنه شديد الخجل. أما العروسة فكانت زينب، بنت المعلم عوض، وكانت معروفة بأنها لا تسكت عن حقها. المشكلة أن والدها كان قد اتفق مع نعيمة على مبلغ معين. لكن عندما جاءت نعيمة لتأخذ عربونها، قال: «أنا غيرت رأيي.»

«في إيه؟» «الفرح بسيط.» «يعني؟» «مش محتاج عالمة.» ابتسمت نعيمة. «طيب.» «طيب إيه؟» «ولا حاجة.» ومشت. استغرب المعلم عوض. «يعني مش زعلانة؟» «ليه أزعل؟» في يوم الفرح، اكتشف المعلم عوض أنه لم يستطع إلغاء الاتفاق مع الفرقة الأخرى التي كانت ستغني. لكن الفرقة اعتذرت في آخر لحظة. بدأت الناس تتجمع. العريس متوتر. العروسة غاضبة. والدها يلف في المكان.
وفجأة ظهرت نعيمة. قال لها المعلم عوض: «إنتِ؟» «أنا.» «إنتِ جاية ليه؟»

«سمعت إن عندكم مشكلة.» «أيوه.» «وأنا جيت أحلها.» «بس إحنا ما اتفقناش.» ابتسمت. «دلوقتي هنتفق.» قال: «كام؟» قالت رقمًا كبيرًا. فتح عينيه. «إيه ده؟» «ده سعر الطوارئ.» «إنتِ بتستغلي الموقف!» «لا، أنا بشتغل وقت الطوارئ.» ثم أضافت: «ولو مش عايز، براحتك.» نظر إلى الناس. ثم إلى العروس. ثم وافق. بدأت نعيمة العمل. خلال دقائق تحول الفرح إلى ليلة لا ينساها أحد. غنت. رقصت. أضحكت الناس. وجعلت العريس نفسه يرقص رغم خجله.

وفي منتصف الفرح، اقترب منها المعلم عوض. «إنتِ كنتِ عارفة إن الفرقة هتعتذر؟» «لا.» «أمال جيتي ليه؟» «عشان عارفة إن الدنيا بتحب اللي مستعد.» ثم ابتسمت. «وبعدين أنا قلت لك من الأول… العالمة مش بس صوت ورقصة.» سألها: «أمال إيه؟» قالت: «العالمة لازم تعرف تقرأ الناس.» بعد انتهاء الفرح، جلس المعلم عوض معها. «أنا اتعلمت منك درس.» «إيه هو؟» «إن اللي يقلل من قيمة شغلك… هو أول واحد هيدور عليك وقت ما يحتاجك.»

ضحكت. «بس أهم درس إنك تدفع مقدم.» ضحك. «لسه بتكدي؟» «دي مش كيد.» «أمال؟» «ضمان.» جاءت فاطمة وقالت: «نعيمة، عندنا فرح جديد الأسبوع الجاي.» «لمين؟» «سنية.» فتحت نعيمة عينيها. «سنية اللي كانت هتقع بصينية العصير؟» «أيوه.» ضحكت. «دي عايزة فرح لوحدها.» سألت فاطمة: «وهتطلبي كام؟» ابتسمت نعيمة. «ولا جنيه زيادة.» تعجبت فاطمة. «ليه؟» قالت: «عشان سنية هتعمل لنا دعاية طول الفرح ببلاش.» ثم ضحكت. «وبعدين، الكيد مش إنك تاخدي من الناس فلوس كتير.»

«أمال إيه؟» «إنك تعرفي تاخدي حقك… من غير ما تخسري حد.» نظرت فاطمة إليها بإعجاب. «إنتِ مدرسة.» ضحكت نعيمة. «لا يا بنتي، أنا عالمة.» ثم حملت حقيبتها ومشت في الشارع، بينما كانت أصوات الطبل والمزمار تأتي من بعيد. وفي كل مرة كان أهل الحارة يرونها، يبتسمون ويقولون: «جت نعيمة… خلي بالكم، الست دي دماغها تزن بلد.» وكانت نعيمة تضحك وترد: «يا جماعة أنا مش بكيد لحد… أنا بس بعرف أعيش.»

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى