منوعات

حماتي

سكتت لثواني، ثواني مريبة حسيت فيها إنها باصة من خرم الباب، وبعدها قالت ببرود ماشي يا حبيبتي، نوم العوافي.. بس ابقي خدي بالك من نفسك.
نزلت، وأنا رجلي مكنتش شايلاني من الخوف. فضلت صاحية ومبرقة للباب لحد ما الساعة بقت 4 الفجر، وسمعت صوت عربية جوزي وهي بتقف تحت البيت، وبعدها خطواته السريعة على السلم. أول ما فتح الباب، دخل وهو وشّه أصفر وزي المجنون، مسك الكيس وبقى يبص للكاميرات وللدبدوب المفتوح وهو مش مصدق، عينه كانت مليانة ذهول وقهر، وبصلي وقالي أمي أنا؟ أمي تعمل فيا وفي بيتي كده؟!

وقبل ما ينطق بكلمة زيادة، الباب بتاع شقتنا اتفتح فجأة… ودخلت حماتي وهي ماسكة في إيدها نسخة من

المفتاح بتاعنا، وبصت لنا وإيدها في وسطها وقالت بكل بجاحة جرى إيه يا واد أنت وهي؟ مقومين الدنيا ليه على حتة حديدة؟ أنا كنت بحميكم وبعرف أخباركم عشان لو حصلت لكم مصيبة ألحقكم!
في اللحظة دي جوزي وقف ودموعه نزلت من الصدمة، وبص لوالدته بنظرة عمري ما هنساها، و…
وبص لوالدته بنظرة عمري ما هنساها، نظرة مكسورة ومصدمومة من الست اللي المفروض تكون أمانه، وقالها بصوت مخنوق بالدموع تحمينا؟! تحمينا وتتفرجي علينا جوه أوضة نومنا يا أمي؟ تقطعي سترنا وتفتشي في أسرارنا وتقولي بتحمينا؟!

حماتي متهزتش ولا بان عليها أي علامة ندم، بالعكس، قربت بكل برود وقالتله أنا أمك! وأنا اللي عملتكم الشقة دي وجهزتها بفلوسي، ومن حقي أطمن عليك وأعرف كل مليم بتصرفه فين وكل كلمة بتقولها، البت دي هي اللي مقوياك عليا ومخلياك تقف في وشي عشان حتتين سلك!
هنا جوزي لف وشه وبصلي، وشفت في عينه قرار قاطع مفيش فيه رجوع، مسك إيدي وقال بصوت زلزل الشقة كلها البت دي مرأتي، وعرضي، وشرفي اللي أنتِ هدمتيه.. والبيت ده ميبقاش بيتي لو قعدت فيه دقيقة واحدة تانية.

دخل الأوضة زي الإعصار، جاب شنطتين كبار وبدأ يرمي فيهم هدومي وهدومه وهو بيترعش، وحماتي واقفة تصرخ وتدعي وتقول هتمشي وتسيب أمك عشانها؟ هتاخدها وتخرج برا بيتي؟! وهو مكنش بيرد عليها ولا بيبصلها أصلاً، كان مركز في حاجة واحدة بس.. إنه يخرجني من المكان ده فوراً.
لمينا أهم حاجتنا، وجوزي مسك كيس الكاميرات في إيده، وبص لوالدته للمرة الأخيرة قبل ما يقفل الباب ورايا وقالها المفاتيح عندك أهي، والشقة أهي، اشبعي بالفرجة عليها لوحدك يا أمي.. بس انسى إن ليكي ابن لحد ما تفوقي وتعرفي أنتِ عملتي إيه.

نزلنا على السلم وصراخها مالي البيت كله، ركبنا العربية وأنا لسه مش مصدقة اللي بيحصل، تلات سنين من المراقبة والعيشة المزيفة انتهت في ليلة واحدة. جوزي أخدني ورحنا قعدنا في شقة مصيف صغيرة بتاعة واحد صاحبه مؤقتاً.
أول ما دخلنا وقفلنا الباب، انهار تماماً وقعد في الأرض يعيط بحرقة زي العيل الصغير، وأنا قعدت جنبه وأخدته في حضني، كنا تعبانين ومصدومين، بس لأول مرة من تلات سنين.. حسينا إننا أحرار، ومفيش عين تالتة بتبص علينا في الضلمة.

فاتت أيام وأنا وجوزي في شقة المصيف دي، والهدوء اللي حوالينا كان غريب، كنا بنبص لبعض ومفيش كلام قادر يعبر عن كم الوجع والصدمة اللي جوانا، جوزي كان بيروح شغله ويرجع ساكت، عينه دايماً سرحانة في الأرض، وفي يوم قعد جنبي ومسك إيدي وقال بصوت واطي أنا مش قادر أنسى، كل ما افتكر إننا كنا بنضحك، بنتخانق، بنعيش حياتنا الطبيعية وهي قاعدة تحتنا وفاتحة شاشة وبتتفرج، بحس بنار قايدة في صدري، أنا هرفع قضية.
اتصدمت وبصيت له وقلتله قضية؟

على أمك يا أحمد؟، رد عليا بكل حسم أنا مش هسجنها، بس الكاميرات دي هتروح للنيابة وهعمل محضر إثبات حالة، عشان لو حاولت تتبلى علينا أو تعمل مشكلة، وعشان تعرف إن اللي عملته ده جريمة يعاقب عليها القانون، مش مجرد خوف أمومة زي ما بتقول.
وفعلاً، أحمد أخد كيس الكاميرات وفلاشة عليها تسجيلات صوت وصورة للي حصل ليلتها، وراح للمحامي وبدأ الإجراءات، أول ما حماتي عرفت باللي أحمد عمله، الدنيا اتقلبت، العيلة كلها بدأت تتصل، أعمامه وعماته وأخت جوزي اللي كانت شريكة معاها في السر، كلهم بقوا يكلموا أحمد ويقولوا له أنت اتجننت؟ عايز تحبس أمك عشان خاطر مرأتك؟

دي مهما كان أمك وهي اللي ربتك!
لكن أحمد كان زي الصخر، مكنش بيرد على حد ولا بيتنازل، لحد ما في يوم لقينا الباب بيخبط، ولما فتحت لقيت حماتي واقفة، لكن المرة دي مكنتش بجحة ولا حاطة إيدها في وسطها، كانت باينة مكسورة، وشها دبلان وعينها مليانة دموع، بصت لي وقالت بصوت يترعش خليني أدخل يا بنتي.. خليني أشوف ابني.
أحمد سمع صوتها وطلع وقف ورايا، وبص لها ببرود وقفل الباب نص قفلة وقالها عايزة إيه يا أمي؟

جاية تشوفي الشقة فيها كاميرات تانية ولا لأ؟، حماتي عيطت بدموع حقيقية وقالت سامحني يا ابني، أنا غلطت، الشيطان وزّني، كنت حاسة إنك بعدت عني بعد الجواز وكنت عايزة أكون معاك في كل لحظة، والله ما كان قصدي أفضحكم ولا أئذيكم، المحضر ده لو اتعمل أنا هتدمر، بلاش تفضحني يا أحمد.

أحمد بص لها ونزل دموعه وقال أنتِ اللي فضحتِنا وفضحتِ نفسك يوم ما فكرتِ تمدي عينك على حرمة بيتي، أنا مش هسجنك يا أمي، والمحضر أنا هخليه يتنازل عنه بس بشرط واحد، الشقة اللي فوقك دي هتتباع، وإحنا هنشتري شقة تانية في آخر الدنيا، ومفيش مخلوق من العيلة هيعرف مكانها، والزيارة هتبقى بميعاد وبإذن، لو وافقتِ على كده هقفل المحضر، لو رفضتِ القانون هياخد مجراه.

حماتي وافقت وهي مطأطأة رأسها ومش قادرة تبص في عينه، ووقعت على التنازل وبيع الشقة، وبعد شهرين بالظبط، كنا بننقل حاجتنا لشقتنا الجديدة، شقة في دور عالي، مفيش فوقيها ولا تحتها حد يقرب لنا، شقة اخترنا كل ركن فيها بنفسنا، وقبل ما نفرش أي حاجة، أحمد جاب مهندس متخصص فحص الشقة حتة حتة عشان نتأكد إننا لوحدنا تماماً.

النهارده وأنا واقفة في مطبخي الجديد، ببص على الشارع من البلكونة وبشرب قهوتي مع جوزي في هدوء، مفيش دبدوب في الأوضة، مفيش فتحة تهوية بتنقل كلامنا، ومفيش عين بتراقبنا، تلات سنين ضاعوا من عمرنا في تمثيلية مرعبة، بس في النهاية قدرنا نشتري حريتنا وخصوصيتنا اللي مفيش أي حاجة في الدنيا تعوضها.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى