
الراجل حط الشنطة السودة على الكمودينو، ووطى قال بصوت واطي: — مش هطول.. دقيقة واحدة بس. نوران هزت رأسها بالرغبة والقبول. الد.م فار في عروقي ووصل لقمة رأسي. كنت خلاص هقوم أجيبه من رقبته وأقت/له في إيدي، بس سمعت صوت غريب.. صوت شدة جوانتيات بلاستيك (لاتكس). وبعدها الراجل فتح الشنطة. ريحة كحول نفاذة انتشرت في الأوضة في ثواني. نوران نزلت قميص البيجامة بالراحة من على كتفها الشمال.. ولما الغريب ده طلع سرنجة معدن طويلة ووطى بيها على جسم مراتي.. مكنتش قادر أكمل التمثيلية دي أكتر من كده.
مديت إيدي.. وولعت النور! — ابعد عن مراتي! الراجل رجع خطوة لورا بذهول. نوران اتعدلت بسرعة وشها أصفر زي الليمونة: — أحمد.. لأ! كنت خلاص نطيت من على السرير، الد.م غالي في عروقي: — أنت مين يا روح أمك؟ وبتعمل إيه هنا؟ الغريب رفع إيده لفوق بسرعة، وكان لابس جوانتيات طبية، وفي كارنيه متعلق في رقبته: — يا أستاذ اهدى بس الله يخليك.. أنا مش عايز مشاكل. — مش عايز مشاكل ورابط حمارك جوه بيتي الساعة 1 بالليل؟!
بصيت للشنطة السودة المفتوحة على الكمودينو.. كنت متوقع ألاقي فيها أي حاجة قذرة، بس اللي شفته جمد الد.م في عروقي: شاش. سرنجات متغلفة. أمبولات دوا. خراطيم ومحاليل. وجهاز تنقيط صغير. لفيت وشي لنوران.. قميص البيجامة كان لسة مزحزح من على كتفها الشمال. تحت عظمة الترقوة بالظبط، كان فيه بلاستر طبي عريض أبيض ملزوق على جلدها، وحواليه بقع زرقاء وموف زي الكدمات. كل الغضب والشرار اللي كان في قلبي اتقلب لتلج.
— نوران… إيه ده؟ نوران حطت إيديها على وشها وانفجرت في العياط. الراجل قلع الجوانتيات بالراحة وهو بيهز رأسه: — أنا اسمي دكتور رامي، ممرض رعاية منزلية. دماغي مكنتش مجمعة: — رعاية إيه؟ رامي بص لنوران بنظرة شفقة قبل ما يرد عليا: — أنا بجي أدي مدام نوران الجرعة الليلية بتاع العلاج بتاعها. الدنيا كلها سكتت حواليا.. الصوت قطع من الوجود. — علاج إيه؟ رامي قفل الشنطة السودة بصوت تكة خفيفة:
— أفتكر المدام هي اللي لازم تشرحلك يا أستاذ أحمد.. عن اذنكم. خرج وساب الأوضة. أنا فضلت واقف مكاني، عيني متثبتة على البلاستر اللي على كتفها. وفجأة.. كل الحاجات اللي رفضت أشوفها بقالي شهور بدأت تترتب في دماغي زي المكعبات.
وشها اللي خس ونشف. عظامها اللي بقت بارزة تحت الجلد. الهالات السودة اللي مغطية عينيها. التعب والهم. الأكل اللي مكنتش بتاكل منه معلقتين على بعض. الأيام اللي كانت بتقول فيها إن عندها صداع نصفي وبتتقفل على نفسها الأوضة بالايام.
— قوليلي في إيه يا نوران.. فهميني! نوران غطت وشها بكفيها وصوت شهقاتها بقى يعلى: — عندي كانسر.. سرطان في الغدد اللمفاوية. أنا مش فاكر إني تنفست بعد الكلمة دي. اترميت على الكرسي اللي جنب السرير: — إيه؟ صوتها كان بيتقطع: — ورم لمفاوي.. ونوعه شديد. حسيت إن حوائط الأوضة بتلف بيا وبتطبق على صدري: — عرفتي منين؟ ومن إمتى؟! — من 8 شهور. قمت وقفت تاني زي المجنون: — 8 شهور؟!
العياط حشرج في زوري: — 8 شهور يا نوران؟! أنا جوزك! أنا جوزك وتكوني مر.يضة بقالك 8 شهور ومخبية عليا؟! ضر.بت على صدري بقوة: — إزاي قدرتي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تسبيني عايش في الغفلة دي؟! ساعتها نوران صرخت بوجهي بكل الوجع اللي جواه: — عشان أنت نفسك كنت متد.مر يا أحمد! اتسمرت مكاني. — أبوك كان لسة م.يت! كنت بتقوم كل يوم الصبح يجيلك نوبات هلع وضيق تنفس قبل ما تنزل المكتب! كنت بتنام 3 ساعات في اليوم وبتقول إنك لو مأخدتش الشراكة في مكتب المحاماة حياتك هتتهد! كنت أشيلك إيه ولا إيه؟!
— ده ميعطكيش الحق تقرري عني! ده سرطااان! — كنت خايفة! —صوتها انك.سر ك.سر يوجع القلب—. كنت خايفة تسيب شغلك وحلمك.. كنت خايفة فريدة تبصلي وتشوفني ست بتمو.ت.. كنت خايفة بيتنا يتحول لأوضة انتظام في مستشفى! مسحت دموعها بإيد بتترعش وكملت: — دخلت في بروتوكول علاج مناعي تجريبي.. أول الجلسات كانت في المستشفى، بس جسمي كان بيترفضها وبيتعب أوي.. دوخة وهبوط حاد في الضغط وقيء. دكتور رامي كان بييجي يديني الجرعات المتأخرة هنا في البيت بالفجر.
بصيت ليها وأنا مرعوب: — عشان كده كان بيجي بالليل؟ هزت رأسها: — كنت عايزة أخف أو أهدى قبل ما فريدة تصحى الصبح وتشوفني كده. وفجأة افتكرت حاجة.. المشروب. — والأعشاب؟ المشروب اللي كنتي بتديهولي كل ليلة؟ نوران وّطت رأسها في الأرض: — ده مهدئ طبيعي خفيف.. الدكتور بتاعي كان كاتبلي عليه، وأنا.. أنا بس.. — كنتي بتخدريني؟ بتديني منوم عشان ما أكتشفش إنك عيانة؟! — كنت عايزة أحميكم! — أنتِ محميتناش يا نوران! —صوتي طلع مكسور ومخنوق—. أنتِ سبتي نفسك تمو.تي لوحدك على بعد 30 سنتيمتر مني! على نفس السرير!
نوران غمضت عينيها والدموع نازلة على خدها زي المطر.
وفي اللحظة دي، حسيت بقرف من نفسي يهد جبال. طول اليوم ده.. وأنا عمال أشك فيها، وأغلي من الغيرة، وأحسبها بتخونني مع راجل تاني.. في حين إنها كانت بتصارع المو.ت في السر عشان تفضل جنبا! بس كان فاضل سؤال واحد أخير.. سؤال يرعب. — نوران.. الحالة واصلة لإيه؟ قعدت ثواني طويلة ساكتة، مكنتش قادرة ترفع عينها في عيني. ولما رفعت وشها بصعوبة، عرفت إن الإجابة دي هتغير حياتنا للأبد. — لو العلاج ده مانفعش يا أحمد.. الدكاترة قالوا إن فاضلي شهور..
الكلمات نزلوا عليا زي الصفعة اللي فوقتني على كابوس مش هعرف أصحى منه. “فاضلي شهور…” الجملة فضلت ترن في وداني، وصوتها بيتردد في الأوضة زي صدى صوت في مكان مهجور. بصيت لنوران… الست اللي قضيت معاها أجمل 11 سنة في حياتي، الست اللي بنيت معاها كل حلم، وبقيت شايفها قدامي بتدوب وبتختفي بالبطء الشديد وأنا زي الأعمى مش حاسس بأي حاجة. نزلت على ركبي قدام السرير. مسكت إيدها الدافية اللي بتترعش، وحطيت وشي في كفها وانف.جرت في العياط. عياط راجل اكتشف إنه كان بيدور على أوهام، في الوقت اللي كانت مراته بتواجه فيه المو.ت لوحدها.
— أنا أسف يا نوران… أنا أسف يا حبيبتي. أنا أدى واحد في الدنيا. أنا كنت بشك فيكي… كنت فاكر إنك… نوران حطت إيدها التانية على شعري، وبدأت تطبطب عليا وهي بتعيط هي كمان: — متقولش كده يا أحمد… أنا اللي أسف إني حطيتك في الوضع ده. أنا بس مكنتش عايزة أك.سرك. رفعت وشي وبصيت في عينيها: — نك.سر إيه ونزفت إيه؟! مفيش شغل، مفيش مكتب، مفيش زفت شراكة في الزفت ده تاني! من بكرة أنا معاكي في كل خطوة… مش هسيبك ثانية واحدة.
من الليلة دي، كل حاجة في حياتنا اتغيرت. ثاني يوم الصبح، دخلت المكتب، وطلبت أقابل صاحب الشركة. حطيت استقالتي على مكتبه من غير ما أتردد لحظة. حاول يقنعني، قالي إن الشراكة فاضلها أسابيع، قالي إني بضيع مجهود سنين… بصيتله وقولتله جملة واحدة: “السنين اللي فاضلالي مع مراتي أهم من أي فلوس أو مناصب في العالم.” ومِشيت.
رجعت البيت، وقعدت مع فريدة. مسكت إيدها الصغيرة وحكيتلها… مكنتش عايز أضحك عليها، بس حكيتلها بالطريقة اللي تفهمها طفلة عندها 8 سنين. قولتيلها إن ممتها تعبانة، وإن الراجل اللي كان بييجي ده دكتور بيساعدها تخف، وإننا لازم كلنا نكون جمبها ونحضرلها الورد ونضحكها.
فريدة حضنتني وقالتلي: “أنا كنت عارفة إن ماما زعلانة يا بابا… أنا هفضل جمبها مش هسيبها.” بدأنا رحلة العلاج الحقيقية. المرة دي مش في السر، المرة دي وأنا ماسك إيدها في كل جلسة.
رحنا لأكبر الدكاترة في المعهد القومي للأورام وفي المستشفيات الخاصة. الأيام كانت صعبة جداً… أوقات كان العلاج الكيماوي والمناعي بيهد جسمها تماماً، أوقات كانت بتغيب عن الوعي من شدة السخونية والألم، وأنا أفضل قاعد تحت رجليها بعملها كمادات مية ساقعة، وأدعي ربنا في كل ثانية إنه ياخد من عمري ويديههالها. بعنا عربيتي، وصرفنا جزء كبير من تحويشة العمر، بس مكنش يفرق معايا أي حاجة في الدنيا غير إن وشها يرجع يبتسم تاني.
وبعد 6 شهور من الحرب… حرب حقيقية مع المرض والمو.ت واليأس. كنا قاعدين في عيادة الدكتور الكبيرة في المهندسين، مستنيين نتيجة الأشعة المقطعية والتحاليل الأخيرة. نوران كانت ماسكة إيدي بقوة لدرجة إن أطراف صوابعي ازرقت، وفريدة كانت قاعدة وسطنا ماسكة عرستها. الدكتور دخل، قعد على مكتبه، وبص في الأشعة لفترة طالت جداً… اللحظات دي كانت أطول من السنين. وبعدين رفع عينه لينا، وابتسم ابتسامة عريضة: — أنا مش عارف أقولكم إيه… بس دي معجزة. الورم اختفى تماماً.
نوران شهقت بصوت عالٍ وحطت إيدها على بقها، وأنا غمضت عيني ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة… دموع الحاة اللي اتكتبتلنا من جديد. رجعت بصيت لنوران وحضنتها بكل القوة اللي في العالم، وفريدة نطت في حضننا إحنا الاتنين. النهارده… بعد سنة كاملة من الليلة الشؤم دي، بنحتفل بعيد ميلاد نوران. البيت زحمة، وفريدة بتجري وبتلعب، ونوران واقفة في المطبخ بتعمل القهوة… وشها رد فيه الروح، وشعرها بدأ يطول تاني ويبقى أحلى من الأول.
أنا تعلمت درس عمره ما هيتمحى من ذاكرتي: الحياة مش فلوس ولا مناصب ولا صراعات… الحياة هي الناس اللي بنحبهم، واللحظات اللي بنقضيها جمبهم وأحنا سالمين. والإنسان اللامبالي مش هو اللي مبيحبش، لكن هو اللي بياخد وجود اللي بيحبهم كأنه حق مكتسب ومضمون… لحد ما يكتشف إنه كان ممكن يخسرهم في ثانية.


