منوعات

اللحظه للفيديو اشتغل فيها

فلحد للحظة اللي الفيديو اشتغل فيها، الكل قرّب من شاشة الموبايل، والهدوء بقى مخيف. التسجيل كان واضح جدًا، وهبة باينة وهي طالعة السلم عشان ترد على مكالمة شغل، ولينا كانت قاعدة لوحدها على ترابيزة السفرة بتلون في كراسة الرسم. بعد أقل من دقيقتين، دخلت أمينة بهدوء وقعدت جنب حفيدتها وهي مبتسمة. في الأول المشهد كان طبيعي جدًا، لدرجة إن أحمد بص لهبة وقال: “شايفة؟ أمي كانت بس بتقعد معاها.” لكن هبة ما ردتش، كانت مركزة في كل حركة.

أمينة فتحت شنطتها وطلعت علبة صغيرة لونها وردي. فتحتها، وطلعت منها حاجات صغيرة ملونة. الصورة ما كانتش واضحة كفاية عشان يعرفوا هي إيه، لكن اللي ظهر بعد كده خلّى قلب هبة يدق بعنف. لينا مدت إيديها، وأمينة حطت حاجة صغيرة في كفها، والبنت حطتها في بقها على طول. وبعد ثواني… كررت نفس الحركة. مرة… واتنين… وتلاتة… لحد ما الفيديو اتوقف بسبب إن هبة رجعت من فوق، وأمينة بسرعة قفلت العلبة وحطتها في الشنطة كأن مفيش أي حاجة حصلت.

أحمد بص للشاشة وعنيه وسعت، وقال بصوت مهزوز: “لا… مستحيل.” أمينة ارتبكت وقالت بسرعة: “دي كانت شوكولاتة صغيرة… والله شوكولاتة.” لكن الدكتور اللي كان واقف معاهم قال بهدوء: “لو كانت شوكولاتة، مكانتش هتظهر أجسام معدنية في الأشعة.” الضابط طلب ياخد الموبايل كدليل، وفي نفس اللحظة طلب تفتيش شنطة أمينة. وشها اصفر، وإيديها بدأت ترتعش. ولما فتحت الشنطة… لقوا نفس العلبة الوردي. فتحها الضابط قدام الكل. كان فاضل فيها عدد من الكور المعدنية الصغيرة شديدة المغناطيسية، نفس النوع اللي خرج من بطن لينا أثناء العملية.

الغرفة كلها سكتت. أحمد رجع خطوتين لورا وهو بيبص لأمه، وقال بصوت مكسور: “إنتِ… إزاي كانت الحاجات دي معاكي؟” أمينة بدأت تتلعثم، وكل إجابة كانت متناقضة مع اللي قبلها، لحد ما الضابط قال: “واضح إن في تفاصيل كتير لسه مستخبية… والتحقيق هو اللي هيكشف الحقيقة كاملة.” لكن قبل ما حد ينطق بكلمة، لينا خرجت فجأة من غرفة العمليات وهي بتبكي وبتقول جملة واحدة خلت كل اللي في المستشفى يبصوا لبعض في ذهول…

لينا كانت لسه خارجة من تأثير البنج، وصوتها ضعيف جدًا، لكن أول ما شافت أمينة بدأت تصرخ وهي بتستخبى في حضن أمها. قالت وهي بترتعش: “متخلوهاش تقرب مني… هي هتزعل لو قلت.” الكلمة دي وقعت على الكل زي الصاعقة. الممرضة أخدت لينا بسرعة تهديها، لكن ضابط الشرطة طلب من هبة تفضل معاها، وبعد ما البنت هديت شوية، سألتها أخصائية نفسية كانت موجودة في المستشفى بهدوء: “مين اللي كان بيديكي الحاجات دي يا لينا؟”

لينا بصت لأمها، وبعدها نزلت عينيها وقالت: “تيتا قالتلي دي بونبوني سحرية… ولو كلتها هبقى أشطر بنت في الدنيا.” هبة انهارت في البكاء. أحمد حس إن رجليه مش شايلينه، وبص لأمه وكأنه أول مرة يشوفها. لكن أمينة صرخت وقالت: “دي طفلة… مش فاهمة بتقول إيه. حد لقنها الكلام ده.” الضابط رد بحزم: “إحنا مش بناخد بكلام الأطفال لوحده، لكن عندنا تسجيل كاميرات، وأدلة، وتحاليل طبية.” في الوقت ده وصل تقرير المعمل، وأكد إن كل الأجسام اللي خرجت من بطن لينا هي نفس نوع المغناطيس الموجود في العلبة اللي كانت مع أمينة.

الشك بقى أقوى من أي وقت فات. أحمد قرب من أمه وقال بصوت كله وجع: “قولي الحقيقة… ليه عملتي كده؟” أمينة سكتت شوية، وبعدها قالت وهي منهارة: “أنا… أنا مكنتش أعرف إنها هتأذيها. كنت فاكرة إنها هتعدي عادي.” الكل بص لها بعدم فهم. قال الضابط: “يعني إيه؟” ردت وهي بتعيط: “أنا كنت بشوف فيديوهات على النت بتقول إن المغناطيس ده بينضف المعدة والأطفال ساعات بيبلعوه ومبيحصلهمش حاجة… ولما لينا كانت بترفض تاكل، قلت أجرب أخليها تبلع كام واحدة مع الحلويات.”

الدكتور هز راسه بغضب وقال: “الكلام ده كارثة، وملوش أي أساس طبي.” لكن هبة كانت حاسة إن في حاجة ناقصة. بصت لأمينة وقالت: “ستة وتلاتين مغناطيس؟! إنتِ عايزة تقنعينا إنك كنتي بتديها كل ده من غير ما تعرفي إنه خطر؟” أمينة سكتت. وسكوتها كان أخطر من أي إجابة. وفي اللحظة دي افتكر أحمد حاجة خلت وشه يتغير تمامًا. طلع موبايله بسرعة، وفتح تسجيلات كاميرا تانية كانت راكبة في الجراج، لأنه افتكر إن أمه كانت نازلة للعربية قبل يومين وشالت منها كيس صغير وقالت إنها “هتخبيه بعيد عن الأطفال”.

ولما شغّل الفيديو… ظهر شخص تاني بيسلمها نفس العلبة الوردي، ومع أول لقطة واضحة لوشه، أحمد قال بصدمة: “مستحيل… هو إيه اللي جابه هنا؟!” أحمد فضّل يبص للشاشة وهو مش مصدق اللي شايفه، ولما الصورة وضحت أكتر، عرف الشخص فورًا. كان سامي، ابن خالته. سامي كان بيبيع ألعاب أطفال وإكسسوارات مستوردة، وكان بيزور البيت باستمرار، ولينا كانت بتحبه جدًا. الضابط طلب يعيد الفيديو أكتر من مرة. ظهر سامي وهو بيسلم أمينة العلبة الوردي، وبيضحك وهو بيقول: “خليها بعيد عن الكبار، دي هتعجب البنت.”

الجملة كانت غامضة، لكنها خلت الشك يزيد. الشرطة استدعته فورًا. بعد أقل من ساعة وصل وهو مستغرب، ولما شاف الضباط ارتبك. قال: “في إيه؟” الضابط حط العلبة قدامه وسأله: “دي بتاعتك؟” سامي اتنهد وقال: “آه… دي لعبة مغناطيس كنت جايبها من بره.” “وليه اديتها لمدام أمينة؟” رد بسرعة: “هي اللي طلبتها، قالت إنها عايزة تلعب بيها مع لينا لأنها بتحب الألوان.” أمينة صرخت: “كداب… أنت اللي قولتلي إنها آمنة حتى لو الأطفال بلعوها.”

سامي هز راسه بعصبية: “أنا عمري ما قلت كده، دي مكتوب عليها أصلًا إنها ممنوعة للأطفال أقل من 14 سنة.” الضابط طلب يفحص علبة اللعبة. وبالفعل، كان عليها تحذير كبير باللون الأحمر: خطر… قد يؤدي ابتلاع أكثر من قطعة إلى إصابات خطيرة أو الوفاة. أحمد حط إيده على وشه، وحس إن الدنيا بتلف بيه. بص لأمه وقال: “يعني شوفتي التحذير… وبرضه اديتيها للينا؟” أمينة انفجرت في العياط وقالت: “أنا مقريتش… افتكرتهم زي البونبوني الملون، ولما كانت بتبلع واحدة ومبيحصلهاش حاجة كنت بديها كمان.”

الدكتور قال بحزم: “ده إهمال جسيم، والنتيجة إن الطفلة كانت ممكن تفقد حياتها.” الشرطة اصطحبت أمينة لاستكمال التحقيق، بينما خرج سامي بعد ما اتأكدوا إنه باع اللعبة لكنه ما كانش موجود وقت ابتلاعها. مر أسبوع. لينا بدأت تتحسن، لكن كانت لسه بتصحى من النوم وهي مرعوبة، وتقول لأمها: “مش عايزة حد يديني بونبوني من غيرك.” أما أحمد، فكان الشعور بالذنب بيقتله، لأنه صدق الاتهامات اللي اتوجهت لهبة وسابها تواجه أصعب ساعات في حياتها لوحدها.

وفي يوم خروج لينا من المستشفى، وصل ظرف من النيابة باسم هبة. فتحته وهي فاكرة إنه مجرد إخطار عادي… لكن أول سطر فيه خلاها تتجمد مكانها، لأن التحقيق كشف معلومة جديدة تمامًا، معلومة كانت هتقلب القض\ية كلها من حادث إهمال… إلى جري\مة متعمدة. هبة فتحت الظرف وإيديها بتترعش، وبدأت تقرأ. التحقيقات أثبتت إن مفيش أي دليل على إن أمينة كانت ناوية تقتل حفيدتها، لكن في نفس الوقت أثبتت إنها تجاهلت التحذيرات المكتوبة على اللعبة، وفضلت تدي للطفلة المغناطيسات واحدة واحدة وهي فاكرة إنها مجرد خرز ملون، وده تسبب في إصابات خطيرة كادت تودي بحياة لينا.

النيابة وجهتلها تهمة الإهمال الجسيم وتعريض طفل للخطر، وتم إحالتها للمحاكمة. أمينة وقتها انهارت تمامًا، واعترفت إنها كل اللي كانت بتفكر فيه إنها تسكت لينا وتخليها تفرح بالحاجات الملونة، وإنها عمرها ما تخيلت إن اللي بتعمله ممكن يوصل لبنت صغيرة تدخل عمليات ويتشال جزء من أمعائها. أما أحمد، فكان أصعب درس في حياته. وقف قدام هبة وقال والدموع في عينه: “سامحيني… بدل ما أقف جنبك، صدقت إنك السبب واتهمتك قدام الناس.”

هبة بصتله وقالت بهدوء: “أنا مسامحاك علشان خاطر بنتنا… لكن الثقة لما بتتكسر، مش بترجع بسهولة.” الكلمات دي فضلت ترن في ودنه أيام طويلة. بعد شهور من العلاج، لينا بدأت ترجع تضحك وتلعب من جديد، لكن كل أفراد البيت اتغيروا. بقى أي لعبة جديدة تدخل البيت بيتراجع عليها أكتر من مرة، واتعلموا إن الألعاب اللي فيها مغناطيس صغير ممكن تبقى أخطر بكتير مما شكلها يوحي، وإن لازم تتحفظ بعيدًا عن الأطفال لأنها قد تسبب إصابات خطيرة إذا تم ابتلاعها.

أحمد نقل شغله يبقى قريب من بيته، وقرر يقضي وقت أطول مع مراته وبنته، وهبة رجعت لحياتها الطبيعية، لكنها عمرها ما نسيت اللي حصل في الليلة دي. أما أمينة، فكانت كل مرة تشوف صورة حفيدتها تبكي، لأنها عرفت متأخر جدًا إن لحظة استهتار واحدة ممكن تسيب ندم يعيش العمر كله. ولما كبرت لينا، سألت أمها يوم: “هو أنا كنت هموت فعلًا؟” هبة حضنتها وقالت بابتسامة فيها دموع: “لا يا حبيبتي… ربنا كتبلك عمر جديد علشان تفضلي معانا.”

ابتسمت لينا، وحضنت أمها بقوة. وفي اللحظة دي، هبة أدركت إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفلوس ولا الشغل… أغلى حاجة إن اللي بنحبهم يفضلوا سالمين، وإن ثانية إهمال واحدة ممكن تغيّر حياة أسرة كاملة إلى الأبد. تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى