
طول الطريق، ولا كلمة خرجت من نادية.
كانت قاعدة في العربية، وملك ماسكة إيدها وبتعيط، وكريم سايق وهو كل شوية يبص في المراية يطمن على أمه.
وصلوا بيت أمها.
أول ما سعاد فتحت الباب وشافت بنتها بالحالة دي، قلبها وقع.
قالت بلهفة:
“نادية… مالك؟ إيه اللي حصل؟”
حضنتها نادية، وانفجرت في البكاء لأول مرة من ساعة ما خرجت من بيتها.
بعد ساعة…
حكت كل حاجة.
من أول قسيمة الجواز…
لحد ما حسام رمى المؤخر في وشها وطردها من البيت قدام ريم.
سعاد قعدت ساكتة شوية، وبعدين قالت وهي بتتنهد:
“أبوك الله يرحمه… كان شايف اليوم ده.”
رفعت نادية رأسها بسرعة.
“يعني إيه؟”
سعاد قامت ناحية أوضة النوم، وفتحت الخزنة القديمة.
طلعت منها ظرف كبير، مكتوب عليه بخط الحاج فؤاد:
“لا يُفتح إلا إذا تعرضت نادية لأي ظلم من حسام.”
إيد نادية كانت بترتعش وهي بتفتح الظرف.
لكن قبل ما تطلع الورق، قالت سعاد:
“استني… أبوكي وصاني إن أول واحد يشوف الورق ده يكون أستاذ ياسر.”
في صباح اليوم التالي…
دخلت نادية مكتب المحامي ياسر.
كان راجل في أوائل الستينات، أول ما شافها وقف احترامًا.
قال بحزن:
“الله يرحم الحاج فؤاد… كنت أتمنى أقابلك في ظروف أحسن.”
ناولته الظرف.
فتح الأوراق بهدوء…
وبدأ يقرأ.
وفجأة…
ابتسم.
ابتسامة خلت نادية تستغرب.
قالت بقلق:
“في إيه؟”
رفع عينه وقال:
“واضح إن حسام كان فاكر إنه كسب.”
سكت ثانية…
ثم أكمل:
“بس الحقيقة… إنه لسه ما يعرفش إنه خسر كل حاجة.”
شهقت نادية.
“يعني إيه؟”
أخرج ياسر ملفًا قديمًا من خزانته.
وقال:
“بعد ما حسام اشتغل في شركة والدك بخمس سنين، والدك كتب عقد شراكة خاص… لكن العقد كان فيه شرط غريب.”
نادية عقدت حاجبيها.
“شرط إيه؟”
فتح ياسر الصفحة الأخيرة، ودفعها قدامها.
“الحاج فؤاد كتب بإيده إن أي أسهم أو أصول أو ممتلكات حصل عليها حسام من خلال الشركة، تظل مرتبطة بالشراكة طالما حافظ على الحياة الزوجية مع نادية ولم يتعمد الإضرار بها.”
نادية بصت له بعدم تصديق.
“يعني…؟”
ابتسم ياسر وقال:
“يعني لو ثبت إنه خانك، أو اتجوز في السر وأضر بيكي، يبقى فيه إجراءات قانونية نقدر نبدأها بخصوص حقوقك والأصول المرتبطة بالشراكة.”
وقبل ما نادية تستوعب كلامه…
رن هاتف ياسر.
رد، وبعد ثوانٍ ابتسم وقال:
“واضح إن المفاجآت بدأت.”
“مين؟”
قال وهو بيقفل المكالمة:
“المدير المالي للشركة… طالب يقابلنا فورًا، وبيقول عنده مستندات لو ظهرت… حياة حسام كلها هتتقلب.”
يتبع… نادية بصت لياسر وهي مش مستوعبة.
“المدير المالي؟ هو عايزنا ليه؟”
ابتسم ياسر وقال:
“لأنه كان من أقرب الناس للحاج فؤاد… وفي حاجات كتير فضل ساكت عنها احترامًا لوصيته.”
بعد أقل من ساعة…
دخل رجل في منتصف الخمسينات، وقور الملامح.
مد يده لنادية وقال:
“أنا عماد… المدير المالي للمجموعة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.”
ردت السلام وهي مستغربة.
قال عماد وهو يقعد:
“أنا عارف إنك مستغربة، لكن جه الوقت تعرفي الحقيقة.”
فتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها مجموعة ملفات.
أول ملف كان مكتوب عليه:
تقرير نقل الأسهم.
قال عماد:
“بعد وفـ,ـاة والدك، حسام كان بيدير الشركة… لكن ملكش كان له لوحده.”
عقدت نادية حاجبيها.
“يعني إيه؟”
أخرج مستندًا آخر.
“والدك كان مالك 90% من أسهم المجموعة، و10% كانت موزعة على شركاء قدام.”
هزت رأسها وقالت:
“أنا عارفة.”
ابتسم عماد.
“اللي متعرفيهوش…
إن والدك كتب وصية إن نص أسهمه تنتقل ليكي شخصيًا، أما النصف التاني فيفضل تحت إدارة حسام فقط، وليس ملكًا له، لحين ما كريم يتم ثلاثين سنة.”
شهقت نادية.
“يعني حسام مش مالك الشركة؟”
رد عماد:
“هو مدير… لكنه مش المالك الحقيقي.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“والأخطر من كده… إن حسام ما كانش عايزك تعرفي.”
مد ياسر يده وأخذ ملفًا آخر.
كان فيه كشوف حسابات وتحويلات مالية.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وفجأة وقف عند ورقة معينة.
“إيه ده؟”
رد عماد:
“دي تحويلات تمت خلال آخر سنة ونص.”
نادية قربت تبص.
كل التحويلات كانت رايحة لحساب باسم…
ريم صلاح.
مرة بمبلغ مائتي ألف جنيه…
ومرة بخمسمائة ألف…
ثم مليون جنيه…
ثم شقة فاخرة…
وسيارة جديدة…
كلها خرجت من حسابات الشركة.
نادية قالت بصدمة:
“يعني كان بيصرف عليها من فلوس الشركة؟”
هز عماد رأسه.
“للأسف… أيوه.”
تنهد ياسر وقال:
“وده يعتبر تجاوزًا خطيرًا لو ثبت إنه استخدم أموال الشركة لمصالحه الشخصية.”
نادية حطت إيدها على قلبها.
“أنا كنت فاكرة إنه خانني بس…”
رد ياسر:
“واضح إن الخيانة ما كانتش ليكي لوحدك…
دي كانت للشركة كمان.”
في نفس الوقت…
كان حسام قاعد في مكتبه، وريم قدامه.
قالت بابتسامة:
“خلاص بقى… دلوقتي نقدر ننقل الفيلا باسمي.”
ابتسم حسام بثقة.
“اعتبريها تمت.”
وقبل ما يكمل كلامه…
دخلت السكرتيرة الجديدة بسرعة وهي متوترة.
“يا فندم… مجلس الإدارة كله موجود في قاعة الاجتماعات… وطلبين حضرتك حالًا.”
استغرب حسام.
“اجتماع؟ أنا محددش أي اجتماع.”
قالت وهي بتبلع ريقها:
“أستاذ ياسر موجود… ومعاه الأستاذ عماد… وكمان مدام نادية.”
اختفت الابتسامة من على وش حسام…
وشعر لأول مرة منذ سنوات…


