منوعات

بنتي

​بطني اتعصرت وحسيت بدمي اتجمد. ​ابتسمت كأني فاهمة كل حاجة وما اتفاجأتيتش. ​— أه صح.. أنا نسيت اسم المطعم بس، هو أنهي واحد؟ ​قاللي على اسم فندق كبير في الشيخ زايد. ​أول ما وصلت، شفت مجدي نازل من العربية وبيفتح الباب اللي جنبه. ​الست اللي نزلت كانت لابسة فستان أبيض، ومسكت في دراعه بثقة وكأنها بتعمل كده كل يوم. ​طلعت رانيا الألفي.

ما صرختش.. ما عيطتش.. ولا حتى قربت خطوة ناحيتهم. يمكن عشان قضيت طفولتي وشايفة أمي بتخسر كل خناقة عشان كانت بتواجه أبويا من غير دليل في إيدها. أنا اتعلمت درس مهم من كل اللي حصل زمان: لما شخص كذاب بيحس إنه اتكشف، مش بيعترف.. بيتمسح ويخفي أثره. طلعت التليفون وسجلت فيديو. مجدي حط إيده على وسط رانيا.. دخلوا قاعة مؤتمر رجال أعمال، سلموا على الناس على إنهم زوجين، ووقفوا يتصوروا مع بعض. بعد يجي ساعتين خرجوا وهو ماسك إيدها. مشيت وراهم لحد فندق صغير في منطقة الشيخ زايد.

ساعتها حسيت بشعور غريب قوي.. راحة. مش عشان الموضوع مش بيوجع، لا.. بس عشان لأول مرة مابقتش محتاجة أسأل نفسي هو أنا بهول؟ هو أنا مش مقدرة ظروفه؟ هو شغله فعلاً صعب ومحتاجه كل ده؟ الإجابة كانت قدام عيني واضحة زي الشمس. كلمت إبراهيم الألفي. — محتاجة أقابلك النهاردة، ومينفعش أتكلم في التليفون. تقابلنا في كافيه شغال 24 ساعة. حطيت التليفون على الترابيزة وشغّلت الفيديو. إبراهيم قعد دقايق ساكت تماماً مش بينطق.

— أنا كان عندي شك.. همس في الآخر.. بس عمر ما جه في بالي إنه هو. — لو واجهناهم دلوقتي، هيمسحوا كل حاجة وهينكروا. بصلي وقال: — طب أفكارك إيه؟ — إننا المرة دي ما نديselectedهمش وقت يخترعوا قصة ولا يظبطوا رواية. قعدنا 3 أسابيع بنتعامل ولا كأن فيه أي حاجة بتحصل. إبراهيم جاب مخبر خاص بترشيح من المحامي بتاعه، وأنا قعدت أرراجع المصاريف المشتركة واكتشفت حجز فنادق وجاراجات ومطاعم مجدي كان بيكتبها على أنها “مصاريف علاقات عملاء وشغل”.

في يوم الفجر جه سكران طينة. أول ما نام، دخلت فتشت في عربيته. تحت الفردة الاستبن لقيت تليفون قديم. ما كانش عليه كلمة سر. كان عليه صور، ورسايل، ولوكيشنات، وفويسات بقالها يجي سنتين. بس الصدمة الأولى كانت ألعن وأضل من الخيانة نفسها.. رانيا ما كانتش مجرد عشيقته! في رسايل كتير كانوا بيتكلموا إزاي مجدي يضغط على إبراهيم عشان يجدد العقد بأسعار مبالغ فيها، وبعدين يطّلعوا سبوبة وفلوس من تحت الترابيزة عن طريق مورد وسيط.

“أول ما يوقع على التجديد، نطلع على دهب نغير جو” .. ده اللي مجدي كان كاتبه. ردت عليه: “تأكد الأول إن جوزي مش هيرراجع الأسعار والتكاليف”. بعت نسخ من كل ده للمحامية بتاعتي ولإبراهيم. إبراهيم كلمني في ساعتها: — الموضوع ده كده مابقاش مجرد طلاق. — فعلاً. — مجدي بيستغل شركتي وبيسرق فلوسي! تاني يوم إبراهيم راجع الحسابات الداخلية عنده، ولقى مدفوعات غريبة، وأوامر توريد معتمدة من غير مناقصات، وفواتير جايّة من عند مورد تبع واحد صاحبه مجدي من زمان.

وهنا جت الصدمة الثانية.. مجدي بقاله شهور بيتنك في البيت وبيقول إن ترقيته الكبيرة دي كانت بسبب شطارته وذكائه. في الحقيقة، جزء كبير من أرقامه ونتائجه العالية كان جاي من تلاعب في أرباح الشغل ومن صفقات متوقفة تماماً على رانيا. المحامية طلبت مني ما ألمسش أي حاجة تاني. جهزنا دعوى الطلاق، والرقابة، والنفقة، وتقسيم الممتلكات. وإبراهيم جهز ورق طلاقه هو كمان وسلم المحامين بتوعه كل الأوراق التجارية. أنا كان فاضلي حاجة واحدة بس: أضمن إن مجدي ما يسحبش الفلوس اللي في حساباتنا لما يفهم اللي بيحصل.

حولتي حقي القانوني الموثق بس لحساب شخصي باسمي، ووثقت كل حركة بالورق. الجمعة اللي بعدها مجدي جه البيت الساعة 11:40 بالليل. رمى المفاتيح وابتسم ببرود ولا كأن فيه حاجة. — هتناول إيه النهاردة؟ زقيت شنطتين سفر ناحيته. — نفس اللي هتتفطر بيه بكرة: ولا حاجة من البيت ده. ضحك.. لحد ما شاف ورق القضايا والدعوى على الترابيزة. — أميرة.. بلاش الجنان ده! — الجنان الحقيقي إنك تأخذ عشيلتك في اجتماعات المعادي والزايد والبلد كلها تشوفكم.

وشه اتخ.طف وأصفرّ. — انتِ فاهمة غلط.. مش ده اللي حصل. فتحت اللاب توب وشغّلت فيديو. رانيا كانت ظاهرة وهي بتبوسه جوه عربيته. مجدي نفسَه اتقطع وثواني مكنش عارف يتنفس. — ممكن ننصلح ونحل الموضوع.. — انت لسه ما شفتش التقيل. في اللحظة دي تليفونه رن.. كان إبراهيم الألفي. مجدي رد ويده بترعش. يا دوب قال: — ألو؟ صوت إبراهيم جه من الناحية الثانية حاد زي السكينة: — بكرة ما اشوفش وشك في الشركة.. وقول لمديرك العام إن عقد مجموعة الألفي ملغي من اللحظة دي!

مجدي مسك التليفون، وشه بقى أبيض زي الطباشير، وإيده بقت ترعش لدرجة إن التليفون كان هيقع منه على الأرض. بصلي بعيون مرعوبة، ولسانه اتعقد وما عرفش يرد بحرف واحد. إبراهيم قفل السكة في وشه، والصمت طَبّ على الشقة زي الكابوس. — أميرة.. انتِ عملتي إيه؟! انتِ دمرتيني! دمرتي شغلي ومستقبلي! وقفت بثبات، وبصيتله من فوق لتحت ببرود عمره ما شافه فيا قبل كده:

— مش أنا اللي دمرتك يا مجدي.. جشعك ورخصك هما اللي دمروا كل حاجة. انت افتكرت إنك أذكى من الكل، واستخدمتني أنا وعيالك ديكور في مسرحيتك، ورضيت بالهانة لينا عشان ترضي زبون ومراته.. وفي الآخر طلعت بتسرقه وتبيع كرامتك بالرخيص. قرب مني وهو بيصرخ ويدور على أي حجج: — أنا عملت كل ده عشانكم! عشان الشقة وعشان المدارس الإنترناشونال وعشان تعيشوا في مستوى نضيف!

— ما تجيبش سيرة العيال على لسانك! انت كنت بتبيعنا بالقطعة عشان تنفخ منظرك قدام الناس. العيال دول اللي خليت ابن رانيا يض.رب بنتك في المعسكر وخليتها تتأسفله.. فاكر؟ كاميليا من اليوم ده كرهتك، وأنا من اليوم ده اتعلمت إزاي أقف على رجلي وأحسبها صح. سحب الشنطتين وهو بيشتم ويهدد، بس أول ما فتح الباب، لقي شقيقي وأخويا الكبير واقفين على العتبة. المحامية بتاعتي كانت مبلغاهم بكل حاجة، وجوم عشان يضمنوا إن محدش يتعرضلي أو يرفع صوته عليا. مجدي بص في وجوههم، وعرف إن اللعبة انتهت تماماً، ومبقاش فاضل معاه غير الشنطتين اللي في إيده.

خرج ومشي، وتاني يوم بدأت الحرائق المشتعلة تلتهم كل حاجة بناها. شركة التغليف لما عرفت بإلغاء عقد مجموعة الألفي وبالمخالفات المادية والتلاعب في الفواتير، فتحت تحقيق داخلي عاجل. مجدي اتطرد من الشغل بالثلاثة وبفضيحة، ولأنه كان مديون لشركات وبنوك بسبب المظاهر الكدابة والسفريات والهدايا، الشيكات بدأت تترد عليه.

رانيا من ناحيتها ما لحقتش تتهنى باللعبة. إبراهيم الألفي رفع عليها قضية طلاق وطردها من فيلتهم، وشال إيده من أي التزامات تخصها بعد ما ثبت خيانتها وتآمرها على شركته، وما لقيش حد يقف جنبها. مجدي وهي افتكروا إنهم هيطيروا مع بعض فوق، بس لما الفلوس طارت والشغل راح، كل واحد فيهم حمل التاني مسؤولية الخراب، وانتهت العلاقة بين خناقات وقضايا وتبادل اتهامات في أروقة المحاكم.

أنا أخدت طلاقي وحضانة كاميليا وزين، ورجعت اشتغلت مهندسة جودة في شركة محترمة بالمعادي. الفلوس ما بقتش زي الأول، بس راحة البال والكرامة والمكان النضيف اللي مفيش فيه تمثيل ولا إهانة، كانوا يسووا الدنيا وما فيها. في يوم، كنت قاعدة مع كاميليا وزين في النادي، وكاميليا بتلعب وتضحك من قلبها. بصتلي وقالتلي: “عارفة يا ماما؟ أنا بحبك أوي عشان انتِ شجاعة وما خليتيش حد يظلمنا تاني”. في اللحظة دي بس، حسيت إن النار اللي كانت حرقاني من سنين انطفت، وإن القلم اللي خدته بنتي زمان، كان بداية الطريق عشان أرجع كرامتي وكرامة عيالي، وأبني حياتنا صح من غير أي كدب.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى