ياسين رفع راسه بسرعة وشد ليلى لورا. حد كان بيقطع سقف الحاوية من فوق بـ (لمبة لحام) قوية جداً.
الحديد ساح، ومربع كبير من السقف وقع على الأرض بصوت مكتوم، ودخل منه هوا البحر الساقع مع خيوط الفجر الأولى.
ومن الفتحة دي، نزل حبل أسود سميك، ووراه.. نزل شخص بحركة سريعة ومحترفة، ووقف قدامهم وسط الدخان.
شخص طويل، لابس لبس أسود تكتيكي، شعره طويل نسبياً، وعلى حاجبه الشمال أثر جرح قديم.
الشخص ده رفع وشه ببطء، وبص لياسين وابتسم نص ابتسامة ساخرة:
— “يا ريتني كنت مت فعلاً، ولا إني أشوفك بتض.رب حديد صلب بكتفك يا أذكى إخواتك!”
ياسين اتسمر مكانه. النفس وقف في صدره، وعينيه وسعت بذهول. الكلمات هربت من شفايفه وهو بيهمس:
— “يوسف؟!”
يوسف فتح دراعاته، وياسين هجم عليه ح.ضنه بكل قوته، ح.ضن ك.سر 7 سنين من العذاب والوجع والدموع اللي متذرفتش. الاتنين مسكوا في بعض كأنهم خايفين واحد منهم يختفي تاني.
يوسف ربت على ضهر أخوه بقوة وبعدين بعده عنه، وبص لليلى اللي كانت واقفة مصدومة مش قادرة تستوعب اللي بيحصل.
يوسف قرب منها، عينيه لمعت بحنان مفتقده من سنين، وقال بصوت دافي:
— “أخيراً لقيتك.. نسخة من أمي الله يرحمها.”
ليلى دموعها نزلت:
— “إنت.. إنت عايش؟ إنت اللي حطيت الفلاشة في الصندوق؟”
يوسف هز راسه بسرعة وهو بيبص لساعته:
— “أنا هربت من قبو رضوان من سنة ونص يا ياسين. طول الفترة دي كنت بشتغل في الضلمة، بجمع أدلة، وبدور على ليلى اللي رضوان كان قالب عليها الدنيا عشان يق.تلها ويورث حصتها. الفلاشة كانت طُعم مني أنا.. عشان أجبرك تلاقيها قبله، وأجبر رضوان إنه يطلع من جحره ويجي المينا بنفسه الليلة دي.”
ياسين مسح وشه بإيده يستوعب الصدمة:
— “ومحمود؟ محمود مات يا يوسف!”
يوسف ملامحه قسيت:
— “محمود كان بيشتغل مع رضوان من يوم ما أنا اختفيت. هو اللي بلغ رضوان بوجود ليلى في مكتبك. نهايته كانت من صنع إيدين سيده. ودلوقتي.. مفيش وقت. الحاوية بتنزل على سطح السفينة.. يلا نطلع!”
على سطح سفينة الشحن – الفجر
السما كانت بدأت تنور بلون أزرق رمادي، والمطر وقف، بس الهوا كان بيجرح الوش.
الحاوية نزلت على سطح السفينة، ورضوان الدمردաշ كان واقف قدامها، لابس بالطو جلد، وحواليه أكتر من 15 حارس مسلحين.
رضوان ابتسم بانتصار، وشاور للونش إنه يجهز عشان يزق الحاوية في البحر.
لكن قبل ما الحراس يقربوا، باب الحاوية اتض.رب من جوه بقوة وانفتح على مصراعيه!
الدخان طلع من الحاوية، ومن وسطه.. خرجوا التلاتة.
ياسين على اليمين، يوسف على الشمال، وليلى في النص محمية بضهر إخواتها.
ابتسامة رضوان اتجمدت على وشه، والسيجار وقع من إيده على الأرض. عينيه جحظت وهو بيبص ليوسف كأنه بيشوف عفريت:
— “يوسف؟! إزاي؟ إنت المفروض محبوس في..”
— “في مخازن المكس اللي فرقعتها من شوية؟” يوسف قاطعه بصوت جهوري هز سطح السفينة.. “اللعبة خلصت يا رضوان. إمبراطوريتك اللي بنيتها على الدم انهارت الليلة.”
رضوان صر على سنانه وطلع مسدسه بسرعة ووجهه ناحيتهم، وصرخ في حراسه:
— “اض.ربوهم بالنار! خلصوا عليهم كلهم!”
لكن فجأة.. كشافات عملاقة نورت من كل اتجاه في المينا، وصوت سارينات الشرطة شق الصمت المرعب. عربيات المدرعات قفلت كل مخارج الميناء، ولانشات خفر السواحل حاصرت السفينة من كل الجوانب.
صوت في الميكروفون طلع من طيارة هليكوبتر فوقيهم:
“سلم سلاحك يا رضوان.. المكان كله محاصر، ومعانا أمر بالقبض عليك بتهمة الق.تل العمد والتزوير!”
الحراس اللي حوالين رضوان أول ما شافوا القوات الخاصة بتقتحم السفينة، رموا سلاحهم على الأرض واستسلموا فوراً.
رضوان لقى نفسه وحيد، محاصر، وكل خططه بتتحرق قدام عينيه. بص لياسين ويوسف بغل مجنون، ووجه مسدسه ناحية “ليلى”:
— “لو هروح حبل المشنقة.. هاخد أغلى حاجة عندكم معايا! البنت اللي ضيعتوا كل حاجة عشانها!”
داس على الزناد.. بس ياسين كان أسرع.
رصاصة واحدة من مسدس ياسين (اللي كان يوسف إدهوله وهما طالعين) اخترقت كتف رضوان اليمين.
صرخ رضوان ووقع على ركبه، والمسدس طار من إيده في البحر.
ياسين قرب منه بخطوات بطيئة، وبصله من فوق باحتقار:
— “كان ممكن أق.تلك وأريح الكوكب من شرك.. بس أنا مش زيك.
إنت هتعيش عشان تشوف إمبراطورية الدمردաշ بتكبر على إيد التلاتة اللي حاولت تق.تلهم.. هتعيش وتموت في زنزانة ضلمة.. زي اللي حبست فيها أخويا 7 سنين.”
القوات الخاصة هجمت على رضوان، كلبشوه وسحبوه وهو بيشتم وبيصرخ بهستيريا.
ياسين لف وشه، لقى ليلى بتعيط، بس المرة دي دموع فرحة. يوسف حط إيده على كتفها وابتسم. التلاتة بصوا لبعض، وفي اللحظة دي، شمس إسكندرية طلعت، ونورها غسل كل الضلمة اللي عاشوها.
بعد مرور 6 شهور – مقر شركات الدمردաշ
في نفس المكتب الزجاجي اللي في الدور الأخير.
واجهة المكتب اتصلحت، والمكان بقى مليان نور وشمس.
ياسين كان قاعد على مكتبه، بيمضي ورق، وباب المكتب خبط.
دخلت “ليلى”. بس مكنتش ليلى المذعورة اللي بتجري في المطر. كانت لابسة بدلة نسائية أنيقة جداً بلون كحلي، شعرها مرفوع بثقة، وفي رقبتها لسة السلسلة الفضة البسيطة بتاعتها.
ليلى حطت ملف على مكتب ياسين وقالت بابتسامة واسعة:
— “بشمهندس ياسين.. صفقة ترميم المتاحف الجديدة في إيطاليا تمت بنجاح. أقدر أقولك إن فرع الثقافة والفنون اللي ضفناه للشركة هيعمل أرباح تتخطى الشحن البحري السنة دي.”
ياسين ساب القلم، ورجع بضهره لورا وابتسم بفخر:
— “مكنتش متخيل إن أختي الصغيرة تطلع أشطر مني في الإدارة.
رضوان كان عنده حق في حاجة واحدة.. إنتي فعلاً الكنز الحقيقي للدمردաշ.”
باب المكتب اتفتح فجأة من غير استئذان، ودخل يوسف، لابس قميص أبيض كاجوال ومفتوح، ونضارة شمس، كعادته مبيحبش الرسميات.
— “إيه يا جماعة؟ هنقضي اليوم كله في الشغل ولا إيه؟ أنا حاجز يخت جديد باسم ‘ليلى’ ومستنيكم على الكورنيش عشان نجربه!”
ياسين ضحك ووقف من مكانه:
— “يخت تاني يا يوسف؟ إنت مابتحرمش؟”
يوسف غمز بعينه وراح وقف جنب ليلى وحط دراعه حوالين كتفها:
— “المرة دي اليخت متأمن، ومفيش عقارب في السفينة. وبعدين، المديرة التنفيذية ليلى هانم محتاجة أجازة.. ولا إيه رأيك؟”
ليلى ضحكت من قلبها، وبصت لياسين ويوسف.
— “أنا رأيي إن طول ما إنتوا الاتنين معايا.. أنا مش محتاجة أي حاجة تانية من الدنيا.”
ياسين قفل اللاب توب بتاعه، وأخد چاكيت البدلة، وراح وقف جنبهم وبص للبحر من الإزاز الواسع.
كانت رحلة صعبة، مليانة دم ودموع وغدر، بس في النهاية.. الدم أثبت إنه أتقل من الفلوس، والروابط اللي بتتربط في الضلمة، مبتكسرهاش عواصف الأيام.
نزلوا التلاتة مع بعض، كتف في كتف، بيضحكوا بصوت عالي، ومكملين طريقهم في كتابة تاريخ جديد لعيلة “الدمردաշ” السند الحقيقي لبعض.
تمت لو عجبتك الروايه متنساش تعمل متابعه لصفحتي سهر الحكايات حتي يصلك الجديد الكاتبه سهر محمد

