
ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل ما بيقطعهوش غير صوت نفسك اللي بدأ يهدى تدريجياً، ودقات قلب آسر اللي كانت بتدق بسرعة وعنف كأنها طبول حرب مستنية الإشارة. إيده اللي ملفوفة حوالين وسطك كانت شادة عليكِ بأمان يخوف، أمان حسسك إنك لو سبتِ نفسك ليه، العالم برة الباب ده مش هيقدر يلمس منك شعرة.
“مش هتقولي لي؟”
سؤال خرج منه بصوت واطي جداً، بس النبرة نفسها كان فيها تهـ,ـديد يوقف الدم في العروق. تحسيه بيحاول يمسك أعصابه بالعافية، كأنه بركان بينفجر بالبطيء.
أنتِ كنتِ لسة مش قادرة تتكلمي. لسانك مربوط، والصدمة شالة تفكيرك.
كل اللي قدرتي تعمليه إنك هزيتِ رأسك بالنفي وأنتِ دفـ,ـنة وشك في صدره، صباعك ماسك في قميصه بقلة حيلة كأنك خايفة لو سبتيه هتقعي في بير ملوش أخر.
آسر أخد نفس عميق، وكتفه اترفع ونزل ببطء. إيده اللي كانت على ظهرك طلعت لغاية شعرك، وبدأ يملس عليه بالراحة، بلمسة دافية وعطوفة عكس كل الجفاء والعند اللي كان بينكم على مدار السنة اللي فاتت.
“طب اهدي…” همس بيها وهو بيميل برأسه فوق رأسك، “مش هضغط عليكِ دلوقتي. بس وحياة أمي يا سما، اللي حط إيده عليكِ ده، أيامه في الدنيا بقت معدودة.
أنتِ عارفة آسر رضوان لما بيحط حد في دماغه بيعمل إيه.”
الاسم لوحده—آسر رضوان—كان كفيلة يخوف أي حد في الكلية. مش لأنه بلطجي، بس لأنه الشخص اللي ملوش كبير، اللي ما بيكسرش كلامه، والابن الوحيد لواحد من أكبر رجال الأعمال في البلد. كان معروف بعصبيته وكبرياءه، وعمره ما طأطأ رأسه لحد. وطول عمره معاكي أنتِ بالذات… كان بياع كلام وبارد وبيعاملك بقمة التعالي.
عشان كده اللحظة دي كانت غريبة. غريبة لدرجة خلتك تنسي الوجع اللي في رقبتك لثواني.
آسر—عدوك الأولاني—قاعد في حمام البنات، حاطك في حـ,ـضنه، وبيعصر نفسه عشان يسكن رعبك؟
بعد دقائق، حستِ إن ركبك بدأت تشيلك تاني. محاولة منك عشان تبعدي، تحركتِ ببطء وحاولتِ تفكي دراعاته: “آسر… سيبني أقوم.”
مسككش بالقوة، بس دراعاته رخيت بسحر غريب، وساعدك تقفي وأنتِ ساندة على الكتف بتاعه عشان جسمك كان لسة بيلف. آسر قام وققف قصادك، المسافة بينهم كانت شبه معدومة في المساحة الضيقة بتاعة التواليت.
عينيه نزل تاني على رقبتك، وعلى العلامة الزرقا اللي بدأت تورم. علامات صوابع كانت واضحة جداً، كأن حد كان بيحاول يخنقك أو يثبتك بالقوة. حواجب آسر اتعقدت أكتر، وعضلات فكه اتشنجت لدرجة إنك سمعتِ صوت أسنانه وهي بتجز على بعضها.
رفع إيده ببطء شديد، وصباعه الكبير قرب من العلامة. قبل ما يلمسك، عينيه جاب عينك كأنه بيستأذنك. لما ملقاش منك رفض، لمس الجلد الملتهب بالراحه.
أنتِ غمضتِ عينك وتأوهتِ بصوت مكتوم من الوجع.
إيده اتسحبت بسرعة كأنه اتلسع من النـ,ـار، ووجهه اتغير. الغضب اللي كان في عينيه تحول لحاجة تانية… حاجة شبه الندم، أو القهر.
“مين اللي عمل كده؟” سأل تاني، المرة دي النبرة كانت أهدى بس أشد خطورة. “حبيبة؟ ولا حد من الشلة الواطية بتاعتها؟”
أول ما نطقت اسم “حبيبة”، جسمك اتنفض.
آسر لقط النفضة دي في ثانية. عينيه ضاقت:
“حبيبة… صح؟”
حبيبة دي كانت البنت اللي ماسكة الكلية لحسابها، بنت عميد الكلية اللي شايفه نفسها فوق البشر، والطفلة المدللة اللي فاكرة إن الفلوس والواسطة تقدر تشتري كل حاجة… بما فيهم آسر. وكان معروف إن حبيبة بتمـ,ـوت في آسر وبتقفز على أي بنت تقرب منه أو حتى تتكلم معاه.
“هي ما كانتش لوحدها…” كلامك خرج بالعافية، صوتك كان عامل زي الهمس المكسور. “كان معاها اتنين من الشباب بتوع المقالب بتوعها… كتوفروني في الطابق المهجور بتاع الأنشطة… كانوا عايزين ياخدوا مني الموبايل بالقوة عشان يمسحوا التسجيل.”
“تسجيل إيه؟” آسر سأل وهو بيميل عليكِ اكتر، حواجبة محفورة من التركيز.
“تسجيل يثبت إنها هي اللي سربت امتحانات أخر السنة بتاعة السنة اللي فاتت ودبست فيها الدكتور أحمد…” كملتِ وأنتِ بتبصي له بدموع، “أنا سمعتها بالصدفة وهي بتتكلم مع الموظف، وصورتهم فيديو. هي عرفت… وجاتلي النهاردة هي والشباب بتوعها عشان ياخدوا الموبايل.”
“والموبايل فين؟”
“في شنطتي…” بلعتِ ريقك بصعوبة، “أنا رميت الشنطة من شباك الممر المهجور قبل ما يمسكوني، وجمعت كل قوتي وضـ,ـربت الولد اللي كان ماسكني في ركبته وجريت على هنا… كنت فاكرة إن هدى صاحبتي جوة، بس…”
آسر كمل بدالك بصوت مليان مرارة: “بس هدى ما كانتش موجودة.
وهدى اصلاً هي اللي بلغتهم إنك نازلة الطابق ده، صح؟”
الكلام نزل عليكِ زي الصاعقة. “إيه؟ لا… هدى صاحبتي!”
آسر ابتسم ابتسامة مكسورة وباردة، ابتسامة حد فاهم القذارة اللي حواليه كويس جداً. “هدى صاحبتك كانت واقفة مع حبيبة الصبح، وشفت حبيبة بتديها ظرف مقفول. أنتِ طيبة يا سما… طيبة لدرجة إنك بتثقي في أي حد، وده اللي مودينا في داهية.”
كلمة “مودينا” خرجت منه بعفوية، بس أثرها جيه في قلبك غريب. مودينا؟ هو اعتبر نفسه معاكي في نفس الدائرة؟
“اسمعيني كويس…” آسر قرب من وشك لدرجة إن أنفاسه الدافية كانت بتلمس خدك، “أنتِ هتفضلي هنا.
مش هتطلعي خطوة واحدة برة الباب ده غير لما أرجعلك.”
“أنت رايح فين؟” مسكتِ في كم قميصه بسرعة والخوف رجع يتملك منك تاني، “آسر، بلاش مشاكل! دول معاهم حرس برة، وباباه عميد الكلية!”
آسر بص لإيدك اللي ماسكة قميصه، وبعدين بص لعينك. لأول مرة تشوفيه بيبتسم ابتسامة حقيقية، بس كانت ابتسامة مرعبة مليانة تحدي.
مسك إيدك بالراحة وفك صوابعك من قميصه، وحطها في إيده الثانية وضغط عليها بآدمية: “عميد الكلية ده يتلف في سجادة ويترجم في الزبـ,ـالة لما الموضوع يوصل لكرامتك يا سما. والشباب بتوعها؟
هخليهم يتمنوا لو ما اتولدوش اصلاً.”
“آسر أرجوك—”
“قسماً بالله يا سما، لو تحركتِ من مكانك هنا، أنا هقلب الكلية دي عاليها واطيها بطريقة مش هتعجبك. اقفلي الباب على نفسك بالمفتاح، وما تفتحيش لأي حد غير لما تسمعي خبطتي… ثلاث خبطات، وبعدين خبطة واحدة. فاهمة؟”
هزيتِ رأسك بقلة حيلة. الخوف عليه بدأ يزاحم الخوف على نفسك. أنتِ طول عمرك بتشوفيه الشاب المغرور اللي مبيفكرش غير في نفسه، بس اللي بيمشي قدامك دلوقتي ده كان حد تاني خالص… حد مستعد يدخل حريق عشانك.
طلع آسر من التواليت، وسمعتِ صوت الباب الخارجي بتاع الحمام بيتقفل بحدة.
قفلتِ الباب عليكِ بالمفتاح زي ما قالك، وقعدتِ على الأرض وظهرك متسند على الحيطة، حاطة إيدك على قلبك اللي كان بيدق كأنه مجنون.
الأفكار كانت بتطحن في دماغك. هدى؟ صاحبة عمرك تبيعك عشان فلوس؟ وحبيبة اللي مفكرة نفسها ملكة العالم… وآسر؟ آسر اللي بقاله سنة كاملة بيستقصدك في كل مدرج، وبيحرجك قدام الدكاترة، وبيعمل كل حاجة عشان ينرفزك… ليه بيعمل كل ده دلوقتي؟
مرت عشر دقائق كانت أطول من سنة.
فجأة، سمعتِ صوت خطوات سريعة برة الحمام. بعديها صوت دبة عالية كأن حد اتحدف على الأرض، وصوت صريخ مكتوم!
قلبك وقع في رجليكي.
وقفتِ بسرعة وحطيتِ أذنك على الباب.
سمعتِ صوت آسر، بس المرة دي ما كانش الهادي بتاع التواليت… كان صوت هز الأرض: “وربنا لو نطقتِ كلمة تانية لأكون دافنك مكانك يا روح أمك! أنتِ فاكرة عشان أباكي العميد هتقدر تعملي اللي أنتِ عايزاه؟”
وصوت حبيبة وهي بتبكي وبترتعد: “آسر… والله ما كنت أقصد! هي اللي استفزتني! هي اللي صورتني!”
“تصورك أو تحرقك!” صوت آسر كان بيطلع منه غضب مش طبيعي، “تمدي إيدك عليها؟ تخلّي الشرايط بتوعك يمسكوها من رقبتها؟ أنتِ عارفة أنتِ لمستِ مين؟
أنتِ لمستِ حاجة تخص آسر رضوان!”
الكلمة نزلت على أذنك زي الصعقة… “حاجة تخص آسر رضوان”؟
بعديها سمعتِ صوت كركبة عالية، وصوت واحد من الشباب بياخد علقة المـ,ـوت، صريخ وضـ,ـرب مكتوم وصوت زجاج بيتكسر. الكلية في الوقت ده كانت شبه فاضية لأن المحاضرات كانت خلصت، بس المكان ده بالذات كان معزول.
دقيقة كاملة من الرعب والصوت العالي، وبعدين… ساد الهدوء تماماً.
أنفاسك كانت مقطوعة وأنتِ واقفة ورا الباب.
وفجأة…
تك… تك… تك… (ثلاث خبطات).
وبعدين… تك. (خبطة واحدة).
إيدك كانت بترتعش وأنتِ بتدوري المفتاح.
فتحتِ الباب ببطء، والعين اتفتحت على آخرها من اللي شفتيه.
آسر كان واقف قدام الباب. قميصه الأبيض كان مفكوك منه أول زرارين، وكمامه متشمّرة. على عقِل صوابع إيده اليمين كان فيه دم وأثر ضـ,ـرب جامد، وشعره كان منكوش. بس عينيه… عينيه كانت ثابتة عليكِ، وفيها نظرة انتصار مخيفة.
على الأرض وراه، كان فيه اتنين من الشباب بتوع حبيبة مرميين ومش قادرين يقفوا، وحبيبة واقفة في الزاوية بتبكي بهستيريا ووشها أحمر من الخوف، وشنطتك في إيد آسر الشمال!
رمى آسر الشنطة تحت رجليكي بالراحة، وبص لحبيبة بصة خلتها تتكمش في الحيطة أكتر.
“الموبايل جوة يا سما؟” آسر سأل وهو بيبصلك.
أخدتِ الشنطة بفتحتها بسرعة وطلعتِ الموبايل… كان سليم ومفيش فيه خـ,ـربوش. هزيتِ رأسك بـ “اه”.
آسر لف ببطء ووقف قصاد حبيبة. نزل لمستواها وواجه وشها بصوت واطي ومسموع للكل: “قدامك نص ساعة… تروحي للعميد، وتقوليله إنك أنتِ اللي سربتِ الامتحانات، وتستقيلي من الكلية دي خالص. ولو ما عملتيش كده… الفيديو ده هيكون على مكتب رئيس الجامعة، وأبوكي هيكون في السجن قبل ما اليوم يخلص.
وأقسم بالله يا حبيبة… لو شفتك بتعدي من الشارع اللي ساكنة فيه سما، مش هيردني عنك أي حد في الدنيا.”
حبيبة هزت رأسها بالرفض والخوف، وجريت من الحمام هي والشباب بتوعها بيلعنوا اليوم اللي جوم فيه.
المكان فضي تماماً. مفيش غيرك أنتِ وآسر.
آسر دار لكِ، والتعب بدأ يظهر على وشه. أخد نفس عميق ومسح الدم اللي على صوابعه بمنديل من جيبه.
“أنتِ كويسة؟” سألك وهو بيمشي ناحيتك بالراحة.
“أنت… أنت مجنون؟” كلامك خرج بصوت ملخبط بين الصدمة والذهول، “أنت ضـ,ـربتهم كده ليه؟
وأبوها… أبوها ممكن يرفدك!”
آسر قرب منك لحد ما بقى يفصله عنك خطوة واحدة. رفع إيده اللي فيها الدم بالراحة وحطها على خدك، وإيده الثانية اتلفت حوالين وسطك وسحبك ليه ببطء.
“خليهم يرفدوني…” همس بيها وعينيه في عينك، “المهم إن مفيش ابن كلب في الدنيا دي يقدر يمس منك شعرة وأنا جاف على وش الأرض.”
أنتِ كنتِ تبصي له ومش فاهمة. “آسر… أنت ليه بتعمل كل ده؟ أنت طول عمرك بتكرهني! أنت بتطيقني بالعافية في الكلية!”
آسر ضحك ضحكة واطية، ضحكة فيها وجع وعتاب غريب.
قرب من ودانك، ونفسه الدافئ لمس جلدك، وهمس بالسر اللي كان مخبيه طول السنة اللي فاتت:
“أنا عمري ما كرهتك يا سما… أنا كنت بهـ,ـرب منك. كنت بعمل معاطش ومشاكل عشان بس أسمع صوتك وأنتِ بتزعقي معايا، عشان أجبرك تبصي لي… عشان لو ما عملتش كده، ما كنتش هعرف أقف قدامك من غير ما أشدك لحضني وأقولك إني بقع فيكِ كل يوم من ساعة ما شفتك…”
قلبك وقف. الدنيًا كلها وقفت حواليكي.
آسر بعد وشه شوية عشان يشوف أثر كلامه على وشك. عينيه كانت بتلمع برجاء، كأنه خايف من رد فعلك.
بس قبل ما تلحقي تنطقي كلمة واحدة، أو تفهمي المشاعر اللي اتلغبطت في صدرك… صوت جرس إنذار الحـ,ـريق في الكلية بدأ يصرخ بعنف!
الأنوار بدأت تطفي وتنور، وصوت صريخ الطلاب برة في الطرقات بدأ يعلى!
آسر اتشنج فجأة، وعينيه اتسعت وهو بيبص ناحية باب الحمام. مسك إيدك بسرعة وعصرها في إيده: “ابن الكلب عملها…”
“مين؟” سألتِ برعب.
“حبيبة ما جريتش على أبوها…” آسر قالها وصوته مليان خطر، وهو بيسحبك وراه برة الحمام، “حبيبة جابت أفراد أمن الكلية وقفلوا المبنى علينا… وولعوا في المدخل عشان يلبسوها فينا!”
الدخان بدأ يتسرب من تحت باب الممر الرئيسي، والصوت برة بقى كأنه حلبة مصارعة.
آسر بص لكِ، ومسك وشك بإيديه الاتنين وهو بيبص في عينك بثبات مرعب: “سما… اسمعيني كويس. التليفون ده مش هيطلع من جيبك. وأنا مش هسيب حد يلمسك… بس لو حصل أي حاجة، أول ما أفتح الباب ده… تجري على السلم الخلفي وما تبصيش وراكي… فاهمة؟”
“وأنت؟” سألتِ والدموع مالية عينك تاني.
آسر ابتسم ابتسامة شجاعة وهو بيطلع مطـ,ـواة صغيرة من جيبه وبيفتحها: “أنا هوريهم آسر رضوان بيعمل إيه لما حد يفكر يحبس الأسد مع فريسته…”الدخان بدأ يتقل في الممر، وريحة الشياط ملت المكان. صوت سرينات إنذار الحريق كان بيصرخ ويضـ,ـرب في الودان، والأنوار الحمرا بتاعة الطوارئ بتطفي وتنور، بتعكس على وش آسر اللي كان شبه الصخر… مفيش في عينيه أي أثر للخوف، كل اللي فيه كان غضب صافي وحماية عمياء ليكي.
“آسر… أرجوك بلاش!” مسكتِ في دراعه بكل قوتك، والدموع مغرقاني، “تعالى نجري سوا، السلم الخلفي قريب!”
آسر بص لإيدك اللي ماسكة فيه، وبعدين بص في عينك.
نظرة دافية خطفها في وسط الكارثة دي كلها، وقرب باس رأسك بسرعة.
“لو جرينا سوا مش هنلحق يا سما… الباب الرئيسي مقفول بسلاسل من برة، والأمن اللي حبيبة جابته واقفين ورا الدخان مستنيين نطلع عشان يقبضوا علينا وتتلزق فينا قضية حريق وتخريب… لازم حد يشغلهم ويفضيلك السكة.”




