— “ياسين بيه، سيبني واهرب! القنبلة دي لو اتحركت مليمتر واحد هتنفجر فوراً!”
— “اخرس يا محمود! مش هسيبك تموت هنا بسببي، إنت دراعي اليمين!”
— “الوقت بيخلص! 35 ثانية يا مجنون.. البنت دي ملهاش ذنب تموت معاك!”
صوت محمود كان بيتقطع مع كل كحة بتنزل دم من بقه، عينيه كانت مليانة رعب بس فيها رجاء أخير لياسين إنه يلحق نفسه. ليلى كانت واقفة ورا ياسين، ضامة إيديها على وشها والعداد الأحمر تحت الكرسي بيسحب أرواحهم مع كل ثانية بتعدي: 00:29… 00:28…
ياسين كان بيحاول يفك العقدة الحديدية اللي لافة وسط محمود، بس إيديه كانت بتنزف من سلك شائك ملفوف حوالين العقدة.
محمود زق إيد ياسين بكتفه بكل قوته، وشاور بدقنه ناحية الحيطة اللي وراهم في الضلمة:
— “ماسورة الصرف القديمة يا ياسين! ورا الصناديق الصاج.. بتنزل على البحر طوالي.. اض.رب قفلها بالنا.ر وانزلوا فيها.. يلا!!”
ياسين بص للماسورة، وبعدين بص لمحمود بتردد، عينيه اللي عمرها ما عرفت الدموع كانت بتلمع.
— “ياسين!” محمود صرخ بصوت زلزل البدروم.. “حاوية رقم 707… ميناء الدخيلة… هيتهرب الفجر… روح أنقذ أخوك وخدلي بتاري من رضوان!”
00:12… 00:11…
ياسين قبض على فكه بقوة، سحب مسدسه، ولف ناحية الصناديق، ض.رب طلقتين ورا بعض طيروا القفل المصدي بتاع شبكة الماسورة. شد ليلى من دراعها بقسوة، ورمى بيها جوه الفتحة الضيقة، وقبل ما ينط وراها، بص لمحمود نظرة أخيرة.. محمود ابتسم له بضعف وغمض عينه.
00:03… 00:02…
ياسين رمى نفسه جوه الماسورة، وانزلقوا في ضلمة تامة وريحة بحر خانقة.
00:00.
انفجار أصمّ هز الأرض كأن زلزال بقوة 7 ريختر ض.رب إسكندرية. موجة الضغط السخنة لحقتهم جوه الماسورة، ودفعتهم بقوة رهيبة لتحت لحد ما سقطوا في مياه البحر الباردة والمطر بيجلد وشوشهم.
شاطئ المكس المهجور – الساعة 1:15 صباحاً
ياسين سحب ليلى اللي كانت بتغرق من شدة الموج، وطلع بيها على الصخور. الاتنين وقعوا على الرملة بينهجوا، بيكحوا مياه مالحة، وجسمهم بيتنفض من البرد والصدمة.
دخان أسود كثيف كان طالع من المخزن اللي وراهم، وصوت القطر اللي كان بيعدي غطى على صوت الانفجار وكأنه خطة شيطانية مرسومة بالملي.
ليلى لفت على جنبها وفضلت تعيط بهستيريا مكتومة.. الموت كان بينها وبينه ثانية واحدة.
ياسين قام ببطء، كتفه كان بينزف من خبطة في الماسورة، ووشه مليان سواد وتراب. مسح وشه بإيده، وبص لليلى اللي بتترعش، خلع البالطو بتاعه المبلول ورمالهولها:
— “قومي.. مفيش وقت للانهيار. الفجر هيأذن كمان 3 ساعات.”
ليلى بصتله بذهول:
— “إنت إيه؟ حجر؟ الراجل اللي شغال معاك لسه ميت متفجر قدام عينينا! وإحنا كنا هنبقى أشلاء.. وإنت بتفكر في الفجر؟!”
ياسين وطى لمستواها، ومسك دراعها قومها بعنف مبطن:
— “الراجل اللي مات ده مات عشان إحنا نعيش ونجيب حقه وحق أخويا. لو قعدتي تعيطي هنا، رضوان هيكسب، ويوسف هيموت، وإنتي كمان هتتق.تلي. قدامك حلين.. يا تاخدي تاكسي وتروحي تسلمي نفسك لرضوان.. يا تركبي معايا العربية الاحتياطية اللي سايبها برة المخازن ونروح ميناء الدخيلة. اختاري.”
ليلى بلعت ريقها المر، بصت في عينيه اللي بتلمع في الضلمة زي ذئب جريح، ومسحت دموعها بكم البالطو:
— “فين العربية؟”
ميناء الدخيلة – الساعة 3:45 فجراً
عربية دفع رباعي تانية تابعة لأسطول شركات الدمردաշ دخلت من بوابة الميناء. الأمن فتح البوابة فوراً أول ما شافوا تصريح الـ (VIP) على الإزاز، ومحدش جرأ يوقف ياسين الدمردաշ.
وقفوا بالعربية في منطقة مظلمة بين آلاف الحاويات الحديدية اللي مرصوصة زي جبال كئيبة. المطر كان هدى شوية، بس الجو كان تلج.
ياسين نزل وهو ماسك كشاف ليزر، وبدأ يمشي بين الممرات الضيقة، وليلى وراه بتتلفت برعب من أي صوت.
— “ندور على حاوية لونها أحمر غامق.. تابعة لشركة ‘أوشن لاين’.. عليها رقم 707.” قالها ياسين بصوت واطي.
فضلوا يدوروا أكتر من نص ساعة، لحد ما ليلى وقفت فجأة وشاورت بإيد بتترعش:
— “ياسين.. هناك!”
في آخر الممر، كانت الحاوية 707 محطوطة على الأرض، جاهزة عشان الونش يرفعها على السفينة اللي هتتحرك الفجر. الغريب إن مكنش عليها أي حراسة.
ياسين طلع مسدسه، وقرب ببطء. لقى القفل الحديد الثقيل بتاع الحاوية مش مقفول للآخر.. كأنه متساب مفتوح عمداً.
قلبه بدأ يدق بعنف. هل يوسف جوه؟ هل أخوه التوأم اللي مات من 7 سنين على بعد خطوات منه؟
حط إيده على المقبض الحديد، وبص لليلى يأمرها تستخبى ورا حاوية تانية.
أخد نفس عميق، وسحب الباب بكل قوته.
صوت صرير الحديد شق سكون الليل، والحاوية اتفتحت.
ياسين رفع المسدس والكشاف ووجههم لجوه.. لكنه اتسمر مكانه.
ليلى طلعت من مخبأها وقربت بخطوات بطيئة، ولما بصت جوه، شهقت وحطت إيدها على بقها.
الحاوية مكنتش ضلمة، ومكنش فيها يوسف!
الحاوية كانت من جوه متجهزة كأنها غرفة عمليات كاملة. شاشات كمبيوتر، سيرفرات، ومكاتب.
بس الرعب الحقيقي مكنش في الأجهزة.. الرعب كان في الحيطة الرئيسية للحاوية.
الحيطة كلها كانت متغطية بصور. مئات الصور المطبوعة.
ياسين قرب ببطء، والكشاف بيترعش في إيده لأول مرة في حياته.
الصور مكنتش ليوسف.. ومكنتش لياسين.
الصور كلها كانت لـ “ليلى”!
صور ليها وهي طفلة بتلعب قدام محل التحف في العطارين.
صور ليها وهي في المدرسة.
صور ليها وهي بتشتري الصندوق الخشب اللي كان فيه الولاعة.
وصور ليها وهي نايمة جوه أوضتها متصورة من شباك العمارة اللي قصادها!
وفي نص الحيطة، ورقة كبيرة مطبوعة عليها نتيجة تحليل (DNA)، متوصلة بخيوط حمراء بصورة لرضوان الدمردաշ، وصورة تانية لست جميلة جداً.. ملامحها هي نفس ملامح ليلى بالظبط.
ياسين بص لليلى اللي كانت واقفة بتتنفض ومش قادرة تنطق حرف، عينيها مبرقة على الورق والصور.
— “إيه ده.. ده مستحيل..” ليلى همست بصوت شبه ميت.
فجأة.. شاشة الكمبيوتر الكبيرة اللي في نص الحاوية نورت لوحدها.
وظهر عليها شعار شركة الدمردաշ، وبعدها ظهر صوت “رضوان” من سماعات مخفية في زوايا الحاوية.. صوت بيضحك بانتصار مرعب:
— “وأخيراً.. الذئب الصغير جابلي الكنز لحد باب بيتي. طول عمري بقول عليك شاطر يا ياسين.”
ياسين صرخ في الشاشة بغضب حرق أعصابه:
— “فين يووووسف يا رضوان؟ واللعبة القذرة دي إيه حكايتها؟”
رضوان اتنهد بارتياح درامي وقال من خلال السماعات:
— “يوسف؟ يوسف مجرد طُعم يا غبي.. طُعم أنا رميتهولك عشان تجيبلي البنت دي من غير ما تشك في حاجة. البنت اللي بقالي 20 سنة بدور عليها.. البنت اللي تمتلك 60% من إمبراطورية الدمردաշ من غير ما تعرف.”
ليلى رجعت لورا خطوة وظهرها خبط في باب الحاوية، والدموع جمدت في عينيها.
رضوان كمل كلامه، والجملة الأخيرة نزلت عليهم زي الصاعقة:
— “أهلاً بيكي يا ليلى.. أو خليني أقولك باسمك الحقيقي.. أهلاً بيكي يا ‘ليلى يحيى الدمردաշ’.. أخت ياسين ويوسف الشرعية..
والوريثة الوحيدة اللي أبوهم كتبلها كل حاجة قبل ما أق.تله!”
وفي اللحظة دي.. صوت أبواب الحاوية الحديدية بدأ يزيق بقوة.. وبتتقفل عليهم لوحدها أوتوماتيكياً!
— “إنت بتعمل إيه؟ الباب ده سمكه 5 سنتي حديد صلب، مش هيتفتح بض.رباتك دي! إحنا هندفن هنا!”
— “لو استسلمت دلوقتي هنترمي في قاع البحر يا ليلى! طول ما فيا نفس، مفيش دمردաշ هيموت غرقان الليلة دي!”
صوت ليلى كان بيترعش وهي ساندة ضهرها على الحيطة اللي مليانة صورها، بينما ياسين كان بيض.رب الباب الحديدي بكل قوته بكتفه، ومسدسه اللي فضي من الرصاص مرمي على الأرض.
فجأة، الأرضية اتهزت بعنف تحت رجليهم، وصوت طرقعة حديد ضخمة رنت في ودانهم. الحاوية بدأت تترفع عن الأرض!
ليلى فقدت توازنها ووقعت على ركبها:
— “الونش! بيرفعونا على السفينة.. هيرمونا في البحر يا ياسين!”
ياسين جري ناحيتها، شدها من دراعها ووقفها ورا ضهره كأنه بيحميها من مجهول، وعينيه بتلف في المكان بتدور على أي مخرج. بص لليلى وسط الضلمة اللي كسرها نور الشاشات وقال بصوت حازم مفيش فيه ذرة خوف:
— “اسمعيني كويس.. سواء كنتي ليلى بنت العطار، أو ليلى الدمردաշ.. إنتي دلوقتي أختي.. وفي حمايتي.. ومش هسمح لرضوان إنه ياخد مني أخ تاني. فاهمة؟”
ليلى بصت في عينيه، ولأول مرة تحس بأمان حقيقي وسط كل الرعب ده. هزت راسها بدموع.
فجأة.. صوت الشاشات اللي حواليهم بدأ يوشوش، وصوت رضوان اختفى تماماً. بداله، ظهر صوت إنذار متقطع، وبعدها.. شرار نار بدأ ينزل من سقف الحاوية!


