
“يا بنتي بقولك التصميم ده بتاعي وتعبانة فيه شهور! يعني إيه مستر آدم بتاعكوا مش عاجبه؟ هو بيفهم في الألوان أصلاً ولا آخره يلبس بدل غامقة ويكشر في وش خلق الله؟” قالتها حنين وهي بتخبط بإيديها على مكتب السكرتيرة بانفعال، السكرتيرة وشها جاب ألوان وبرقت عينيها بخوف وهي بتبص ورا حنين، وكأنها شافت شبح. وقبل ما حنين تستوعب في إيه، الباب الخشب الضخم بتاع المكتب اتفتح، وطلع منه صوت رجولي أجش، هادي بس فيه بحة ترعب:
“مستر آدم بيفهم كويس أوي يا آنسة حنين.. وخصوصاً في الحاجات اللي بتخصه.” حنين لفت ببطء، وكأن الزمن وقف. قلبها دق لدرجة إنها سمعت صوته في ودانها. هو! آدم الألفي. آدم ابن عمها، وصاحب طفولتها، الراجل اللي فتحت عينيها على الدنيا ملقتش غيره بيحميها وبيخاف عليها من الهوا الطاير. آدم اللي كان بيجيبلها غزل البنات من مصروفه، واللي كان بيقف يتخانق مع طوب الأرض لو حد بس زعلها بكلمة.
بس آدم دلوقتي غير آدم بتاع زمان. اللي واقف قدامها ده لابس بدلة ماركة تفصيل، ملامحه بقت أقسى، وعينيه اللي كانت زمان بتلمع لما بتشوفها، بقت باردة زي التلج. آدم الألفي اللي السوق كله بيعمله ألف حساب. زمان، من خمس سنين، آدم وحنين عبدالصمد كانوا أكتر من مجرد ولاد عم. كانوا روح واحدة. بس كبرياء حنين وعناد آدم كانوا دايماً بيعملوا قفلة. حنين كانت بنت عنيدة، شايفة إنها لازم تثبت نفسها وشخصيتها، وآدم كان راجل شرقي جداً، بيحبها لدرجة التملك، وكان دايماً بيفرض حمايته عليها كأنها بنته مش بس حبيبته.
هي قالتها في لحظة غضب عشان تكسر غروره وتخليه يبطل يتحكم فيها، بس مكنتش تعرف إنها بتكسر قلبه. آدم بصلها بصة عمرها ما هتنساها، خذلان على وجع على كرامة مجروحة. سابها ومشي، ومن يومها مرجعش. سافر، واشتغل ليل نهار، لحد ما أسس أكبر شركة ديكور ومقاولات في البلد وبقى اسم يخض. ودلوقتي، بعد ما والد حنين تعب والورشة بتاعتهم بقت على وشك الإفلاس، حنين دخلت مناقصة كبيرة عشان تنقذ شغل أبوها، ومكنتش تعرف إن صاحب الشركة دي هو آدم.
”هتفضلي واقفة كده كتير؟ اتفضلي على مكتبي.” صوته قاطع حبل أفكارها. دخلت وراه وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. ريحة البرفان بتاعته هي هي، رجعتها سنين لورا. قعد على كرسيه وبصلها ببرود وهو بيقلب في ملف التصميمات بتاعتها. ”شغلك حلو.. متطور، وفيه روح.” قالها من غير ما يرفع عينه. حنين بلعت ريقها وقالت بصوت مهزوز: “يعني.. المناقصة هترسى علينا؟ الورشة محتاجة الشغل ده أوي يا آدم.” رفع عينه وبصلها، الكلمة طلعت منها تلقائية “يا آدم” من غير ألقاب. ابتسم ابتسامة جانبية فيها وجع وغموض، وقفل الملف ورماه على المكتب.
”المناقصة بتاعتك يا حنين.. هتاخدي الشغل، وهدفعلك ضعف المبلغ اللي طلبتيه كمان.” عينيها لمعت بفرحة ومكنتش مصدقة: “بجد؟ شكراً.. شكراً بجد يا…” قاطعها وهو بيقوم من مكانه، وبيقرب منها بخطوات بطيئة لحد ما وقف قدامها بالظبط. ملامحه كانت قريبة لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه. “بس عندي شرط واحد..” “شرط إيه؟ أنا مستعدة لأي تعديلات في التصميم.” ميل عليها وهمس بصوت خلى كل خلية في جسمها ترتشف:
“التصميم ده مش هيتنفذ في أي مكان.. ده هيتنفذ في فيلتي الخاصة. والشرط إنك إنتي اللي هتشرفي عليه بنفسك.. هتفضلي معايا هناك كل يوم لحد ما يخلص. عايز أشوف بعيني.. البنت اللي قالتلي زمان إني مملاش عينيها، هتقدر تشتغل إزاي تحت إيد الراجل اللي رفضته.” حنين برقت وصدمتها لجمت لسانها، وقبل ما تنطق حرف تدافع بيه عن نفسها، الباب خبط ودخلت واحدة ست في منتهى الجمال والأناقة، مسكت إيد آدم وقالتله بدلع: “آدم حبيبي، هنتأخر على ميعاد حجز القاعة بتاع الفرح كده!”
نقطة الانهيار… بعد مرور شهرين، الشغل كان بيخلص. الفيلا بقت تحفة فنية تتدرس. كل ركن فيها بينطق بالجمال والرقي. في الليلة دي، كان الجو برة بيشتي جامد أوي، رعد وبرق ومطر مبيقفش. العمال مشيوا، وحنين فضلت لوحدها بتحط اللمسات الأخيرة في غرفة النوم الرئيسية. كانت بتعلق لوحة فنية اختارتها بنفسها. فجأة، الكهربا قطعت في الفيلا كلها. الدنيا ضلمت كحل، وصوت الرعد كان مرعب. حنين بتخاف من الضلمة، ده سر محدش يعرفه غير آدم. رجعت لورا بخوف، خبطت في سلم خشب، وكانت هتقع لولا إيد قوية، صلبة، دافية، لفت حوالين وسطها ورفعتها بسرعة.
ريحة عطره ملت المكان. كان آدم. “إنتي كويسة؟” قالها بصوت فيه لهفة حقيقية مقدرش يداريها. حنين زقته بخفة وبدأت تاخد نفسها بصعوبة: “أنا.. أنا كويسة. إنت إيه اللي جابك في الوقت ده؟” ”جيت أشوف الشغل وصل لحد فين.” قالها وهو بيشغل كشاف موبايله، النور خبط في وشها، وشاف دموع محبوسة في عينيها. “كنتي بتعيطي؟” ”لأ.. ده من التراب.” لفت وشها الناحية التانية، ومسكت شنطتها. “أنا خلصت.. الفيلا جاهزة لاستقبالك إنت وعروستك. أتمنى تكونوا مبسوطين. أنا همشي.”



