منوعات

سـ,ـرقوا عمرى حكايات صافى هانى

​كنت واقفة وسط الوفود والمهندسين وأنا لابسة فستان سواريه لونه أسود ملكي، مفيش أي وجه مقارنة بيني وبين البنت الانطوائية اللي كانت لابسة برتقالي وواقفة تعيط ورا العمود من سنة. ​(مارجريت ويتلوك) جت وقفت جنبي، كانت لسة بكامل هيبتها وعكازها ذو المقبض اللولي. بصت للبرج وبصتلي وقالت بنبرة فخر حقيقية: “أنا عمري ما راهنت على حصان وخسر يا بروك. أنتي مش بس بنيتي برج.. أنتي بنيتي اسمك بحروف من دهب في السوق”.

​ابتسمت لها وقلت: “الفضل يرجع لثقتك فيا يا مدام مارجريت”. ​قالتلي وهي بتغمز بعينها: “الفضل يرجع لعقلك وتعبك.. العيلة اللي تفرط في جوهرة زيك عشان تشتري مظهر كداب، متستاهلش حتى الندم”. ​وأحنا بنتكلم، لمحت من بعيد حركة غريبة عند بوابة الأمن الخارجية. الأمن كان بيمنع ناس يدخلوا. ركزت في وشوشهم.. كانت أمي و(سلوان). ​(سلوان) كان باين عليها التعب والبهدلة، ومبقاش فيها أي أثر للبنت الـ (High class) الشايفة نفسها، وأمي كانت واقفة بتتحايل على الأمن ويورولهم دعوة قديمة أو بيحاولوا يستعطفوهم باسمي.

​شاورت للأمن يسيبوهم يدخلوا. مش شفقة، ولا حنين.. بس كنت عاوزاهم يشوفوا الحقيقة كاملة. ​أمي أول ما شافتني جاية ناحيتهم، عينيها لمعت بدموع ورجاء، وجريت عليا وقالت: “بروك! يا بنتي أخيرًا عرفنا نوصلك.. أختك حالتها بتسوء كل يوم، ومحدش راضي يشغلها، والديون كترت علينا بعد القضايا اللي خسرناها مع عيلة ويتلوك.. أنتي لازم تشغليها معاكي هنا في الشركة، حتى لو سكرتيرة في مكتبك.. أنقذينا يا بروك”. ​(سلوان) كانت واقفة باصة للأرض، مكسورة تماماً، ومقدرتش حتى ترفع عينها في عيني. الوشوش اتقلبت، والأدوار اتبدلت.

​بصيت لأمي، وبعدين بصيت لـ (سلوان) وقلت بكل هدوء وثبات: “الشركة هنا مبتقبلش غير الكفاءات، والشهادات الحقيقية.. وأظن إحنا جربنا قبل كدة القصة دي وطلعت فاشلة”. ​أمي قالت بصوت بيترعش: “يعني هتونسي أهلك يا بروك؟ هتسيبنا للناس تاكل وشنا؟” ​رديت عليها وأنا بعدل الخاتم في إيدي، وببص لمعالم البرج اللي ورايا: “أنا مسيبتكمش.. أنتوا اللي سبتوني زمان ورا العمود الرخام، وبعتوني عشان تشتروا قصة وهمية. أنا دلوقتي مشغولة بنجاحي وبمستقبلي.. زي ما سبتكم زمان تعيشوا اللحظة بتاعتكم.. سيبوني أنا كمان أعيش حياتي”.

​ناديت على الأمن وقلت لهم باحترام: “اتفضلوا وصلوا السيدات للبوابة الخارجية.. عشان وقت الحفلة والتكريم بتاعي بدأ”. ​لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت كعب جزمتي بيثق في الأرض، ورايحة ناحية المنصة والميكروفون عشان أستلم جائزة أفضل مشروع هندسي للسنة. ومبصتش ورايا تاني.. لأن اللي بيبني بيوته على كدب، ملوش مكان وسط الأساسات اللي اتصبت بالصخر والعرق.

طلعت على المنصة، وصوت التسقيف كان بيهز القاعة. وأنا باستلم الجائزة من وزير الإسكان ورئيس النقابة، بصيت للدرع اللي في إيدي، وفجأة افتكرت كل ليلة سهرتها تحت ضوء لمبة مكتب صَغيرة، وكل كلمة إحباط سمعتها من عيلتي، وكل مرة حسيت فيها إني ماليش قيمة جنب “سلوان” الجميلة المدللة.

​حطيت المايك قدامي، وبصيت للمعازيم كلهم وقلت بنبرة واضحة ومسموعة في كل ركن: “الجائزة دي مش مجرد تكريم لشغل هندسي.. الجائزة دي إثبات إن الحقيقة مبيتردمش عليها، وإن الأساسات الغشاشة لازم تقع، مهما كان الوش برة مدهون وجميل. شكراً لكل حد آمن بيا، وشكراً أكتر لكل حد حاول يهدني.. لأنكم خلّيتوني أبني نفسي من صخر”. ​القاعة كلها صقفت، ولمحت (مارجريت ويتلوك) واقفة في الصف الأول بتسقفلي بابتسامة نصر وفخر تخوف، كأنها بتقول للعالم كله: “أنا مفيش حد بيقدر يغفلني”.

​بعد الحفلة ما خلصت، رحت الأوتيل عشان أغير فستاني وأرتاح. وأنا بفتح تليفوني، لقيت رسالة مبعوتة على الواتساب من رقم غريب، فتحتها.. كانت رسالة طويلة من (سلوان).

​الرسالة كانت غريبة، مفيش فيها شتايم ولا غرور لأول مرة، كان فيها انكسار حقيقي: “بروك.. أنا عارفة إني غلطت في حقك، وعارفة إن أمي ظلمتك معايا. بس أنا خسرت كل حاجة.. خطيبي، وسمعتي، وصحابي، وحلم حياتي إني أكون فوق. أنا دلوقتي قاعدة في أوضتي مش قادرة أخرج الشارع من نظرات الناس. أنتي أخدتي حقك وتالت ومتلت، بس أرجوكي.. بلاش تخلي مدام مارجريت تقطع عيشنا في السوق.. بابا مش هيستحمل يبيع البيت اللي عايشين فيه عشان يسدد التعويضات. ارحمينا”

​قريت الرسالة مرتين، ومحستش بأي تشفي ولا غل.. محستش بحاجة خالص! الإحساس بالبرود تجاههم بقى غريب، كأنهم بقوا ناس أغراب عني تماماً ماليش علاقة بيهم. ​كتبت لها رد من خمس كلمات بس: “ابنوا حياتكم على الحقيقة.. وهتعيشوا”.. وعملت للرقم “بلوك”. ​بعدها بأسبوع، كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الدور الأخير من البرج، الباب خبط ودخلت (مارجريت). قعدت وقالتلي: “سمعت إن أختك بعتتلك تستعطفك عشان قضية التعويضات؟” ​بصيت لها وقلت: “فعلاً حصل يا مدام مارجريت. وأنا مش هتدخل.. القانون ياخد مجراه، وأنا ماليش دعوة بأي تصفية حسابات برة الشغل”.

​مارجريت ضحكت وقالت: “برافو عليكي.. كنت خايفة قلبك يحن ويبوظلك اللي بنيتيه. على العموم، أنا جيت أقولك إننا هنبدأ الأسبوع الجاي معاينة لأرض المشروع الجديد في الإسكندرية.. وعاوزاكي أنتي اللي تقودي الوفد بالكامل”.

​وقفت وبصيت من الشباك الإزاز العملاق على البلد كلها وهي تحت رجلي، والشمس بتعكس ضوئها على المباني، وقلت وثقتي في السما: “جهزيلي الورق يا مدام مارجريت.. أنا جاهزة من دلوقتي لأي برتدج جديد”.​من ليلة الفستان البرتقالي لغاية اللحظة دي، اتعلمت درس واحد عمري ما هنساه: “الناس المزيّفة ممكن تسـ,ـرق لبسك، صورك، أو حتى كلامك.. بس عمرها ما هتعرف تسـ,ـرق اللي جوة دماغك، لأن العقل والتعب هما الحاجة الوحيدة اللي مبيتعملهاش كوبي وبيست”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى