
وقفت مسمرة في مكاني، كل نبضة في قلبي بتتحول لنار بتحرق في صدري. بصيت لملامحهم واحد واحد؛ حازم اللي باع عِشرة سنين برخص التراب، ونانسي اللي باصة لي بعينين بتلمع بالغل والانتصار، وحمايا اللي قاعد ينفخ دخانه كأنه بيتفرج على صفقة تجارية مضمونة. مسحت دموعي بإيدي بسرعة قبل ما تنزل، ورفعت راسي بجمود مفاجئ صدمني أنا شخصياً قبل ما يخليهم يبربشوا من المفاجأة. مفيش رجفة، ومفيش انكسار هسيبه يعلّم على وشي قدامهم.
قربت خطوتين لحد ما بقيت في وش حازم مباشرة، عيني في عينه، وضحكت ضحكة هادية قصيرة هزت هدوء الصالة: — قطر؟! وفاكرين إنكم تقدروا تدوسوا عليا بفلوسكم ونفوذكم؟ بصيت لنانسي اللي ابتسامتها بدأت تبهت، ولفّيت نظري لحمايا وقلت بصوت حاد ورنان: — أنت وابنك ومراته فاكرين إن الدنيا سايبة، وإن الست اللي تيجوا عليها عشان غلبانة هتفضل توطي راسها لحد ما تتداس! أعلى ما في خيلكم اركبوه، وعربيتك بالسواق اللي هتبعتها الصبح ابقى ابعتها تجيب لك بكرة كفنك، لأن رجلي مش هتعتب مستشفياتكم القذرة، ورحمي مش سلعة تتباع ولا تتأجر لأشكالكم!
حازم اتعصب ووشه احمر، مسك دراعي بعنف: — أنتِ اتجننتي؟! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان ترفضي وتتكلمي بالطريقة دي في بيتنا؟! نفضت إيده من عليا بقوة وعيني بتطق شرار: — أنا اللي كنت عاملاك راجل وباقية عليك، لكن طلعت أرخص من القماش اللي مفروش بيه قصركم! طلقني يا حازم.. طلقني بالذوق، لأن ورحمة أمي، لو فكرتوا بس تمدوا إيدكم عليا أو تقربوا مني، لأكون فضحاكم وفاضحة عمايلكم الوسخة قدام الرأي العام والنيابة، وساعتها ورثكم ونفوذكم هيبقوا تراب تحت رجليكم!
لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة لفوق، سيبتهم متجمدين من الصدمة، وصوت صراخ حمايا وراه بيهز البيت، وأنا خارجة وعارفة إن الحرب خلاص بدأت، بس المرة دي مش هكون فيها الضحية. رجعت شقتي وأنا بلم هدومي بإيدين بترتعش من القهر والغضب، كنت مقررة إني مش هقعد له دقيقة واحدة، ومستنية الصبح يطلع عشان أروح لأهلي وأرفع قضية طلاق تخلصه مني للأبد.
فجأة، الباب اتفتح بهدوء مريب. دخل حازم وملامحه هادية بزيادة، مفيهاش العصبية بتاعة القصر، بل بالعكس.. كان باصص لي بنظرة ندم مصطنعة ومعه كيس عصير وحلويات:
— حقك عليا يا رحمة.. أنا فكرت في كلامك ولقيت إن معاكي حق، إحنا دوسنا عليكي جامد، واهدي بس ونتفاهم بالراحة، أنا مستحيل أعمل حاجة غصب عنك. كنت واقفة مش مصدقاه ومتحفزة، بس هو مد إيده بكوباية عصير بلهفة ورجاء: — اشربي بس حاجة تهدي أعصابك الأول، وشوفي إيه اللي يرضيكي وأنا هعمله، حتى لو طلبتي نطلق بالمعروف.
من كتر الضغط والانهيار والتعب، صدقت لهجته الهادية للحظة غباء.. خدت منه الكوباية وشربتها عشان أهدى شوية وأعرف أتكلم. ماعدتش خمس دقايق، وحسيت بدوخة مرعبة بتهجم على دماغي، الأرض بتميل، ورؤيتي بتتشوش تماماً.. بصيت له بذهول لقيت ملامحه اتحولت لابتسامة باردة مرعبة، وهو بيهمس في ودني بجمود قبل ما كل حاجة تسود: — قولتلك العملية هتم.. برضاكي أو غصب عنك. … فتحت عيني بصعوبة بالغة، النور الأبيض الساطع كان بيخترق جفوني بوجع رهيب، وريحة المطهرات وأجهزة المونيتور اللي بتصفر بصوت منتظم أكدت لي إني مش في بيتي.
حاولت أتحرك، بس جسمي كان متخدر بالكامل ومربوطة بأحزمة خفيفة على سرير طبي، وبطني فيها مغص غريب ومؤلم كأن في حاجة اتزرعت جوايا بالقوة. الباب اتفتح ودخلت الممرضة وجنبها الدكتور، ووراهم كان واقف حازم ونانسي وباباه، وشوشهم مليانة نشوة انتصار قذرة. الدكتور بص في الشيت الطبي وقال بابتسامة عملية باردة: — ألف مبروك يا مدام.. زراعة الأجنة تمت بنجاح تام، وبكده نقدر نقول إنك حامل رسميًا في طفلين ولدين الأستاذ حازم والمدام نانسي.
صرخة مكتومة وقفت في زوري، والدموع نزلت زي الشلال على خدي وأنا ببص لبطني بذهول ورعب.. حازم قرب من السرير، ميل عليا وهمس بكل جبروت: — حمد الله على سلامتك يا أم ابني.. من هنا ورايح مش هتتحركي خطوة بره القصر، لحد ما تسلمي الأمانة وتاخدي تمنك! حاولت أصرخ بكل قوتي، بس صوتي طلع مجروح ومكتوم من أثر البنج، دراعاتي كانت بتتحرك بعجز ضد الأحزمة، وعيني مثبتة على بطني اللي حاسة فيها بوجود غريب اتفرض عليها بالغدر والقوة.
نانسي قربت بخطوات متبخترة، حطت إيدها برقة مستفزة على طرف السرير، وابتسمت بشر وشماتة وهي بتميل عليا: — متتعبيش نفسك يا روح قلبي.. الصراخ والحرقة وحشين على الحمل، وخصوصاً إنه مش عيل واحد.. الدكتور زرع بويضتين مخصبين، والمفاجأة الحلوة إنك شايلة ولدين توأم في بطنك! من هنا ورايح، أكلك بحساب، حركتك بحساب، وكل نَفَس بتتنفسيه هيكون تحت عينينا لحد ما تولدي وتديني ولادنا على صينية دهب.
حمايا شاور للدكتور بإيده، فخرج الدكتور والممرضة وقفلوا الباب وراهم، ووقف الراجل العجوز قدامي وعينيه بتلمع بطمع وجبروت، ونفض سيجاره على أرضية الأوضة المعقمة وقال بصوت جهوري:
— الورث كده في جيبنا، وبدل الحفيد بقوا اتنين ورجالة يشيلوا اسم العيلة! وكل تصرفاتك متسجلة، والورق اللي يثبت إنك وافقتي بكامل إرادتك ممضي ومتبصم عليه وأنتِ غايبة عن الوعي. يعني لو فكرتي بس تلعبي بذيلك أو تفتحي بوقك، التهمة اللي هتلبسيها مش هتدخلك السجن، دي هتدفنك حية! بصيت لحازم.. الراجل اللي عشت معاه سنين وحافظت على بيته واسمه، كان واقف وراهم حاطط إيده في جيبه، عينيه باردة وجاحدة، كأنه بيتفرج على صفقة تجارية كسبت الدبل، مش على مراته اللي اتغدر بيها واتسلبت إرادتها في أبشع جريمة ممكن تتعرض لها ست.
قرب حازم خطوة، فك الأحزمة من إيديا ببرود، وقال بصوت واطي وحاسم: — متفكريش في الهروب ولا في المقاومة يا رحمة.. الشقة تحت حراسة، والفترة الجاية هتعيشي في جناح مقفول في القصر تحت إشراف دكاترة مخصصين عشان التوأم يكملوا على خير. نفذي المطلوب بهدوء عشان تخرجي سليمة بالقرشين اللي وعدتك بيهم.. غير كده، أنتِ عارفة إن مفيش حد هيصدقك ولا هيقف في وشنا.
مسكت السرير بإيديا وضغطت على أسناني لحد ما حسيت بطعم الد.م في بقي، والدموع اللي نزلت على خدي ما كانتش دموع ضعف، كانت نار بتغلي وبتحرق كل ذرة استسلام جوايا. حطيت إيدي المرتعشة على بطني وأنا حاسة بنبض التوأم، وبصيت في عيونهم التلاتة بنظرة خلت ابتسامة نانسي تتجمد، وعرفت من جوايا إن اللعبة لسه مخلصتش.. الانتقام المرة دي مش هيكون بالصراخ ولا بالفضايح، الانتقام هيكون بالولدين اللي فاكرين إنهم اشتروا بيهم كل حاجة.


