منوعات

الستات

قبل 8 شهور، إسلام طلب مني المبلغ ده. قال لي إن أبوه مزنوق في جلسة صلح أو دين ولازم يدفع فك كرب فوراً، وهيردهم لي أقساط. أنا طبعاً خفت أحرجه أو أحسسه إنه أقل مني. سحبت الفلوس من وديعة شهادات كنت شايلاها عشان أصلح بيها السقف والمطبخ. وما شفتش منها جنيه. نهى لفّت اللابتوب ناحيتي. وصلات مقدم الشقة والعفش كانت متطابقة بالظبط مع نفس التواريخ! فلوسي اللي شقيت بيها أتحولت لإنتريه، ومرتبة، وسفرة، وستاير في الشقة اللي بياخد فيها شيرين!

— “وفيه ألعن من كده يا ياسمين..” مش عارفة ليه الكلمتين دول بالذات بييجوا لما الواحدة تفتكر إنها جابت القاع خلاص! فتحت نهى على الشاشة طلب قرض شخصي من بنك معروف. في خانة الضامن.. مكتوب اسمي بالكامل. الرقم القومي بتاعي. عنوان بيتي. وتوقيع بيحاول يقلد إمضتي. التوقيع ما كانش مظبوط أوي، بس معدي على أي موظف مش مركز، ومش عارف إن أنا دايماً بمد حرف “الياء” في اسمي بطريقة معينة.

— “أنا ممضيتش على القرف ده!” ردت نهى: “عارفة.. وده كده خرج من بند خيانة زوجية أو قلة أصل.. ده بقا تزوير، واستيلاء، ونصب رسمي.” القرض ده كان مدفوع بيه أجهزة كهربائية لنفس الشقة.. تلاجة غسالة فول أوتوماتيك، وشاشة 65 بوصة. أجهزة أنا ساهمت في شراؤها بفلوسي وباسمي من غير ما أعرف! قمت وقفت ورحت ناحية الحوض، مسكت في الحافة حيلتي كانت رايحة. بصيت على الجنينة، الكراسي البيضاء لسه مرصوصة فاضية. الفرح ما خلصش.. هو بس غير شكله.

تاني يوم الصبح، وقبل ما نطلع على النيابة ونعمل بلاغ، تليفوني رن. شيرين. نهى رفعت عينها من على الأوراق: “سجلي المكالمة.” فتحت الخط من غير ما أقول ألو. — “ياسمين.. أنا عارفة إنك بتكرهيني دلوقتي، بس أديني فرصة أشرح لك..” صوت شيرين كان طالع بدموع متصنعة. “إنتي طول عمرك عندك كل حاجة.. بيتك، شغلك، حياتك المستقرة.. أنا بس.. أنا كمان كان نفسي أتحب وأتختار زييك.”
ما رديتش ولا بحرف. — “الفرح ما كانش المفروض يتم بالطريقة دي.. إنتي كنتي مفروض ترجعي بكرة! كنا هنقعد معاكي ونفهمك بالراحة.. إسلام قال لي إنه هيظبط موضوع الشقة والقرض وكل حاجة…”

هي دي! مش ندم.. دي لخبطة في المواعيد وحسابات غلط! — “قرض إيه يا شيرين؟” سألتها بالراحة. سكتت لحظة.. وبعدين قالت: “القرض اللي قال إنه خلاص اتصرف فيه ومبقاش عليكي منه حاجة..” نهى بصتلي وكأنها بتكبس الزناد. — “شكراً إنك وضحيلي.” قفلت الخط. التسجيل ده نزل فوراً في ملف القضية. وأنا ببعته لنهى، أدركت إن صاحبة عمري ما سرقتش مني راجل بس.. دي استخدمت حياتي وسيلتي كسلّم عشان تطلع هي عليه.

لو فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا.. استني لما تعرفي إسلام عمل إيه لما فهم إن سكووتي ما كانش ضعف.. ده كان تحضير للمشنقة اللي هيتعلق فيها legal! بعد ما بعتنا التسجيل البصوتي والبلاغ للنيابة العامة، افتكرت إن إسلام وشيرين هيدوروا على مخرج أو يحاولوا يهربوا، بس اللي حصل بعد كده كان أقذر مما أتخيل. بعد ساعتين بالظبط من تقديم البلاغ بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء على أموال، لقيت الباب بره بيتخبط بهستيريا. فتحت السلسلة وبصيت من الفتحة، كان إسلام واقف، وشه أصفر وشعره منكوش، ولابس تيشيرت مقلوب. ما كانش هو الشخص الأنيق اللي كان واقف في جنينتي امبارح.

فتحتي الباب بشرط: نهى كانت واقفة ورتيا في الصالة ومسجلة كل حركة باللابتوب والموبايل. — “ياسمين! إنتي أجننتي؟!” صرخ إسلام وهو بيحاول يزق الباب برجله. “إنتي عاملة بلاغ تزوير في النيابة؟ إنتي عاوزة تحبسيني؟!” وقف في مكانه لما شاف نهى طالعة بالموبايل بتصور وشه وهو بيزعق. قالت له نهى بنبرة حادة زي السكين: “خطوة واحدة جوة الشقة دي وهتبيت في القسم بتهمة التهجم واقتحام ملك خاص.. غير قضايا التزوير والنصب اللي اتحركت خلاص.”

إسلام هدي فجأة، واتحول من الوحش المفترس لراجل مكسور وبيعيط بدموع تماسيح. نزل على ركبه على العتبة: — “ياسمين.. أرجوكي، أنا اتضحك عليا! شيرين هي اللي زقتني، هي اللي كانت بتضغط عليا وتقولي لو مجمعتش فلوس الشقة والعفش هتروح تتجوز واحد تاني! أنا بحبك إنتي، والبيت ده بيتك، أنا غلطت.. بس التزوير ده يضيع مستقبلي وممكن أترفد من الشغل!” في اللحظة دي، تلفونه رن.. كانت شيرين. إسلام فتح الميكروفون بقلة حيلة عشان يوريني إنه بيكرهها دلوقتي.
صوت شيرين كان طالع صارخ ومذعور:

— “إسلام! الشرطة جاءت البيت عند بابايا وبيسألوا عليك وعن ورق القرض والشقة! إنت عملت إيه؟! إنت مش قلت لي إن ياسمين طيبة وعببيطة وهتسكت لما تلاقي الموضوع بقى أمر واقع؟!” الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة: “طيبة وعببيطة وهتسكت”. دي كانت رؤيتهم ليا طوال 11 سنة صحوبية و4 سنين خطوبة وعلاقة.. مجرد واحدة هفية، بيستغفلوا طيبتها، بياخدوا شقاها يبنوا بيه بيتهم، ولما تكتشف، هتبكي في سرها وتسيبهم يفرحوا! بصيت لإسلام وبصوتي كان أبرد من التلج:

— “العببيطة صحيت يا إسلام. ومفيش تنازل.” قفلت الباب في وشه، وصوت عياطه ورجاءه كان مالي السلم. خلال 48 ساعة، النيابة استدعت إسلام وشيرين. وبسبب التسجيلات الصوتية اللي شيرين اعترفت فيها بالمعرفة بقصة القرض، وأقوال الشيخ جابر اللي اعترف إنهم ضحكوا عليه وقالوا له إن ياسمين باعت البيت لإسلام خلاص وإنهم بيعملوا كتب كتاب مدني محلي لحد ما يوثقوه.. موقفهم بقا أسوأ مما يتخيلوا. البنك لما عرف بالتزوير، رفع قضية مباشرة ضدهم وجمد حسابات إسلام. والنيابة أمرت بضبط وإحضار إسلام بتهمة تزوير محررات رسمية واستعمالها، وشيرين أصبحت متهمة بالاشتراك والمساعدة.

عشهم الهادي في المهندسين؟ البنك حجز على العفش والأجهزة الكهربائية اللي اشتروها بفلوس القرض المزور. العفش اللي شيرين اختارته بنفسها وهي بتضحك عليا، اتختم بالشمع الأحمر والافتقاد. أما الجنينة بتاعتي؟ جبت عمال وشالوا قوس الورد المزيف، والكراسي البيضاء صاحب المحل جه خدها وهو بيتأسف ومكسوف، ورشيت الجنينة مية وزرعت ورد بلدي جديد مكان اللي اتأذى.

يوم الجلسة الأولى، كنت قاعدة في المحكمة جنب نهى، لابس طقم أسود شيك، وواثقة في نفسي زي ما عمري ما كنت. شفت إسلام وشيرين واقفين في القفص.. هي بتبكي وشعرها مطفي ومن غير أي ميك أب ولا فستان أوف وايت، وهو بيبص للأرض ومش قادر يرفع عينه في عيني. القاضي حكم بإدانة إسلام بالسجن 3 سنين مع الشغل والنفاذ بتهمة التزوير والنصب، وشيرين سنة مع إيقاف التنفيذ بتهمة الاشتراك، مع إلزامهم برد مبلغ الـ 180 ألف جنيه بالكامل مع التعويض المدني المؤقت.

وانا طالعة من قاعة المحكمة، شيرين نادت عليا من ورا القضبان وهي بتبكي: — “ياسمين! حرمتيني من كل حاجة.. ضيعتي مستقبلي عشان راجل؟!” توقفت، لفت لها، وابتسمت ابتسامة هادية جداً: — “أنا مضيعتكيش عشان راجل يا شيرين.. أنا حاربتك عشان نفسي. إنتي اللي نسيتي إن اللي تبني بيتها على أذية صاحبتها، بيتها بيبقى أول حاجة تقع على دماغها.” رجعت بيتي في شبر الخيمة، فتحت شباك المطبخ، شمت ريحة الفل، وقعدت أشرب قهوتي في هدوء.. لأول مرة من 4 سنين، حاسة إن البيت ده فعلاً ملكي، وإن الست الطيبة اللي جواه.. بقت أقوى من أي وقت فات.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى