منوعات

جوزي ضـ,ـربني

​الدكتور كتب تقرير طبي مفصل بالطفح واللكمات. بعدها كريم خدني وطلعنا على بيت أمي “فريدة”.
​فتحت الباب، شافت وشي، ووقفت متسمرة مكانها.
​حكيتلها كل حاجة من طقطق للسلام عليكم.
​ما قطعتنيش ولا كلمة لحد ما خلصت.
​ساعتها قامت، مسكت التليفون، وقالت كلمة سميرة عمرها ما كانت تتخيلها:
— بكرة الصبح بدري هنقابل المستشار اللي ماسك أموال محفظة أباكي، والمرة دي مش هنسيبك تواجهي الوساخة دي لوحدك.
​في نفس الليلة، وأنا نايمة لأول مرة من غير خوف ولا قلق، أحمد بعتلي صورة لورقة دعوى طلاق هو مالي بياناتها بنفسه.
​وكتب تحتها:

“ارجعي كبّري دماغك واستسمحي أمي، وإلا هرفعها الصبح.”
​ولأول مرة من يوم ما عرفته، ابتسمت وأنا بقرا تهديده.
​عشان هو لحد اللحظة دي مكنش يعرف إن وهو بيحاول يخوفني بورقة الطلاق، الشرطة كانت على وشك تكتشف حاجة أوحش بكثير من مجرد الضـ,ـربة اللي ضـ,ـربهالي.​تاني يوم الصبح أخذت التقرير الطبي، والرسائل، وأجندة كنت بكتب فيها بقالي شهور كل الإهانات اللي سميرة وجهتها لي. الأستاذ سامح، محامي عيلتنا، راجع كل حاجة بهدوء وقال:
— في أدلة كافية تثبت وجود نمط مستمر من العنف والاضطهاد. بس الأول لازم نأمنك كويس.

​قدمت البلاغ في القسم وطلبت إن أي تواصل بخصوص الانفصال يكون عن طريق المحامي بس. بعد أسبوع، أحمد بدأ يغير أسلوبه بين الترجي والتهديد؛ ساعة يبعت: “أمي مكسورة ومدمرة.. ارجعي”، وبعدها بساعات يبعت: “لو كملتي في السكة دي، العيلة كلها هتعرف حقيقتك وأخلاقك.”
​ما رديتش. وسميرة عملت بالظبط اللي كنت متوقعاه: بدأت تلف على القرايب والمعارف وتقول إني سبت ابنها عشان مفترية ومفترسة، وحتى ادعت إني أنا اللي اعتديت عليها! لحد ما واحدة زميلتي في الشغل قربت مني في الغداء وقالتلي:
— أنا أعرف حماتك من نادي الجزيرة، ونازلة كلام في حقك كلام يوجع القلب.

شلت الشعر من على وشي ووريتها العلامة اللي لسة معلمة في خدي:
— أنا اللي انضـ,ـربت واتأذيت يا هبة.
زميلتي سكتت خالص وقالت:
— تمام كده، وضحت الرؤية. سميرة طول عمرها لازم تلافي حد تدوس عليه عشان تحس إنها فوق.
​بعد 3 أيام، أحمد اتصل بي من الشقة:
— الشرطة جت تاني! أنتِ بلّغتي عن إيه تاني؟
— ولا حاجة.
— سألوا عن عقود ملكية وتراخيص الشقة! داليا.. أنتِ بتعملي إيه بالظبط؟
الرعب اللي في صوته لفت انتباهي. وفي نفس الليلة كريم جالي اللوكاندة وقال بصوت واطي:

— المباحث اكتشفت حاجة ثانية وهما بيراجعوا ملف القضية.. أحمد حاول يقدم شقتك في التجمع كضامن عشان ياخد قروض وتسهيلات بنكية للمكتب بتاعه.
إيدي سقعت وتجمدت:
— ما يقدرش! الشقة باسمي أنا وبس!
— هو عارف كده، عشان كده لقوا تفويض مزور عليه توقيع متقلد لإمضتك وصور أوراقك الشخصية.
​العملية مكملتش، بس الشروع فيها كان كفيل يخلي المحامي يطلب فتح تحقيق شامل. ساعتها بس فهمت سميرة كانت بتضغط عليا أشتغل ساعات إضافية ليه، وليه أحمد كان بيترعب من أي كلام عن الفلوس..

المكتب مكنش بيمر “بأزمة بسيطة”، المكتب كان بيغرق وعلى وشك الإفلاس، وكانوا عايزين ينقذوا شركتهم على حساب شقتي ومن غير ما أعرف.
​الصدمة الثانية جت بعد يومين، أمي فريدة اتصلت بي وقالت:
— الأستاذ سامح لقى اسم في الأوراق القديمة أنا عارفاه كويس.. أبو أحمد الله يرحمه كان شغال زمان في شركة أبوكي بتاعة الاستيراد والتصدير، ومكنش موظف عادي، ده اتطرد بعد ما اكتشفوا اختلاس مالي كبير. المبلغ اترد منه جزء، بس الفضيحة سابت عليهم ديون غرقانة. سميرة قعدت سنين تداري على الموضوع ده حتى عن ابنها، وتعيش في وهم الفشخرة والمظاهر.

​الأستاذ سامح طلب يعمل اجتماع رسمي، ومكنش في شقتي، كان في بيت أمي في التجمع الخامس.
​لما أحمد وصله العنوان، بعتلي: “ليه هناك؟”
ما رديتش. يوم السبت الساعة 10 الصبح وصل هو وسميرة بعربية المكتب القديمة. أحمد كان شكله خاسس وسميرة حاطة مكياج تقيل مش قادرة تداري بيه الهالات والكسرة اللي في عينها. أول ما دخلوا من البوابة وشافوا الفيلا والجنينة، اللسان اتعقد. سميرة بصت للبيت بذهول وقالت:
— هي دي فيلا أمك؟
— أيوا.
أحمد استغرب وقال:
— أنتِ قلتي إن عيلتك ناس بسيطة وعايشين بالعافية!

— إحنا فعلاً ناس بسيطة ونسلك صح، بس مش محتاجين نعمل شو.
​في الصالون، كان قاعد أمي، وكريم، والأستاذ سامح. سميرة قعدت مشدودة وقالت:
— إيه معنى القعدة دي؟
أمي حطت ملف قدامهم على الترابيزة وقالت:
— معناها إنكم النهاردة هتعرفوا حجم العيلة اللي أهنتوها السنين دي كلها.
​الدم هرب من وش سميرة أول ما أمي نطقت اسم أبويا الله يرحمه:
— جوزي هو مؤسس مجموعة الغندور للاستيراد والتصدير والشحن.
أحمد فتح عينه على وسعها، وسميرة وّت رأسها في الأرض.
كملت أمي:

— جوزك كان شغال عندنا، وأنا عارفة كويس هو مشي ليه.
أحمد بص لأمه بذهول:
— أمي.. الكلام ده صح؟
سميرة حاولت تدافع عن نفسها:
— دي حاجات قديمة من زمان يا أحمد.. كنت عايزاك تفتكر أبوك راجل محترم!
أحمد صرخ فيها:
— وعشان كده كنتِ بتديني مرتب يادوب يكفيني وتقوليلي المكتب بيكسب بس العيلة عليها التزامات؟!
سميرة ضاعت منها النبرة الفوقية اللي كانت بتتكلم بيها.
​طلعت عقد الشقة وحطيته قدام أحمد:
— الشقة دي بتاعتي، شرياها بفلوسي وورثي. أنت حاولت ترهن حاجة مش ملكك وزوّرت إمضتي.
سميرة اتقمصت دور الضحية:

— إحنا مكنّاش نعرف إن الموضوع خطير للدرجة دي!
رد الأستاذ سامح وشرح العواقب القانونية للتزوير والبلاغ بتاع الضـ,ـرب. أحمد بدأ اترعش وقال:
— والله كان غصب عني، كنت شارب ومضغوط!
— وبعد ما ضـ,ـربتني طلعت تنام! وأمك سابتني مرمية في الضلمة وقفلت النور!
​طلعت الأجندة وقريت منها التواريخ اللي سميرة كانت بترميك فيها الأكل، واللي شتـ,ـمتني فيها قدام الناس. المرأة اللي كانت بتدور على التراب فوق العفش مكنتش قادرة ترفع عينها في عيني.
​أحمد بصلي برجاء:
— داليا.. قوليلي عايزة إيه وأنا هعمله!
المحامي حط ورقة الطلاق الرسمية قدامه:
— التوقيع هنا.

— لا مش هطلق!
— أنت بعتلي ورقة الطلاق عشان تخوفني وتخليني أرجع أستسمحكم.
— كنت عايزك ترجعي! أنا بحبك يا داليا!
— أنت كنت بتحب إن في حد بيصرف ويطبخ وينظف ويستحمل الإهانة ويسكت.. ده مش حب.
​الاتفاق اتوقع: الطلاق، وتعويض مالي عن الأضرار، وإخلائهم التام للشقة، والتحقيق في التزوير ياخد مجراه القانوني.
​سميرة سألت بصوت مكسور:
— طب إحنا هنروح فين وهنعيش فين؟
رديت عليها:
— في المكان اللي على قد فلوسكم.

​أحمد وقع الأوراق، والشقة بيعتها لأن نسائم الوجع فيها كانت خنقاني، واشتريت شقة أصغر جنب أمي بفيو حلو وزرعت فيها الورد اللي سميرة كانت بتقول عليه “بيلم تراب”. مكتب الديكور بتاعهم اتقفل بسبب الديون والفوايد، وسميرة مبقتش تقدر تتفشخـ,ـر بسيدة الأعمال، وأحمد اضطر يدوّر على شغل من أول وجديد بمرتبات ضعيفة.
​بعد شهرين بعتلي إيميل: “أنا وأمي قاعدين في شقة قانون جديد صغيرة، والفلوس مش مكفية.. عرفت قيمتك وعرفت أنتِ كنتِ شايلة إيه. اديني فرصة ثانية.”
رديت بجملة واحدة: “أي تواصل هيتم عن طريق المحامي.” ومبعتش تاني.

​أخي كريم بقا يجيلي كل أسبوع، وفي يوم جاب معاه كيس فطير وقال:
— عارفة إيه الغريب؟ وأحنا صغيرين أنتِ اللي كنتِ بتحميني!
— والنهاردة جاي تأخد أتعابك فطير مشلتت؟
ضحكنا سوا.. وأمي عملت عزومة بمناسبة انتهاء إجراءات الطلاق، عملت بط وشوربة لسان عصفور ومحشي.. كل الأكل اللي أنا بحبه. طول السنين اللي فاتت كنت بطبخ اللي يرضي أحمد وسميرة وبس، وأظبط الملح على مزاجهم.
​— كلي يا داليا الأكل هيبرد —قالتها أمي بابتدسامة.
​أكلت وعيني دمعت.. دموع راحة مش حزن.

أخدت وقت طويل عقبال ما أفهم إن سلامك النفسي مش معناه إنك تستحمل قلة الأدب والعنف. العيلة المحترمة مش محتاجة ست تسكت وتتضـ,ـرب عشان البيت يمشي، العيلة محتاجة احترام وحدود وناس بتخاف على بعض بجد. الصبر مش إنك تسيب نفسك تتكسر.. الصبر الحقيقي إنك تقفل الباب في وش اللي أذاك، وما تبصش وراك تاني أبداً.
​ لو كنتِ مكاني، كنتِ هتديه فرصة ثانية بعد الضـ,ـرب والسـ,ـرقة، ولا كنتِ هتمشي وتجيبي حقك بالقانون؟
بتمنى الصحة والسعادة لكل حد قرا القصة دي!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى