
لم كراكيبك يا حاج واخرج من الشالية.. إحنا بعناه ب ٢٠ مليون، وقدامك ليوم الإثنين الساعة ٥ تكون فضيت المكان!
بنتي كارما ما كلفتش نفسها حتى تقول لي أزيك يا بابا قبل ما تصرخ بالخبر في السبيكر!
وجنبها أخوها مازن ضحك بقلة أدب وقال أيوة يا حاج، العقد خلاص اتمضى والمشتري حول العربون، وعربيات النقل جاية تشيل الكراكيب بتاعتك.. روح بقى دور لك على دار مسنين رخيصة لم نفسك فيها!
كنت قاعد على الكرسي الهزاز في التراس، بطل على المية الشفافة، وأخدت بق قهوة سادة بهدوء تام.
بقالي ٣ سنين من يوم ما مراتي ماټت، وعيالي الطماعين بيحاولوا يجردوني من كل أملاكي.. اتعاملوا مع الشالية كأنه كنزهم الخاص، زوروا توقيعي على توكيل رسمي، وأجروا محامي فاسد، وعرضوا الأرض والشالية للبيع من ورا ضهري!
قلت لهم بصوت هادي وضحكة خفيفة أنتم نسيتوا تفصيلة صغيرة أوي يا أولادي..
مازن زعق بنرفزة تفصيلة إيه يا بابا؟! العقد اتمضى والأوراق اتسجلت في الشهر العقاري خلاص! الأرض ملكنا وإحنا بعناها، بلاش لف ودوران!
أنتم بعتوا الشالية اللي في أول طريق الساحل، صح؟ سألتهم وأنا مائل لورا بمنتهى الثبات.
كارما صړخت أيوة طبعاً! بعنا الأرض والمبنى الرئيسي وكل حاجة!
ضحكت تاني أصل الظريف في الموضوع.. إن المكان اللي أنتم بعتوه ده مش بتاعي اصلاً! أنتم في الحقيقة بعتوا…
وقبل ما أكمل جملتي، عربية دفع رباعي سودة فخمة دخلت الجراج بدوشة وفرامل مرعبة!
الأبواب اتفتحت پعنف، وخرج منها راجل ضخم لابس بدلة سودة ومعاه ٢ حراس مسـ,ـلحين! جرى ناحية التراس وهو ماسك الخريطة في إيده وعينيه بتطلع ڼار!
أنت الحاج حسان؟ صړخ پغضب يرعب ابنك وبنتك بعولنا الأرض دي وخادوا الملايين، بس فريق الهدد لما جاء يربط المعدات اكتشف إن تحت البيت ده فيه خزنة فولاذية ضخمة تحت الأرض..
والقفل الذكي بتاعها قفل المنطقة كلها وضړب إنذار في وزارة الدفاع!
يا ترى إيه السر الخطېر اللي كان مستخبي تحت أرض الشالية طوال السنين دي؟ وإيه السر اللي خفى عن العيال الطماعين وخلال المشتري المسلح يتعب ويدور على حسان؟ وازاي حسان هيقلب الطاولة على عياله ويوديهم ورا الشمس؟
الراجل الضخم وقف قدامي وهو بيحاول يسيطر على أعصابه، وحط الخريطة فوق الترابيزة پعـ,ـنف.
أنت الحاج حسان؟
رفعت فنجان القهوة، أخدت آخر رشفة، وحطيته بهدوء.
أيوة.. أنا حسان.
صړخ
ابنك وبنتك باعولنا الأرض دي ب٢٠ مليون! والعقد موثق! وإحنا دفعنا العربون، والنهارده جينا نستلم!
لكن أول ما فريقنا بدأ الحفر، اكتشفنا إن تحت الشالية حاجة مش طبيعية!
سكت لحظة، وبص للحارسين اللي وراه.
لقينا باب فولاذي مدفون تحت الأرض.. مش خزنة عادية. الباب عليه نظام أمان إلكتروني، ولما حاولنا نفتحه اشتغل إنذار، وكل الأجهزة اللي معانا فصلت!
ابتسمت.
وبعدين؟
الراجل قرب مني وقال
وبعدين النظام طلع رسالة مكتوب فيها أي محاولة فتح غير مصرح بها سيتم الإبلاغ عنها للجهات السيادية.
مازن كان لسه على الهاتف، وصوته بدأ يرتعش.
بابا.. إيه اللي بيتكلم عنه الراجل ده؟
بصيت ناحية التليفون وقلت
اسمع يا مازن..
أنت وأختك طول عمركم بتبيعوا حاجات مش بتاعتكم، لكن المرة دي بعتوا حاجة أخطر بكتير من مجرد شالية.
كارما قالت
بابا، بلاش ألغاز! إحنا عايزين نعرف إيه اللي حصل!
ضحكت.
فاكرين إن الشالية ده بيت مصيف؟
وسكت شوية.
الشالية ده كان واجهة بس.
الراجل اللي قدامي عقد حواجبه.
واجهة لإيه؟
قمت من على الكرسي لأول مرة.
مشيت ناحية باب جانبي صغير في التراس، وفتحته بمفتاح قديم كنت شايله في جيبي.
كان وراه ممر ضيق نازل لتحت.
بصيت للرجل وقلت
لو عايز تعرف اللي تحت، انزل ورايا.
الحارسين حاولوا يتحركوا، لكنه رفع إيده.
استنوا.
وبص لي.
إنت عارف اللي تحت؟
عارف أكتر مما تتخيل.
نزلنا السلم.
كل خطوة كانت بتكشف جزء من الحقيقة.
الجدران خرسانة مسلحة.
وفي آخر السلم كان فيه باب فولاذي أسود.
الراجل أول ما شافه وقف مكانه.
هو ده.
هزيت رأسي.
أيوة.
طلع جهاز من جيبه، وحاول يقرب منه.
قلت له
بلاش.
ليه؟
لأن الباب مش هيفتح بالجهاز ده.
وإنت هتفتحه؟
لو عايز.
حطيت إيدي على لوحة صغيرة بجانب الباب.
دخلت رقمًا مكونًا من ستة أرقام.
وبعدين وضعت بصمتي.
ثواني..
وسمعنا صوت ميكانيكي عميق.
تك… تك… تك…
الباب بدأ يفتح.
الراجل اتراجع خطوة.
وأول ما النور اشتغل جوه، وقفنا كلنا ساكتين.
الخزنة كانت عبارة عن غرفة ضخمة.
لكن مفيهاش دهب.
ولا ملايين.
ولا مجوهرات.
كان فيها عشرات الملفات، أجهزة تخزين، صناديق معدنية، وأرفف مليانة مستندات قديمة.
وفوق الحائط كانت صورة قديمة لثلاثة رجال.
أنا..
ورجل تاني..
ورجل ثالث.
الراجل الضخم بص للصورة، وبعدين بص لي.
أنت كنت شريك في المشروع؟
قلت
كنت مسؤول عن حماية المكان.
حماية إيه؟
تنهدت.
من حوالي خمسة وعشرين سنة، كانت الأرض دي جزء من منشأة بحثية خاصة بتطوير تقنيات اتصالات وأمان إلكتروني حساسة. المشروع انتهى، والمنشأة اتقفلت، لكن كان فيه نظام كامل تم الاحتفاظ بيه هنا كنسخة احتياطية.
وأشار إلى الأجهزة.
وكل ده موجود هنا؟
أيوة.
وليه؟
لأن صاحب المشروع كان صاحبي.
سكت لحظة.
وقبل ما ېمـ,ـوت، طلب مني أحافظ على المكان لحد ما يتم تسليم المحتويات للجهة القانونية المختصة.
الراجل قال
يعني الأرض مش بتاعتك؟
ابتسمت.
هنا بقى الغلطة اللي وقع فيها ولادي.
طلع ملف من أحد الصناديق.
الشالية اللي هما باعوه ليك مسجل باسم مين؟
قلت
باسم شركة قديمة انتهى نشاطها، لكن حقوق الأرض والمبنى والمنشآت الموجودة تحتها لم تكن ضمن الملكية اللي كانت في حوزتهم.
فتح الملف.
وكانت فيه خرائط كاملة.
الجزء اللي باعوه أولادي كان قطعة أرض مجاورة.
أما الشالية اللي أنا عايش فيه..
فكان له وضع قانوني مختلف تمامًا.
كارما على الهاتف كانت بتصرخ
يعني إيه؟!
قلت
يعني إنكم بعتوا أرض مش ملككم، وزورتوا توكيلي، واستخدمتوا مستندات مزورة، وأخذتوا ٢٠ مليون من شخص لم يتحقق من الملكية الحقيقية.
مازن بدأ يتلعثم
بس.. بس إحنا كنا متأكدين إن الورق سليم!
قلت
الورق كان سليم في الشكل.
يعني إيه؟
يعني إنكم اتضحك عليكم بنفس الطريقة اللي حاولتوا تضحكوا بيها عليا.
الراجل الضخم شد على فكه.
أنا عايز أفهم حاجة واحدة.. ليه اشتريت الأرض من أولادك؟
قلت له
لأنك لم تشترِها لنفسك.
سكت.
بصيت في عينه.
أنت اشتريتها لصالح شركة واجهة.
تغير لون وجهه.
إنت تعرف مين أنا؟
عارف.
وعارف إحنا كنا عايزين إيه؟
عارف.
خرجت من جيبي فلاشة صغيرة.
وكل التحويلات المالية والمراسلات والعقود اللي بينك وبين أولادي موجودة هنا.
الراجل بص للفلاشة، وبعدين بص لي.
إنت كنت مستنينا؟
ابتسمت.
من أول يوم.
الحقيقة إن مـ,ـۏت زوجتي قبل ثلاث سنين ما كانش السبب الوحيد اللي خلاني أبعد عن الناس.
أنا كنت عارف إن ولادي بدأوا يطمعوا.
في البداية كانوا بيطلبوا مساعدات.
وبعدين بدأوا يسألوا عن الأملاك.
وبعدين ظهر التوكيل المزور.
وأنا كنت ساكت.
مش ضعفًا..
كنت بجمع الأدلة.
كنت مستنيهم يعملوا غلطة كبيرة.
ولما حاولوا يبيعوا الشالية، وقعت الغلطة.
الراجل قال
طب ليه ما منعتهمش من البداية؟
قلت
لأن لو كنت منعتهم، كانوا هيختفوا بالأوراق ويكملوا بعيد عني.
ودلوقتي؟
دلوقتي كل حاجة اتجمعت في ملف واحد.
فوق، بدأت أسمع أصوات عربيات.
الراجل سمعها هو كمان.
بعد ثواني، دخل ضابط ومعاه مجموعة من رجال الشرطة.
مازن كان لسه على الهاتف.
سمعنا صوته
بابا! الشرطة عندنا!
قلت بهدوء
عارف.
كارما بدأت تبكي
بابا بالله عليك ساعدنا!
كنت أساعدكم إزاي؟
إحنا أولادك!
سكت.
وبعدين قلت
ودي أكتر حاجة وجعتني.
إيه؟
إنكم كنتوا أولادي فعلًا.. ومع ذلك اخترتوا الفلوس.
الشرطة قبضت على كارما ومازن، واتفتح تحقيق كامل.
واتضح إن التوكيل اللي استخدموه مزـ,ـور، والتوقيع المنسوب ليا معمول بتقنية متقدمة، لكن خبراء الأدلة أثبتوا التزوير.
أما العقد اللي باعوا بيه الأرض، فاتضح إن فيه تلاعب في المستندات وإخفاء متعمد لمعلومات الملكية.
وال٢٠ مليون؟
جزء كبير منها كان لسه في حسابات مرتبطة بالصفقة، وتم تجميدها.
والأغرب..
إن الراجل اللي اشترى الأرض اضطر هو كمان يواجه التحقيقات بسبب استخدام شركات وسيطة وإخفاء هويته الحقيقية.
أما الخزنة؟
تم تسليم محتوياتها للجهة المختصة وفق الإجراءات القانونية.
لم آخذ منها جنيهًا واحدًا.
لأن كل اللي كان جواها لم يكن ملكي أصلًا.
بعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم.
كارما ومازن اتدانوا في قضايا التزوير والاحتيال والتصرف في ملك الغير، واتحكم عليهم بالسجن.
ولأول مرة منذ سنين، رجعت أقعد على نفس الكرسي الهزاز في التراس.
نفس البحر..
نفس القهوة السادة..
لكن المرة دي ما كانش فيه صوت زوجتي في البيت.
بصيت للصورة اللي كانت معلقة قدامي، وقلت
سامحيني يا أم العيال.. يمكن أنا اتأخرت شوية، بس حاولت أحافظ على اللي تعبنا فيه.
بعدها بأيام، جالي جواب من السچن.
كان من مازن.
فتحته.
وكان كاتب
بابا..
أنا مش عارف إذا كنت هتسامحني ولا لأ.
بس لأول مرة فهمت إننا كنا بنجري ورا حاجات عمرها ما كانت هتخلينا أغنياء بجد.
إحنا خسرنا فلوس كتير..
بس اللي خسرناه أكتر هو إننا خسرنا أبويا.
قفلت الجواب.
دموعي
نزلت ڠصب عني.
مش لأنني نسيت اللي عملوه.
لكن لأن الإنسان ممكن يخسر ابنه وهو لسه عايش.
وبعد فترة، بعت لهم رسالة واحدة
أنا أبوكم، وهفضل أبوكم.
لكن التسامح شيء..
والحساب شيء تاني.
أما الشالية، فلم أبعه.
ولا عرضته للإيجار.
قررت أخليه كما هو.
مكان هادئ قضيت فيه أجمل سنين حياتي مع زوجتي.
وكل مرة حد يسألني
إيه أغلى حاجة موجودة في المكان ده؟
أبتسم وأقول
مش الخزنة.
أمال إيه؟
أبص للبحر وأقول
أغلى حاجة إن الإنسان يعرف إمتى يسكت.. وإمتى يتكلم.. وإمتى يسيب اللي بيظلمه يقع بنفسه.
لأن أولادي كانوا فاكرين إنهم لما باعوا الشالية..
باعوا آخر حاجة أملكها.
لكن الحقيقة إنهم كانوا بيوقعوا بأيديهم على بداية نهايتهم.
والسر الحقيقي اللي كان تحت الأرض ما كانش الذهب ولا الملايين…
كان الحقيقة.
والحقيقة، مهما اتدفـ,ـنت سنين..
لازم في يوم تطلع للنور.
تمت



