منوعات

انا عندي سلفتى سكر ١

سمعت نرمين بتشتل في النفوس يوم بعد يوم، والشرخ بدأ يتسع. شريف بدأ يبص لأخواته وحمايا بنظرات شك، وبدأت القعدة اللي كانت مليانة ضحك وزغاريط تحول لسكوت متوتر وحذر. سعاد كانت تحس بالغيرة والغل اللي طالع من عين نرمين، بس كانت تطنش وتقول: “معلش يا بت، بكره تتعود على طبعنا وتفك.”
لكن نرمين مكنش قصدها تتعود، كان قصدها تهد المعبد على اللي فيه.

قبل الفرح بأيام، عملت نرمين الحركة اللي ولعت المطبخ والبيت كله. جابت غويشة دهب من حاجتها، وراحت خبيتها في المطبخ ورا منظمات الثلاجة اللي أنا وسعاد بنستخدمها، وخرجت تصرخ وتبكي في الصالة قدام حمايا ورجالة البيت كلهم: “دهبي اتسرق! محدش دخل المطبخ غير سعاد وفلانة!” البيت اتقلب في ثانية. سعاد وقفت مصدومة والضحكة #الكاتب__رومانى__مكرم__

اختفت من وشها لأول مرة، وشريف دخل زايغ العينين يزعق ويغلط في أخوه وفي سعاد، وحمايا واقف مش عارف يلم مين ولا مين. وقف سلفي الصغير وهو ماسك إيد نرمين وقرب من سعاد وقال بكلام زي السم: “البيت ده ميبقاش فيه عزيز من النهاردة، والضحك اللي بتضحكوه ده كان غطاء على القرف!” سعاد بصتله والدموع اتجمعت في عينها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت، والكل واقف مشدوه من الهول.. والشرارة اللي رماتها نرمين كانت خلاص ولعت في قلب العيلة.

وقف الجميع في الصالة كأن على رؤوسهم الطير، والصمت الذي حلّ في المكان كان أثقل وأبشع من أي صراخ. سعاد—التي لم يعرف البيت طوال سنوات عمرها فيه إلا ضحكتها الرنّانة وزغاريدها التي تملأ الأركان فرحًا ودعاءً بالعمار—كانت تقف مذهولة، تجمدت الدماء في عروقها، والدموع حبست نفسها في عينيها متسائلة عن الفجيعة التي هبطت عليها بغتة.

وقف شريف يتطاول وينفخ في نار الفتنة، ونرمين تقف خلفه تبتلع ابتسامة خبيثة، تتظاهر بالبكاء والانهيار وتضع يدها على قلبها كأنها الضحية البريئة التي أُكِل حقها. صاح شريف في وجه الجميع بصوت هز جدران البيت: “أنا دهب مراتي مش هيضيع! اللي خادته تطلعه بالذوق بدل ما أطلب الشرطة وأفضح اللي ما يتفضاحش في العيلة دي!”

هنا خرج حمايا عن صمته، ضر.ب بعصاه على الأرض بصوت كالهزيم، وجاءت نبرته صارمة تشق التوتر: “اثبت مكانك يا شريف! واعرف أنت بتهبّب إيه وبتقول إيه لمرات أخوك الكبير! البيت ده طول عمره بالحب والعز، عمر ما دخلته سرقة ولا مشيت فيه خيانة، والكلمة دي ما تتقالش هنا أبداً!”

ردت نرمين بصوت متهدج ومتمسكن، وهي تصطنع الذهول: “يا عمي أنا ما تبليتش على حد! الغويشة كانت في علبتها في الأوضة، ودخلت المطبخ أحضر عصير، ولميت عيني لقيت سعاد وفلانة بيتهامسوا عند التلاجة، ولما دخلت أوضتي بعد ما مشيوا ملقتش الغويشة! مين غيرهم يدخل ويخرج؟ ومين غير سعاد اللي مسيطرة على المطبخ وعارفة دخلة البيت وخرجته؟”
كلام نرمين كان كالبنزين المسكوب على النار. سعاد رفعت رأسها ببطء، والذهول بدأ يتحول في عينيها إلى جرح عميق وألم لا يوصف. سعاد التي كانت تشتري القلوب بطيبتها، وتدفع من جيبها في أفراحهم قبل أفراحها، تُتهم اليوم في أمانتها وشرفها!

خطت سعاد خطوة للأمام، وكانت يدها ترتجف خفية، لكنها قالت بصوت ثابت يحمل وجعًا يفتت الصخر: “أنا يا شريف؟ أنا اللي أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي؟ أنا اللي البيت ده ياما شاف مني الفرحة والخير تتهموني في أمانتي؟ دا أنا لو شفت القشرة في الأرض بأشيلها وأحطها في عينيا لحد ما أصحابها يأخدوها!”

تدخلتُ أنا في التو واللحظة، ولم أستطع السكوت، فدمي كان يغلي من الظلم الفج. وقفت بين سعاد وبين شريف وزوجته وقلت بصوت عالٍ هز القاعة: “اتقي الله يا نرمين! اتقي الله في التهمة اللي ترميها دي! سعاد دي أطهر من الذهب اللي بتتكلمي عنه، وإحنا يدنا ما تمدتش على حاجة حد. التلاجة دي إحنا رصيناها ونضفناها بحب، وأنتِ دخلتي وخرجتي م.يت مرة! بتتبلي على ستاير البيت اللي ساتراكي ليه؟”

لكن شريف، الذي كان قد تعبأ قلبه بالغل والشك طوال الأسابيع الماضية بتلقين مستمر من نرمين، لم يستمع لصوت العقل. دفع الموقف للهاوية وقال بقسوة: “الكلام ده ما يمشيش معايا! المطبخ يتفتش دلوقتي، ولو ملقتش الدهب، حسابكم معايا هيكون كبير، ولو لقيته.. مش هبقى أخو حد فيكم!” نزل الكلام على زوج سعاد—سلفي الكبير—كالصفعة على الوجه. دخل الصالة وجهه يربدّ بالغضب من تطاول أخيه الصغير، وقرب من شريف وقبض على تليبابه: “أنت اتجننت يا شريف؟ بتفتش في أمانة مراتي وشرف بيتي عشان حتة ذهب؟ اقفل بقك بدل ما أعمل معاك تصرف ما يعجبكش!”

تعالت الأصوات، واختلط حابل العيلة بنابلها. الرجالة تصرخ، والحما يحاول السيطرة، ونرمين تبكي بتمثيل متقن. وفي وسط هذا العاصوف، رفعت سعاد يدها وفجأة سكت الجميع. كانت عيناها تطافان بوجوهنا جميعاً، ثم قالت بنبرة هادئة كهدوء السكون الذي يسبق الإعصار: “سيبهم يفتشوا يا أبو العيال. خليه يفتش المطبخ حتة حتة. اللي بطنه نظيفة ما يخافش من التفتيش، بس أعرف يا شريف.. لو فتشتم وما لقيتوش حاجة، أو لو طلعت الحركة دي ملعوبة، البيت ده مش هيجمعني بيك ولا بمراتك تحت سقف واحد تاني أبداً.”
تحرك الجميع نحو المطبخ كجنازة صامتة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى