
أنا هروح الفندق عادي، وهلبس الفستان الأبيض، وهقعد في الكوافير زي أي عروسة.. وأول ما الزفة تبدأ ويدخل القاعة والكل يشوفه العريس المنتصر، هتنزل الستارة على المسرحية بتاعته.
مرت الأيام التلاتة اللي بعد كده بسرعة البرق. هشام كان بيتصل بيا كل يوم، بيسأل باهتمام مصطنع عن التحضيرات، وأنا كنت برد عليه بكل هدوء. كان حاسس بالغرور يملى عروقه، خصوصاً بعد ما نيرمين كلمته ومبينتش أي حاجة، والمقاول موهمه إن باقي المبلغ الخمسة مليون جنيه هيتسلموله بعد الفرح بيومين لما يروحوا الشهر العقاري يسجلوا العقد النهائي بالتوكيل.
هشام كان فاكر إنه خلاص.. قفل اللعبة.
مسك الفلوس، وهيخلص من البنتين، وهيدخل عالم رجال الأعمال من أوسع أبوابه بفلوس أرضي أنا اللي ورثتها عن ستي.
وجه اليوم الموعود.
يوم الجمعة، ميعاد الفرح.
من الصبح بدري، فندق خمس نجوم على النيل في الزمالك، الحركة فيه متوقفتش. مدام ميرفت كانت نازلة رايحة جاية في بهو الفندق، لابسة فستان سواريه أزرق غامق مطرز بالألماظ الصناعي، وفاردة شعرها وبتتكلم مع إدارة الفندق بأوامر وقحة كأنها بتملك المكان. جوزها قاعد في الصالون بيستقبل أصحابه الباشوات، وهشام في سويت العريس فوق بيشرب ويهزر مع شلته ومبسوط بالبدلة التوكسيدو الإيطالي اللي اشتراها من فلوس العربون.
أنا كنت في سويت العروسة مع الكوافيرة ومعايا اتنين من صحباتي المخلصين اللي كانوا عارفين جزء من الحكاية وسعيد منسق معاهم. الميك آب آرتست خلصت، وقفت قدام المراية الكبيرة. كنت لابسة الفستان الأبيض، الطرحة الطويلة الشفافة نازلة على ضهري، ومحطوط لي ميك آب هادي جداً بس مخليني أنور. مكنش في وشي نظرة العروسة المرعوبة ولا السعيدة، كانت نظرة صقر مستني الفريسة تنزل تحت مخالبه.
الساعة بقت تمنية بالليل.
صوت المزيكة والدي جي تحت بدأ يعلى. المعازيم ملو القاعة الكبيرة، ترابيزات متغطية بالستان الأبيض والورد الطبيعي، ورجال أعمال وناس واصلة، وعيلة ميرفت كلها قاعدة في الصدارة.
الباب بتاع السويت خبط، وكان سعيد لابس بدلة شيك جداً وواقف بيبتسم جاهزة يا بنت خالتي؟ المعازيم كلهم تحت، والحاج وفيق وصل وقاعد في الترابيزة الرئيسية.. والمفاجأة الكبيرة، اللواء رؤوف المنشاوي وصل هو ونيرمين وقاعدين في صالون
ال VIP تحت مستنيين الإشارة.
أخدت نفس عميق، ورفعت راسي لفوق جاهزة يا سعيد.. يلا ننزل نولع الفرح.
نزلت في الأسانسير الداخلي ووقفت ورا باب القاعة المقفول. هشام كان واقف برة الباب، ماسك بوكيه ورد أبيض في إيده، أول ما شافني طالعة، عينيه لمعت بزهو مقرف، قرب مني وباس راسي قدام الكاميرات والمصورين اللي عمالين يضربوا فلاشات قمر يا ندى..
طالعة زي الملكة، يلا عشان الناس مستنيانا جوة نكسر الدنيا.
بصيت في عينيه وابتسمت أهدى ابتسامة عندي يلا يا هشام.. صدقني، الليلة دي عمر ما حد في القاعة هينساها أبداً.
البابين الكبار بتوع القاعة اتفتحوا على مصراعيهم.
صوت أغنية الزفة اشتغل بهدير عالي، الدخان الأبيض غطى الأرضية، والأنوار كلها اتسلطت علينا وإحنا داخلين ماسكين إيد بعض. المعازيم وقفوا يسقفوا، ومدام ميرفت كانت واقفة في أول الصف بتزغرد بفخر وتبص للمعازيم كأنها جابت الديب من ديله.
مشينا على السجادة الحمرا، وهشام فارد صدره وبيشاور للناس بابتسامة النصر.
وصلنا لحد الكوشة، وقفنا قدام الناس عشان المصور ياخد اللقطة الأولى، والمأذون كان قاعد على ترابيزة على جنب مستني يكتب الكتاب الرسمي عشان نكمل المظاهر.
المصور رفع الكاميرا وقال ابتسامة حلوة بقى يا عريس.. ابتسامة يا عروسة!
في اللحظة دي بالظبط، سحبت إيدي من إيد هشام بعنف.
هشام اتلخبط وبصلي باستغراب وهو لسه راسم الابتسامة على وشه في إيه يا ندى؟ مسكتي إيدك ليه؟ الناس بتبص علينا!
مسكت المايك اللاسلكي اللي كان محطوط على ترابيزة الكوشة جنب بوكيه الورد، وقربته من شفايفي.
رفعت صوتي في المايك، الصوت رن في كل ركن في القاعة وسكت الدي جي تماماً
مساء الخير على كل المعازيم الكرام اللي شرفونا الليلة.. نورتوا فرح ابن الأكابر هشام المنياوي!
القاعة كلها سكتت، الناس استغربت إن العروسة هي اللي ماسكة المايك وبتتكلم بالطريقة دي في أول الزفة. مدام ميرفت وشها بدأ يتغير وخطت خطوة لقدام بقلق، وهشام عينه برقت وهمسلي بغيظ وهو بيحاول يشد المايك من إيدي إنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟! هاتي المايك ده انزلي من هنا وبطلي فضايح!
زقيته بإيدي بقوة خلت كعبه يرجع لورا خطوتين ويخبط في الكوشة، وقولت في المايك بصوت أعلى وأقوى هز أركان الصالة اثبت مكانك يا هشام! متتحركش خطوة واحدة.. عشان الناس اللي جاية تبارك لك الليلة دي، لازم تعرف هي بتبارك لمين بالظبط.. بتبارك للمقاول المحترم، ولا للنصاب الحرامي اللي داخل يسرق يتيمة ويهرب بفلوسها؟!
القاعة اتقلبت، همهمات وصدمة بين المعازيم، ومدام ميرفت صرخت إنتِ اتهبلتي يا شحاتة؟! أمن! طلعوا البنت المجنونة دي برة الفندق!
لكن قبل ما الأمن يتحرك خطوة واحدة، باب القاعة اتفتح على آخره، ودخل الحاج وفيق الشربيني، وجنبه راجل طويل عريض، شعره أبيض وشكله يقطع الخلف من الهيبة والصرامة.. اللواء رؤوف المنشاوي، وفي إيده بنته نيرمين اللي كانت منهارة في العياط!
هشام أول ما شاف اللواء رؤوف ونيرمين داخلين، وشه بهت تماماً، بقى شبه لوح التلج، ركبه خبطت في بعضها والبوكيه وقع من إيده على الأرض وسحقته جزمته من غير ما يحس.
بصيت لهشام اللي كان بيبلع ريقه بصعوبة كأنه بيبلع إزاز مكسور، وشاورت عليه قدام الكل الفرح ده مكانش عشاني يا حضرات..
الفرح ده كان معمولي عشان أكون ستار يغطي بيه وساخته. التوكيل اللي حيلتك يا هشام، التوكيل اللي جريت تاخد بيه نص مليون جنيه كاش من الحاج وفيق عشان تسد بيه شيكاتك المرفوضة، حبر على ورق! التوكيل باطل وميسواش تمن الورقة اللي انطبع عليها!
طلعت من بوكيه الورد بتاعي نسخة من إخطار الشهر العقاري ورميتها في وشه أرض ستي متتباعش لا بيك ولا بأشكالك! وأرض أوسيم اللي كنت فاكر إنك هتبني عليها مجدك وتدفع بيها تمن غلطتك مع بنت الناس المحترمين، هتفضل باسمي وباسم أهلي!
هشام صرخ بهستيريا وهو بيبص للواء رؤوف اللي كان بيقرب منه بخطوات بطيئة ترعب كدابة!
والله العظيم كدابة! يا سيادة اللواء دي واحدة نصابة عايزة تبتزني، نيرمين.. قولي لباباكي الحقيقة!
نيرمين رفعت راسها ودموعها نازلة وقالت بصوت مسموع قدام الكل أنا قولتله الحقيقة كلها يا هشام.. قولتله على الجواز العرفي، وعلى رسايلك اللي بتهددني بيها إنك هتفضحني لو مخدتش من بابا فلوس للشيكات بتاعتك.. قولتله على كل قرفك!
اللواء رؤوف وصل قدام الكوشة، وقف قدام هشام، وفي ثانية واحدة، صوت كف نزل على وش هشام رن في الميكروفونات والصالة كلها كأنه طلقة رصاص! هشام وقع على ركبه من قوة الضربة ومسك خده وهو بينهج ومش قادر ينطق.
اللواء رؤوف بص له باحتقار وبصوت زي الرعد كنت فاكر نفسك ذكي وهتلعب ببنتي وبشرف بيتي يا حتة صايع؟ ورقة الجواز العرفي دي هتتحول لقضية تغرير بإنثى وخطف بالتحايل، ده غير تلات سنين سجن تابتين في الشيكات اللي الحاج وفيق مقدمها للنيابة دلوقتي حالاً.. البوكس مستنيك برة باب الفندق يا هشام، وهتدفع تمن كل دقيقة وجع سببتها للناس.
مدام ميرفت جريت على ابنها ووقعت على الأرض جنبه تصوت وتلطم على وشها ابني! ضيعتونا يا عالم يا ظلمة! ده ابني متربي في أحسن مدارس!
ضحكت في المايك بأعلى صوتي، ضحكة خلت كل المعازيم يسكتوا ويبصولي ابنك متربي في الزريبة اللي افتكرتيني جاية منها يا مدام ميرفت! الوزة اللي مجبتش مقاها في صالونكم الفخم، كانت أنضف من ابنك ومن كل الفشخرة الكدابة اللي عايشين فيها بالديون والنصب!
رميت المايك على الأرض بصوت فرقعة خضت القاعة كلها، ورفعت ديل فستاني الأبيض لفوق عشان ميتوسخش من التراب. نزلت من على الكوشة بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة للسما، عديت من وسط المعازيم اللي كانوا واقفين فاتحين بوقهم من الصدمة، ومحدش قدر ينطق بحرف.
وصلت عند باب القاعة، لقيت سعيد مستنيني بابتسامة فخر عريضة، ومعاه تاكسي واقف على باب الفندق برة.
قلعت الطرحة من على راسي ورميتها على ترابيزة الاستقبال، وبصيت لسعيد يلا يا سعيد.. روحني على أوسيم.
الفستان الأبيض هتعملي فيه إيه يا عروسة؟
بصيت للفستان وضحكت من قلبي لأول مرة من سنين الفستان ده هروح بيه الجنينة، هقعد بيه تحت شجر البرتقال اللي ستي زرعته، عشان الأرض تفرح إن حفيدتها عرفت تحميها.. وإن غدر ولاد الأكابر مكسرش بنت الأصول.
النهاية
