منوعات

الدكان

خرج منذر من المرحاض مرتديا فانلته التحتية السوداء على بنطاله الجينز البالي اللون وهو عابس الوجه نظراته منزعجة شبه متوترة. التقطت أذنيه جزءا من الحوار الدائر بين والديه فتدخل فيه قائلا بصوت قاتم وهو يجفف وجهه بالمنشفة القطنية أروى ماتطلعش من المدرسة إلا ومعاها حد فايق مش هنديهم فرصة يكرروها تاني! رد عليه أباه قائلا بجدية أه ما أنا هاعمل كده مط منذر فمه للأمام ولم يعقب بينما تلفت طه حوله ليسأله باهتمام بعد أن لاحظ تغيب ابنه

أومال فين دياب رد عليه منذر وهو يلف المنشفة حول عنقه مش باين من ساعة الخناقة! انتصب هو في وقفته وضبط قلادته الفضية التي تطوق عنقه وتحرك ليجلس على مقربة من والده. تنهد طه بإحباط ورد بصوت ممتعض أخوك جايبني ورا بعمايله! حدق منذر في وجه أبيه بجمود ورد عليه بقسۏة بلاش نفتح في الماضي يا حاج أنا وانت عارفين إنه اتاخد غدر! كز طه على أسنانه بشراسة ليضيف قائلا

بنت الأبلسة لعبتها صح عليه ولولا يحيى كنت شارب من ډمها! هتفت جليلة بتوجس بعد أن لاحظت نظرات الشړ متجلية في أعين زوجها كله بالعقل يا حاج وحقنا هناخده منها! نظر ناحيتها وسألها بحدة أومال يحيى فين ازدردت ريقها وهي تجيبه بحذر معاها! زفر بصوت مسموع منزعجا من إجابتها وسألها بتهكم استغفر الله العظيم والمحروسة هاتجيبه امتى أجابته بهدوء أخر النهار إن شاء الله! صاح بصوت محتد متذكرا فعلتها النكراء قائلا

ربنا ياخدها ويخلصنا منها! لم يرغب منذر في فتح ذلك الموضوع الشائك مجددا لما فيه من أمور مزعجة ومؤلمة للجميع فهتف بتأفف فضنا من الحوارات دي يا حاج طه عاوزين نشوف مصالحنا! امتلأت الغرفة عن أخرها بسحب كثيفة من الدخان المنبعث من الأرجيلة التي لم يتوقف هو عن . نظر له رفيقه عماد بتوجس من تلك الكميات التي تناولها وتشدق قائلا بحذر مش كفاية يا دياب! إنت.. إنت بقالك كام ساعة بتشرب!

رد عليه بصوت مخټنق يحمل الڠضب بين طياته محروق ياخي إنت مش حاسس پالنار اللي جوايا حذره رفيقه قائلا عشان بس كترها مش حلو رد عليه دياب بمرارة وقسۏة يا ريتني أقدر أطفي البركان اللي قايد فيا بس مش قادر مش قادر يا عماد! تنفس عماد بهدوء وردد قائلا الموضوع إياه! تحول وجهه للتجهم الشديد وضاقت نظراته ثم أجابه بنبرة عامضة تحمل القتامة هو في غيره لعبتها صح أوي ولبستني العمة وأنا زي الدغوف شربتها على الأخر!

رد عليه عماد محاولا التهوين عليه قليلا هيجي يوم وتاخد حقك منها! تابع دياب بشراسة وهو يضغط على أسنانه بقسۏة لولا ابني يحيى وأبويا كنت دابحها! أضاف عماد بصوت رخيم أنا عارف بس ماتستهلش انك تعمل في نفسك كده! هتف دياب بقوة بعد أن استشاطت نظراته للغاية وبرزت عروقه من عنقه اللي حرقني أوي ابن أبو النجا عملهم عليا وأنا مشيت وراه من غير ما أديله خوانة! رد عليه عماد بهدوء

ليه يومه بردك يا كبير! حدق دياب في الفراغ أمامه بنظرات تحمل الكثير وهتف من بين فمه بتوعد ايوه وكله بحسابه!!! بعد مرور أسبوعين لم تقو قدماها على حملها وتكفلت سيدتان بإسنادها وهي تسير في الخلفية مودعة أباها للمرة الأخيرة إلى مثواه الأخير. تلقت خبر ۏفاته كالصاعقة فأظلمت الدنيا في عينيها. عجزت والدتها القعيدة عن الحضور فمصابها آليم وأشد فجعا هي خسړت حبيبها وزوجها وحاميها وكل شيء في حياتها شهقت أسيف بصعوبة غير قادرة على التنفس إنه يوارى الثرى أمام ناظريها يدفـ,ـن مع من سبقه من الأموات. تركها بمفردها وحيدة ضعيفة في مواجهة الكثير من الأحداث.

اڼهارت باكية وتعالت صراختها وعويلها رغم تحذيرات الجميع لها. هو والدها الغالي سندها في تلك الحياة تركها ورحل بلا وداع. صړخت بإهتياج سبتني ليه يا بابا هنعيش لمين بعدك انت وعدتني تفضل معايا ڼهرتها سيدة ما ممسكة بها حرام عليكي يا بنتي الله بتعمليه ده مايرضيش ربنا صړخت پجنون أكبر غير عابئة بمن حولها ماتسبناش يا بابا ماتسبناش لا حول ولا قوة إلا بالله! قالتها سيدة أخرى وهي تنظر لها بإشفاق

صاح الحاج فتحي قائلا بصرامة بعدما أزعجه تصرفاتها الغير واعية خدوها من هنا ورجعوها دارها! كفاية فضايح احتجت قائلة بصړاخ عڼيف بعد أن جذبتها السيدات بعيدا عن القپور لألألأ.. مش هامشي من هنا سيبوني معاه صاح مجددا بغلظة أشد وهو يشير بعينين قاسيتين يالا من هنا! وبالفعل اقتادتها اثنتان من النساء بعيدا عن الحشد المتجهمر حول قبر العائلة وجرجراها على الأرضية الترابية وهما تحاولان تهدئتها لكن دون جدوى. اعتصر قلبها آلما وزاد تهدج أنفاسها حتى باتت عاجزة عن التنفس بسهولة.

هاهو الكفن الذي يضم أبيها بين جوانبه يرفع عاليا عن المحفة ليوضع في مكانه الأخير. تشكلت سحبا ضبابية حول عينيها وهي تسحب من ذراعيها بعيدا عن أغلى الأشخاص في حياتها. ودعته بقلبها قبل أن تميد بها الأرض وتسقط في ظلام حزين!!! الفصل الثاني مسحت بمنشفتها القطنية عيناها الباكيتان لتحدق في ابن خالتها الذي حضر خصيصا اليوم للحديث معها في أمر هام.. انتحـ,ـبت بصوت خفيض وهي تحاول السيطرة على نفسها أمامه. فقد مر أكثر من عشرة أيام على فراق شريك حياتها بدا الوقت كالدهر فمن سيملأ الفراغ من بعده

أما ابنتها فهي في وضع بائس حاضرة معها بجسدها لكن روحها وعقلها غائبين.. منذ دفـ,ـنه تحت الثرى وهي تذهب يوميا إلى تلك البقعة التي إعتادت الجلوس فيها معه في أرضه الزراعية تقضي بها ساعات مختلية بنفسها شاردة في ذكرياتها معه. فالفقيد لا يعوض وهو كان الحياة بالنسبة لها. عزاها الحاج فتحي قائلا بنبرة مواسية شيدي حيلك يا بنت خالتي! المرحوم كان غالي علينا كلنا! ردت عليه بصوت باكي الشدة على الله

أخذ نفسا عميقا وزفره على مهل ثم تابع بهدوء مريب أنا عارف إن الوقت مش مناسب للي جاي أقوله النهاردة بس.. س لازم أفتحك فيه! انتبهت حواسها بالكامل له وسألته متوجسة خير يا حاج فتحي صمت لبرهة قبل أن يجيبها بكلمة واحدة موجزة الأرض! انقبض قلبها نوعا ما فذكر تلك المسألة المؤجلة الآن ينذرها بوجود خطب ما.. ابتلعت ريقها وسألته بتوتر قليل مالها حدق فيها بنظرات جامدة ثم أجابها بصوت جاف

انتي عارفة كويس إن رياض الله يرحمه كان شريك معايا في حتة الأرض القبلية! أومأت رأسها بالإيجاب قائلة ايوه! أضاف قائلا بنبرة جادة وكمان عارفة إن الحريم هنا مابيتملكوش أراضي! أزعجها للغاية جملته الأخيرة فهي تفهم المغزى من ورائها أن النساء لا تورث ما له علاقة ب الطين وبالطبع امتلاك الأراضي الزراعية على رأس القائمة.. ورغم ذلك اعترضت على جملته قائلة بثبات وهي ترفع رأسها للأعلى في كبرياء اها.. ده العرف عندكم بس شرع ربنا بيقول….

قاطعها قائلا بعدم اكتراث شرع ربنا مش هانتعرض عليه وحقك انت وبنتك محفوظ! تشنجت قسمات وجهها كما ضاقت نظراتها المنزعجة منه وسألته بحدة خفيفة تقصد ايه بالظبط يا حاج فتحي أنا مش فهماك!!! نظر لها بجمود شديد وأردف قائلا وهو يشير بكف يده شوفي يا بنت خالتي أنا مقدر ظروفك وفاهم الحال عامل ازاي معاكم وصعب انتي أو بنتك تقفوا وسط الأنفار والرجالة وتديروا الأرض بنفسكم!

تمكن هو بكلماته المنتقاة بعناية من اللعب على الوتر الحساس فهو بالطبع لا يحتاج للإشارة إلى عجزها الجسدي ولا إلى صغر سن ابنتها التي انتهت من تعليمها الجامعي قبل فترة قصيرة لكن يكفيه أن يلمح لكونهما امرأتان ضعيفتان بل هشتان على الأرجح بلا رجل معيل يحميهما. أدرك أنه كان مصيبا في حديثه فتشجع لإكماله وتابع متحفزا المرحوم كان قايم بالليلة كلها ومش مقصر في حاجة بس الوضع اتغير دلوقتي وماينفعش اللي كان بيحصل زمان يتعمل عادي!

ردت عليه بصعوبة محاولة التمالك أمامه واظهار قوتها وضحلي غرضك يا حاج فتحي أجابها بنبرة عازمة وهو ينظر مباشرة في عينيها بقوة أنا هاشتري نصيبكم في الأرض بما يرضي الله وهراضيكم على الأخر! وجدت أن الأمر شبه محسوما من قبل ابن خالتها بالطبع الأمر معتاد هنا ومرتب له خاصة إن كانتا بمفردهما ولذا هي ليست بحاجة لتخمين النتائج.. حاولت فقط أن تثنيه عن رأيه وتعطي ابنتها فرصة لتقرير مصيرها فهتفت قائلة بصوت متردد

انت عارف ان أسيف متعلقة بحتة الأرض دي وفيها ذكرياتها مع أبوها ومن يوم ما المرحوم فارقنا وهي.. وهي دايما بتروح تقعد عند…. قاطعها قائلا بقسۏة جامدة ودي الحاجة التانية اللي كنت هاكلمك فيها إحنا عوايدنا غير ومايصحش اللي هي بتعمله لولا انتي مقدر الظروف وعارف إن العيبة ماتطلعش من بنت الحاج رياض خورشيد كنت اتصرفت معاها تصرف تاني! شعرت بتلميح ضمني يحمل الټهديد بين طيات كلماته فانقبض قلبها أكثر وخشيت على ابنتها من التعرض للأذى وبعاطفة أمومية صادقة هتفت مدافعة عنها

أنا بنتي متربية كويس والعيبة…. لم يدعها تكمل عبارتها للنهاية وقاطعها مكملا بقسۏة عارف ده يا ست حنان بس الناس ليها الظاهر! ردت عليه بحدة وقد بدا وجهها منزعجا للغاية الناس مابتسبش حد في حالها أبدا عاوزين ايه مننا ده احنا قافلين علينا بابنا و…. هتف مقاطعا بجدية مفرطة المثل بيقول الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح وأنا عرضت عليكي عرضي وهاسيبك كام يوم تفكري ويا ريت تحسبيها صح وتدوري على مصلحة بنتك!!!

حدقت فيه پصدمة واضحة. فقساوة الحياة لم تتركهما ينعمان بالهدوء لبرهة.. وها قد بدأت دوامتها. لم يضف المزيد ونهض واقفا من مقعده وابتسم لها بود مصطنع قائلا هاستنى منك رد قريب سلام يا مرات المرحوم الغالي!

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى