منوعات

حوريه ومهران

«وأنا مش فرجة لحد.» الصمت نزل بينهم تاني، بس المرة دي… كان في نــ,,ـــــار مستخبية تحت الرماد. حوريه بصّت له بوجع عمره ما شافه في عيونها قبل كده، وجع هادي بس تقيل، وقالت بصوت ثابت يخوّف: «هتندم على كلامك ده يا مهران… كلكم هتندموا، وأنا مش هسامح حد فيكم.» مهران شدّ فكه، بس ما نطقش. حوريه اتحركت خطوة قدّامه، وقفت قُصاده بالظبط، لا باكية ولا منهارة، كأنها خدت قرار خلاص:

«أنا هسبقك على الجناح بتاعك…» سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص له في عينه من غير خوف: «بس لما تتأكد بنفسك إن أنا شـ,ـريفة، وإن مفيش حد لمسني… تطلقني يا ابن عمي.» الكلمة نزلت عليه تقيلة. مهران اتشدّ مكانه، ما كانش متوقع الطلب، ولا الجـ,ـرأة. قال بحدة وهو بيحاول يمسك أعصابه: «إنتي فاكرة الموضوع سهل؟ البلد كلها مستنية تشوف…» قاطعته فورًا، بنبرة ما فيهاش رجوع: «ولا أنا مستنية أعيش مكسورة.

إنت عايز الحقيقة؟ أنا كمان عايزاها… بس بعدها، كل واحد فينا يروح لحاله.» لفّت من قدّامه من غير ما تستنى رد، ومشيت ناحية الباب. وقبل ما تفتحه، وقفت ثانية من غير ما تبص له: «الليلة دي هتغيّر كل حاجة يا مهران… يا هتطلع راجل، يا هتفضل واحد من اللي ظلــ,,ـــــموني.» وخرجت. مهران فضل واقف مكانه، أول مرة يحس إن السيطرة بتفلت من إيده… وأول مرة يشك إن الحكاية اللي صدّقها

ممكن تكون كلها كدب. حوريه بصّت له وهي بتبكي، دموعها كانت بتنزل من غير صوت، بس رجفة جسمها كانت بتفـ,ـضح الرعب اللي جواها. شدّت الطرحة على كتافها بإيد مرتعشة، وصوتها طالع مكسور: «هو شرف البنت بقى في إيد الناس يا مهران؟ أبويا يطمن إزاي… وأنا اللي قلبي بيمو.ت؟» مهران وقف قصادها، لحظة صمت عدّت تقيلة، وبصّ لوشّها الشاحب، لعيونها اللي مفيهاش غير خوف وصدق. قال بنبرة أقل حدّة، كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعها:

«أنا قلتلك… لازم أقطع الشك من جذوره. الرجالة تحت مستنية كلمة.» حوريه هزّت راسها وهي بتعيط: «وأنا مش كدبة عشان أحتاج إثبات. أنا بني آدمة يا مهران… مش دليل شرف.» قعدت على طرف السـ,ـرير، ودفـ,ـنت وشّها بين إيديها: «اعمل اللي إنت شايفه… بس افتكر، الليلة دي لو كـ,ـسرتني، عمري ما هنسى.» الكلمة هزّته. مهران خد نفس طويل، لفّ وشّه بعيد عنها، وصوته طلع أوطى من الأول: «قومي…» حوريه رفعت عينيها بخوف:

«قومي؟» قال وهو لسه مديها ضهره: «قومي عدّلي هدومك… أنا نازل لهم.» بصّت له بعدم تصديق: «نازل؟» لفّ وبصلها بملامح متشددة بس عينيه فيها صراع: «هقولهم اللي يرفع راس أبوك… من غير ما أظلــ,,ـــــمك.» الدموع وقفت فجأة، حوريه قامت ببطء، قلبها بيدق بعنــ,,ـــــف، وبصّت له نظرة مليانة شك وأمل في نفس الوقت. مهران فتح الباب، وقبل ما يخرج قال من غير ما يبص لها: «ادعي ربنا يطلع كلامك صح… عشان الليلة دي،

مش سهلة على حد.» وسابها، والباب اتقفل، وحوريه فضلت واقفة مكانها… مابين خوف لسه ساكنها، وأول خيط نور دخل قلبها من غير ما تحس. «مهران مقربش… ولا لمسني.» الكلام ده كان بيلف في دماغ حوريه وهي نايمة على السـ,ـرير، عينيها في السقف، ومش قادرة تنام. أسبوع كامل عدّى… أسبوع وهي على اسمه، مكتوب كتابهم رسمي، والبيت كله فاكر إن الجواز كمل، وإن مهران “ثبت” شـ,ـرفها قدّام البلد. بس الحقيقة؟ الحقيقة كانت مختلفة.

مهران كل ليلة كان بيدخل الجناح، يغيّر هدومه في صمت، ويمدّ جسمه على الكنبة اللي جنب الشباك، ويسيبلها السرير. ولا مرة قرب… ولا مرة مدّ إيده… ولا حتى بصّ لها بنظرة راجل لمراته. حوريه كانت في الأول نايمة وهي مرعوبة، مستنية اللحظة اللي يقرّب فيها، مستعدة تدافع عن نفسها، أو حتى تصرخ. بس الأيام عدّت… وهو زي ما هو. كانت بتسمع نفسه وهو نايم، منتظم، هادي. وتسأل نفسها كل ليلة:

«ليه؟ لو شايفني كدّابة، ليه ما فضـ,ـحنيش؟ ولو مصدقني… ليه مخلّيني معلّقة كده؟» لفّت على جنبها وبصّت ناحية الكنبة، شافته نايم وادي ضهره ليها، ملامحه هادية على غير عادته. مش ملامح واحد منتصر… ولا واحد واخد حقه. أقرب لملامح واحد شايل هم تقيل. قلبها وجعها. مش حب… بس حيرة. همست لنفسها بصوت واطي: «إنت عايز إيه مني يا مهران؟ سترة؟ ولا عقاب؟ ولا بتعذبني بالصمت؟» غمضت عينيها، وحست إن الأسبوع ده كان أطول من سنين.

هي لا متجوزة بجد… ولا مطلّقة. محبوسة في نص حكاية، لا عارفة تبدأ، ولا عارفة تخلص. ومن غير ما تحس، دمعة نزلت على خدها، مش خوف… ولا قهر. دمعة انتظار. بعد كام يوم كانت حوريه دخلت الحمام تاخد شاور ونسيت لبسها علي السرير بعد شوية… باب الحمّام اتفتح بهدوء. حوريه خرجت وهي لافّة فوطة بيضا على جسمها، شعرها مبلول ونازل على ضهرها، ووشّها سخن من البخار. كانت ماشية وهي مطمنة إن مهران نايم، لحد ما رفعت عينيها بالصدفة.

اتجمدت مكانها. مهران كان على الكنبة… بس مش نايم. عينيه مفتوحة، ونظره اتقابل مع نظرتها في نفس اللحظة. الثواني اللي عدّت بينهم كانت أطول من أسبوع الصمت كله. حوريه شهقت بخضة، وشدّت الفوطة على نفسها أكتر، وصوتها طلع متلخبط: «أنا… أنا نسيت هدومي جوه.» مهران اعتدل بسرعة، وبصّ الناحية التانية فورًا، صوته جاف بس واضح فيه توتر: «خدي راحتك… أنا مش باصص.» قلبها كان بيدق بعنــ,,ـــــف، حست وشّها ولّع، وعدّت جنبه بسرعة وراحت ناحية السرير تجيب لبسها، وهي حاسة بنظره مش عليها… لكن على الأرض، كأنه بيحارب نفسه.

وهو؟ كان سامع صوت أنفاسها، قريب… قوي… وحاسس لأول مرة إن المسافة اللي بينهم مش بس مسافة كنبة وسرير. لبست بسرعة، وإيدها كانت بترتعش، وبصّت له لقت ضهره ليها، كتافه مشدودة كأنه واقف قدّام معركة. قالت بصوت واطي: «آسفة…» مردّش. بس لما قامت تطفي النور، سمعته يقول من غير ما يلف: «إنتي ما عملتيش حاجة غلط يا حوريه.» الكلمة وقفتها مكانها. ما علّقتش… بس قلبها دق دقّة مختلفة. الليل عدّى،

وكل واحد فيهم في مكانه، بس لأول مرة… الصمت ما كانش فاضي. بعد الأيام اللي عدّت، كل حاجة اتغيّرت… حوريه كانت بدأت تلاحظ حاجات صغيرة عن مهران: صمته اللي مش برد، اهتمامه اللي مش فرض، احترامه ليها حتى لما كانت غضبانة، وطريقته إنه يخليها تحس بالأمان جوه الجناح اللي كان في الأول مجرد مكان للنوم. مهران نفسه كان بيتغير. كل يوم بيعدّي، قلبه كان بيكبر فيها، يحس بحاجات عمره ما حسها قبل كده: حنانها، صراحتها، قوتها، وجرأتها اللي مش بس بتشجعه، لكن كمان بتخليه عايز يكون أفضل.

في يوم، بعد ما حوريه قعدت على الكنبة جنبه، كان فيه صمت طويل… صمت مليان كلام ما ينطقش. مهران خد نفس عميق، وبص لها في عينيها من غير ما يبعد: «حوريه… أنا…» تردد شوية، ويديه اتحركت كأنها بتعترف عن طريق الحركة قبل الكلام: «…أنا بحبك. بحبك بجد… من يوم ما شفتك أول مرة. ومفيش يوم عدّى من غير ما أفكر فيك.» حوريه قلبها كاد ينفجر. دموع فرح بدأت تنزل، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.

همست بصوتها المتهدج، والابتسامة مرسومة على وشها: «مهران… أنا كمان… أنا بحبك. طول الأيام دي كنت متأكدة إنك راجل حقيقي… وكل يوم بتأكدلي أكتر.» ابتسم مهران، وقرب شوية، وحط إيده على إيدها اللي لسه بترتعش: «بس عايزك تعرفي… الحب ده مش بس كلام… أنا هثبتلك كل يوم، أعمل اللي يخليك تحسي بالأمان والسعادة.» تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى