
وبعد الصلاة، رفعت يديها إلى السماء، تناجي ربها بقلب مثقل، وتدعوه أن يختار لها طريق الصواب…
فهو وحده يعلم ما حدث لها. البارت الثاني باليوم التالي، كانت تشعر أنها عاجزة عن اتخاذ أي قرار، وكأنها تقف عند مفترق طرق لا تعرف أيهما يقود إلى النجاة. ثم وقفت أمام المرآة، تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من كثرة البكاء. وفجأة، تذكرت كلماتها القديمة لوالدها، حين كان يأتي لخطبتها أحد الشباب.
وعاد صوت والدها إلى ذاكرتها: – يا بنتي، ده سادس عريس ترفضيه… وكلهم مفيهمش عيب. ضحكت هنا وقتها وقالت بدلال طفولي: – يعني إيه يا سي بابا؟ هو أنا اللي فيا عيب ولا إيه؟ وكمان إنت شكلك عايز تخلص مني ولا إيه؟ ده أنا لسه صغننة! ضحك والدها على نبرة ابنته الطفولية، وقال بحنان: – لا يا حبيبتي، يا سلام! ده إنتِ غالية أوي، ومحدش هياخدك مني بسهولة… وحطي رجل على رجل كمان واتشرطي يا ستي. بس صدقيني، أنا عايز أطمن عليكي قبل ما أمــ,,ـــــوت. مش عايز أسيبك لوحدك.
اختفت ابتسامتها سريعًا، وقالت بخوف: – متقولش كده يا بابا، ربنا يخليك ليا ومحرمنيش منك. ابتسم محمود بحنان، وربت على كتف ابنته: – ويخليكي ليا… أغلى حاجة عندي. ابتلعت هنا غصتها ، ثم أغمضت عينيها. تنهدت مرة أخرى، وعادت ذاكرتها إلى حديث آخر دار بينها وبين والدها منذ فترة. – هنا يا حبيبتي… فاكرة حسام ابن أونكل عبدالله؟ عقدت هنا حاجبيها وهي تحاول التذكر: – يعني يا بابا؟ – رجع من سويسرا، وبقى ما شاء الله ناجح جدًا في شغله، وعايز يتقدملك.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت: – يا سلام يا سي بابا! يتقدملي إزاي؟ ده آخر مرة شوفته فيها كان هو لسه في الجامعة، وأنا كان عندي عشر سنين! شافني فين بقى؟ ولا لسه فاكرني الطفلة اللي عرفها وعايز يتجوز البنت اللي تقريبًا مشافهاش من عشر سنين؟ ضحك محمود وقال: – لا، ماهو شافك… بس إنتِ مخدتيش بالك. آخر مرة جيتي الشركة ليا، شافك وإنتِ خارجة من مكتبي وسألني عنك. حتى مكنش مصدق إنك كبرتي كده.
حاولت هنا أن تغير الموضوع سريعًا، فقالت وهي تشير إلى الطعام: – طيب يا بابا، هو إحنا هنفضل نتكلم عن سي حسام ده طول الغدا؟ ده بص، الدادة عملالك الأكل اللي بتحبه… دوق كده بقى. ضحك محمود على محاولة ابنته الهروب من الكلام عن هذا الأمر:– يا سلام! أستاذة في تغيير المواضيع. على العموم يا ستي، أنا مدتلُوش كلمة، وقولتله إنك أصلًا أكيد نسيتيه… واللي فيه الخير يقدمه ربنا. عاد الحاضر ليقتحم ذاكرتها.
نزلت الدموع من عينيها مرة أخرى، وتذكرت ما حدث لها منذ أسبوع. أطبقت أجفانها بقوة، محاولة طرد تلك الليلة من ذاكرتها، وكيف لها أن تنسى؟ وكيف يمكن للإنسان أن يهرب من شيء أصبح جزءًا من واقعه؟ فتحت عينيها، ومسحت دموعها، وهي تدرك أن ما حدث سيظل يطاردها طويلًا… وربما إلى الأبد. —
داخل شركة عبدالله للاستثمارات… كان حسام يقف أمام أعضاء مجلس الإدارة، يشرح لهم تفاصيل المشروع والخطة التي وضعها لتنفيذها، بينما كان الجميع ينصت باهتمام.
وبعد انتهاء الاجتماع، بدأ أعضاء مجلس الإدارة في مغادرة قاعة الاجتماعات، ناداه والده: – استنى يا حسام. التفت حسام إليه وقال: – نعم يا بابا؟ ابتسم عبدالله وقال: – على فكرة، محمود اتصل بيا وبلغني إن هنا موافقة على الخطوبة. ساد الصمت للحظة، بينما ظهرت على وجه حسام ابتسامة حاول إخفاءها. تابع عبدالله: – جهز نفسك بكرة إن شاء الله، عشان هنروح نتقدم رسمي. تنهد حسام،ثم قال: – حاضر يا بابا… هكون جاهز.
# البــــــــــــــــارتـــــــــــــــ الثــــــــــالــــــث بعد أن أنهى حسام حواره مع والده، اتجه إلى مكتبه بخطوات هادئة، لكن عقله لم يكن منشغلًا بالعمل وحده. كان هناك شيء آخر يقتحم تفكيره ولا يرحمه ، وبمجرد أن دخل مكتبه، وجد رزان، سكرتيرته، تنتظره ببعض الأوراق. **رزان:** عقود الصفقة اللي حضرتك طلبتها يا فندم. **حسام:** تمام يا رزان، اتفضلي إنتِ. أومأت له رزان باحترام ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها. أمسك حسام عقود الصفقة، وقلب بعض صفحاتها دون أن يقرأ حرفًا واحدًا.
كانت عيناه معلقتين بالأوراق، بينما عقله في مكان آخر تمامًا.
وضع العقود على طاولة المكتب، ثم أسند رأسه إلى ظهر مقعده، وأغمض عينيه بشرود… وسرح بذاكرته. **فلاش باك** **حسام:** محمود بيه في مكتبه جوه؟ **سكرتيرة محمود:** أبلغه مين يا فندم؟ **حسام:** قوليله حسام عبدالله. دخلت السكرتيرة إلى مكتب محمود، ثم قالت: **السكرتيرة:** أستاذ محمود، في أستاذ بره اسمه أستاذ حسام عبدالله، وده الكارت بتاعه. رفع محمود رأسه فورًا، وما إن سمع الاسم حتى قال: **محمود:** دخليه حالًا يا مها.في تلك اللحظة، كانت هنا تجلس مع والدها داخل مكتبه.
نهضت من مكانها وهي تحمل حقيبتها، وقالت بابتسامة: **هنا:** طيب بقى يا بابا، أسيبك تكمل شغلك وهستناك على الغدا… أوعى تتأخر. ابتسم محمود لها بحنان: **محمود:** ماشي يا حبيبتي. خرجت هنا من المكتب، وفي نفس اللحظة كان حسام يستعد للدخول. لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف للحظة. لم يكن يتوقع أن يرى أمامه الفتاة التي ستظل صورتها عالقة في ذهنه فيما بعد. سرح في ملامحها دون أن يشعر… كانت هادئة الملامح، جميلة بطريقة لفتت انتباهه من النظرة الأولى. وكان حجابها يمنحها مظهرًا رقيقًا وجميلًا للغاية.
ظل واقفًا مكانه لثوانٍ مشدوهاً دون سبب. لكن صوت السكرتيرة أخرجه من شروده: **السكرتيرة:** اتفضل يا أستاذ حسام… محمود بيه في انتظارك. دخل حسام إلى المكتب، فاستقبله محمود بترحاب شديد: **محمود:** ياااا حسام! أخيرًا رجعت… أنا مصدقتش لما عبدالله قالي إنك جيت. حمدالله على السلامة. **حسام:** الله يسلمك يا عمي. جلس حسام أمامه، وبدأ الحديث عن العمل. **محمود:** ها بقى يا سيدي، إيه المشروع اللي عايزني أنا ووالدك نعمله؟ هو قالي إنك عرضت عليه المشروع ولقاه هايل.
أخرج حسام الأوراق ووضعها أمامه. **حسام:** ده الورق، ولو تحب حضرتك أديك نبذه عن المشروع. ظل الاثنان يتحدثان قرابة ساعة عن المشروع، وتناقشا في تفاصيله وخطته وكل ما يتعلق بتنفيذه. وبعد أن انتهى حسام من شرح فكرته، أمسك محمود بالأوراق مرة أخرى، ثم قال بإعجاب: **محمود:** لا، بجد هايل… وأنا موافق. بس الاعتماد على شطارتك بقى، وإثبتلنا جدارتك. ابتسم حسام بثقة: **حسام:** إن شاء الله هكون عند حسن ظنكم. همَّ حسام بمغادرة مكتب محمود، لكنه تذكر الحفلة التي أقامها والده ووالدته بمناسبة عودته من الخارج، فالتفت إلى محمود وقال:
**حسام:** حبيت أدعي حضرتك على الحفلة… ياريت تشرفنا بحضورك. ابتسم محمود وقال: **محمود:** عبدالله بلغني، وإن شاء الله هحاول أجي… أنا وهنا. **حسام:** طيب أستأذن… أنا. بقلم سهام صادق… مرت الأيام… ظل حسام، بين الحين والآخر، يتذكر تلك الفتاة التي رآها في مكتب عمه محمود صديق والده ويتساءل هل هي موظفة لديه ولم يختر على باله أن تكون ابنته لأن ملامحها لا تشبه ملامح عمه محمود. وكان يتعجب في داخله عن سبب ذلك التأثير الغريب الذي تركته داخله، فقد كانت مجرد نظرة عابرة، ومع ذلك لم يستطع أن ينساها.

